وزراء العدل العرب يؤكدون:التحديات الأمنية تتصاعد ويجب تفعيل الاتفاقيات العربية

وزير العدل المصرى: العدالة الرقمية ركيزة أساسية لتطوير المنظومة القضائية

اجتمع وزراء العدل العرب في الدورة الحادية والأربعين لمجلسهم الوزاري بمقر جامعة الدول العربية واشتمل جدول الأعمال على عدد من القضايا المحورية مثل: غسيل الأموال، وتنظيم أوضاع اللاجئين والنازحين، وكذلك الملفات الأمنية العابرة للحدود مثل الإرهاب وتمويله بالإضافة إلى الجرائم السيبرانية والقضايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحماية البيانات الشخصية.

الحقيقة أن هذه القضايا ليست جديدة على جدول الأعمال العربي، لكنها اليوم أكثر إلحاحًا لأن المنطقة باتت تحتاج إلى منظومة قادرة على الاستجابة الفعلية للتحديات المتسارعة، وفى هذا السياق، حاول الوزراء إعادة طرح الاتفاقيات  العربية الخاصة بمكافحة الإرهاب، وغسل الأموال، وتنظيم أوضاع اللجئين، فضلً عن مناقشة مشاريع قوانين استرشادية تتعلق بخطاب الكراهية، وحماية الأطفال من التجنيد، وتحديث التشريعات  الخاصة  بالمخدرات والمؤثرات العقلية. وفى هذه الدورة كأن التركيز على مشروع الاتفاقية العربية لحماية البيانات الشخصية، وهو ملف يعكس اعترافًا عربيًا بأهمية الخصوصية الرقمية. والتطور الكبير الحادث فى هذا المجال من حيث المبدأ، ولكن التحدى يكمن فى غياب البنية المؤسسية اللزمة لتنفيذها فى أغلب الدول، فضلً عن اختلف تعريف الخصوصية ومعايير حماية المعلومات بين دولة وأخرى. كما أن الربط بين هذا المشروع وبين توسع استخدام التكنولوجيا فى  المحاكم  العربية لا يزال غير واضح، فالحماية الرقمية ليست مجرد نص قانونى بل تتطلب منظومة أمن سيبرانى قوية، وتدريب قضاة، وتحديث بنية تحتية وهى عناصر تفتقر إليها غالبية الأنظمة القضائية فى المنطقة.

تكنولوجيا رقمي

فيما يخص الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب وتمويله، وغسيل الأموال   أشار  بعض  المجتمعين إلى أن الشبكات التمويلية للإرهاب تتطوّر وتستخدم التكنولوجيا الرقمية، ما يتطلب صياغة قوانين قوية وتدريب قضائى متخصص. وأعرب آخرون عن القلق من أن الاتفاقيات الموجودة لم تُفعّل بشكل فعّال فى عدد من الدول، وأن التنسيق يبقى شكليًا فى كثير من الأحيان.

كما أعاد الوزراء التأكيد على أهمية تفعيل الاتفاقيات العربية القائمة، وهى اتفاقيات مضى عليها سنوات دون نتائج واضحة على الأرض. ومع أن التحديات الأمنية تتصاعد، فإن التعاون العربى ما زال محكومًا بالاعتبارات السياسية لكل دولة، وغالبًا ما يُفضّل التنسيق  الثنائى أو الإقليمى على التعاون العربى الشامل. وبالتالى تظل البيانات الختامية  تؤكد  أهمية التنسيق بينما تبقى الأدوات الفعلية محدودة أو منقوصة. وفى هذا السياق.

مفهوم الكراهية

وعلى صعيد الجرائم الإلكترونية، كان هناك تركيز واضح على الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، باعتبارها أداة أساسية لمواجهة ما يُعرف ب “الإرهاب السيبراني” والابتزاز المالى عبر الحدود الرقمية. وكذلك تم التطرق إلى مشروع قانون استرشادى لمنع خطاب الكراهية، لكن بعض الوزراء نبّهوا إلى أن مفهوم الكراهية يختلف من دولة إلى أخرى، وأن صياغة نص موحّد قد يُفتح الباب لإساءة استخدام التشريع ضد الانتقاد السياسى أو حرية التعبير.

وفى ما يخص اللجئين، بُحث ملف تنظيم أوضاع اللجئين العرب، لكن بعض الحديث أشار إلى أن النصوص العريضة لا تكفى ما لم تُترجم إلى سياسات استقبال وحماية فعلية، خاصة فى ظل التفاوت الكبير بين الدول العربية فى الموارد والقدرة على الاستيعاب.

