الرئيس الأمريكى يخطط لوضع أوروبا فى مربع «التابع » على رقعة قوى النظام العالمى الجديد
لم يبدأ هجوم ترامب وفريقه على رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكى من المكتب البيضاوي، وإنما بدأ عند استبعاد كييف من المحادثات الأمريكية الروسية فى الرياض. قبلها حاصرت إدارة ترامب أوكرانيا فى مساحة ضيقة، لا تقبل بغير انصياع كييف لبنود صفقة مزدوجة، تسترد من خلالها واشنطن حزمة تمويل إدارة جو بايدن للحرب الأوكرانية (350 مليار دولار) عبر توقيع زيلينسكى اتفاق المعادن الأوكرانية (خاصة النادرة) مع الولايات المتحدة، وفى المقابل إغراء روسيا وتحييدها بعيدًا عن الصين بورقة وضع أوزار حرب السنوات الثلاث، وقد تسفر الدبلوماسية الأمريكية عن تدشين تحالف جديد بين واشنطن من جهة، وبكين وموسكو من جهة أخرى.
فى إطار نجاح المعادلة الدبلوماسية فى تحقيق المرجو منها، تمتلك واشنطن حينئذ أدوات إدارة أوكرانيا الجديدة بعد الإطاحة برئيسها زيلينسكي، وترشيح خليفة يمكنه التعاطى مع مفردات اللعبة الجديدة بين واشنطن وموسكو وربما الصين. حينئذ أيضًا تصبح أوروبا (رغمًا عنها) تابعًا لقوى النظام العالمى الجديد، لا سيما إذا تجاوبت واشنطن وموسكو مع تنحى زيلينسكى عن السلطة مقابل انضمام بلاده إلى حلف شمال الأطلنطى (الناتو)، حسب تصريحاته.
وما يؤكد تلاقى فكرة الإطاحة بالرئيس الأوكرانى بين واشنطن وموسكو، هو أن الطرح ليس جديدًا، إذ دعا إليه الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أكثر من مرة، واصفًا زيلينسكى بـ«الرئيس غير الشرعي»، فى إشارة إلى تفادى أوكرانيا لفترة طويلة إجراء انتخابات رئاسية؛ وفيما عزا زيلينسكى التقاعس عن تلك الخطوة إلى ظروف الحرب، رأت دوائر فى الكرملين أن زيلينسكى يتخذ من الحرب ذريعة لبقاء نظامه.
أبعاد أعمق
قبل قمة المكتب البيضاوي، قرر ترامب إدارة ظهره لأوكرانيا، وبينما لم يخطر على بال المراقبين إمكانية وصول الأمر حد المواجهة، وإلغاء المؤتمر الصحفى المقرر بين الزعيمين الأمريكى والأوكراني، وطرد الأخير من البيت الأبيض (دون غداء)، كانت مؤشرات انقلاب إدارة ترامب على أوكرانيا ورئيسها واضحة: قبل القمة، دعا ترامب إلى إجراء محادثات مع الروس فى الرياض دون حضور الطرف الأوكراني. ودلفت المؤشرات إلى أبعاد أعمق عندما قال وزير الدفاع الأمريكى بيت هيجسيت إن «طموحات أوكرانيا الرامية إلى استعادة الأراضى التى احتلتها روسيا غير منطقية»، ورفضه اعتبار الاتصالات القائمة بين ترامب وبوتين «خيانة لأوكرانيا».
لكن غير المعلن فى استراتيجية واشنطن الخشنة حيال أوكرانيا، هو العودة إلى التباحث الأمريكى مع موسكو دون كييف، وفرض بنود اتفاق أمريكى روسى على أوكرانيا. ويبدو أن ذلك كان هو الباعث الرئيسى على أزمة المكتب البيضاوى بعد وصول زيلينسكي؛ فحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، لم يتحول الحديث إلى مشادة نتيجة لكلام زيلينسكي، وإنما بات واضحًا أن ترامب ونائبه فانس تأهبا من البداية للهجوم على الرئيس الأوكرانى وبشكل معلن أمام وسائل الإعلام، حتى أن وسائل الإعلام التى حازت حق طرح الأسئلة على زيلينسكى كانت منتقاه، وكانت فى مجملها محسوبة على اليمين الأمريكي. ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مراسل وكالة الأنباء الروسية «تاس» أن ملابسات انعقاد القمة لم تكن تقليدية، وأنها انطوت على «ارتباك غير مبرر»؛ وأضاف: «لم يدرج اسمى ضمن المراسلين المسموح لهم بدخول البيت الأبيض، لكنهم سمحوا لى بذلك، ولم ينتبهوا إلى وجودى إلا بعد رحيل (