عدالة المستقبل

كما هناك جانبًا لافتًا يتعلق بالتوجه نحو ما يمكن تسميته (عدالة المستقبل.) حيث إن الكثير من الكلمات خصوصًا من مصر والجزائر ركّزت على التحول الرقمى فى القضاء وتبنى أنظمة إلكترونية لإدارة الدعوى. هذا التحول قد يكون بوابة لتحديث حقيقى للعدالة العربية إذا جرى التعامل معه بجدية، لأن الرقمنة ليست مجرد تسريع للإجراءات، بل هى إعادة صياغة كاملة لفلسفة العمل القضائي. لكن مرة أخرى، الفجوة بين الطموح والواقع تبقى واسعة، فمن غير الممكن بناء عدالة رقمية دون بنية تحتية قوية، ودون تدريب آلاف الموظفين والقضاة، ودون وجود تشريعات مواكبة للتكنولوجيا. لذلك يبقى الحديث فى الوقت الحالى أقرب إلى إعلن نوايا منه إلى تحول مؤسسى حقيقي.

العدالة الناجزة

الكلمات الافتتاحية التى طُرحت فى الجلسات الأولى عكست أهمية القضايا المطروحة وواقع الأداء الفعلي. فى كلمة بارزة عرض المستشار عدنان فنجرى وزير العدل المصرى رؤية الدولة المصرية بعد نقل تحيات الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى الحضور حيث أشار الى  مشروعات التحديث داخل مصر مثل المحاكم الذكية والتقاضى الإلكتروني، فى إشارة واضحة إلى أنّ الدول الأن يجب الا تتعامل مع العدالة بمنطقها التقليدي، وأن التطور التكنولوجى لم يعد رفاهية. مشيرا أيضا إلى وجود فجوة واسعة بين الدول العربية فى مستوى البنية الرقمية  وتأثير ذلك على صياغة اتفاقيات مشتركة لحماية البيانات أو تنظيم التداول الإلكترونى للمعلومات.

وأكد على أن مصر ترى فى العدالة الرقمية ركيزة أساسية لتطوير المنظومة القضائية، وأن التقاضى الإلكترونى والمحاكم الذكية ليسا رفاهية بل ضرورة لضمان شفافية أسرع، وإن العدالة الناجزة تمثل هدفًا استراتيجيًا من أجل استقرار المجتمع. مشددا  على أن بناء منظومة عدالة عربية فعالة يتطلب توحيد الرؤى التشريعية وتبادل الخبرات الوطنية بين الدول العربية، مؤكدًا أن مصر على استعداد لتكون منارة فى هذا التحوّل إذا ما تناغمت الإرادات. واختتم حديثه بتطلعه أن تفضى مداولات هذه  الدورة  إلى  نتائج تُترجَم إلى آليات تنفيذية فعّالة.

إرادة قانونية

ومن جهته عبر أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط عن تقدير جامعة الدول العربية للدور الذى يمكن أن يلعبه مجلس وزراء العدل فى تعزيز التعاون القضائى العربي، وأكد أن القضايا القانونية العابرة للحدود اليوم لها بعد أمنى وإنسانى فى آن واحد. مشيرا إلى أن المنطقة تبدو أكثر تعقيدًا الآن مما كانت عليه قبل سنوات، وأن التصدى للإرهاب وغسل الأموال وحده لا يكفى ما لم يكن هناك تنسيق تشريعي حقيقي ودعم مؤسسى من الدول الأعضاء. وأضاف أن الجامعة العربية تدعم إرادة قانونية عربية موحدة لكنها تدرك أيضا أن الفجوة بين الطموح والواقع كبيرة وأن تحقيق العدالة المشتركة يتطلب التزاما دائما وليس مجرد اجتماعات سنوية.

كما أكد أيضا على أن هذه الدورة تعقد في توقيت دقيق من تاريخ منطقتنا وسط كل التطورات والتجاذبات الدولية حيث لا تزال تعانى المنطقة العربية من صراعات ونزاعات خطيرة تمزق الدول مع كل ما ينطوى على ذلك من آثار وتداعيات عابرة للحدود من معاناة الشعب الفلسطيني الذي تعرض لأبشع الجرائم والأفعال المنافية للإنسانية والأخلاق من محتل غاشم لا يحترم القانون الدولي ولا يبدى أي نية حقيقية لتحقيق السلام.

- قضايا ملحة

ومن الحضور تحدث وزير العدل القطري ابراهيم

المهندي ) ليؤكد على التزام قطر بالقانون والاستثمار العادل مؤكدا على إن التكنولوجيا وحوكمة الاستثمار يجب أن تكونا في قلب التشريعات الحديثة. أما وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة فنوه بأن جدول أعمال الدورة يضم ١٤ بندا وصفها بالقضايا الملحة، بما في ذلك مشروع اتفاقية لحماية البيانات الشخصية، وهو اقتراح تقدمت به الجزائر، فضلا عن قوانین استرشادية للأطفال واللاجئين ومكافحة المخدرات.

تحول رقمي

وفي ختام الدورة، تم رفع توصيات تشمل تبنى برامج عمل لدعم التحول الرقمى فى منظومات وزارة العدل والنيابات، وتعزيز استقلال القضاء، وتدريب القضاة وتحديث الاتفاقيات العربية، لكن دون إعلان آليات محاسبة صارمة أو جدول زمني واضح لتنفيذ القرارات حيث أن ما تم يعتبر الخطوة الأولى من حيث فتح حوارات قانونية حول قضايا هامه وأصبحت ملحة لكن الطريق طويل نحو تطبيق فعلي..

مشاركة فلسطينية

ولأن فلسطين بند أساسي أو قضية رئيسية على كل الاجتماعات العربية فقد شارك وفد دولة فلسطين برئاسة مندوب فلسطين لدى الجامعة العربية، مهند العكلوك رافقه عدد من المستشارين وموظفي وزارة العدل الفلسطينية، وقد ركز الوفد الفلسطيني في مداخلاته على التأكيد على المسؤولية القانونية للاحتلال الإسرائيلي تجاه الجرائم والانتهاكات المرتكبة يحق الشعب الفلسطيني، داعيا إلى إدراج هذه الجرائم ضمن قوائم الإرهاب الدولية، ومشددا على ضرورة محاسبة الاحتلال دوليا على هذه الانتهاكات كما قدم الوفد الفلسطيني مقترحا لإعادة بناء قطاع العدالة في غزة، في محاولة لإعادة إحياء المؤسسات القضائية والعدلية التي تضررت بفعل الاعتداءات المستمرة، مع التركيز على ضمان حقوق المواطنين الفلسطينيين وتوفير منظومة قضائية مستقرة وفاعلة، وقد مثلث مشاركة فلسطين في الاجتماع تأكيدا على استمرار المطالبة بحقوقها القانونية في المحافل العربية، وعلى الحاجة الملحة لدعم قضيتها ضمن أجندة التعاون القانوني العربي، رغم محدودية ظهور تأثيرها المباشر في نتائج بعض القرارات أو التوصيات النهائية.

نداء عاجل

وقد وجه السفير العكلوك نداء عاجلا إلى وزراء العدل العرب من أجل تفعيل القرارات الصادرة عن مجلس وزراء العدل العرب سابقا التي تضت على دعم وزارة العدل الفلسطينية وقطاع العدالة في فلسطين مطالبا بدعم الأشقاء في استعادة وحدة النظام القانوني والقضائي بين الضفة الغربية وقطاع غزة كخطوة بالغة الأهمية تعكس الوحدة السياسية والجغرافية للأرض الفلسطينية وفى إطار سياسة "دولة واحدة وحكومة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد التي قدمها الرئيس محمود عباس رئيس دولة فلسطين إلى العالم.

قوانين فعلية

يبقى السؤال: هل تكتفى الدول العربية بهذا النوع من الاجتماعات كوسيلة روتينية وشكلية لإظهار الوحدة القانونية أم إنها فعلاً تنوى تحويل هذه المناقشات إلى قوانين ومشروعات يتم تنفيذها على أرض الواقع ... في الفصل الاجتماعات المهمة، لكن الأهم هو ما يحدث بعدها لأنه في ظل الواقع العربي الحالي - ليس مجرد اجتماع هو ما يحدد مصير العدالة، بل التنفيذ والالتزام حيث ان التطوير والتحديث والتعاون الجاد أصبحأمرا مهما وملكا وليس بحديث روتيني أو للرفاهية. وإلا بقينا محلك سر في ظل التطور العالمي الرهيب.

 	هويدا عبد الوهاب

هويدا عبد الوهاب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

خطة ملادينوف تصطدم بـ«سلاح المقاومة».. ومخطط إسرائيلى للبقاء فى غزة

ديمترى دليانى: تحويل المقاومة إلى حزب سياسى لايتوّج إلا بالاستقلال والسيادة د. أسامة عامر: حل أزمة القطاع تكمن فى منح...

كواليس زيارة «ترامب» إلى الصين.. وتفاصـيل التحول فى هندسة العلاقات الدولية

د. طارق فهمى: صياغة تفاهمات استراتيجية واقتصادية.. تعيد التوازن لعلاقات واشنطن د. محمد فرحات: حزمة من الملفات المعقدة كانت على...

وصايا الرئيس «السيسى» لإنقاذ العالم من الأزمات

تسويـة النزاعـات القائمـة بالطـرق السلميــــــــــة.. والحفاظ على سيادة الدول إصلاح النظام المالى الدولى.. وكسر معضلة الديون السيادية عدم الإضرار بمصالح...

التحذير الأخير للمتآمرين على وحدة السودان

تعد اللحظة الراهنة في السودان هي الأخطر منذ اندلاع الصراع المسلح، حيث تحولت الأراضي السودانية من ساحة نزاع داخلى إلى...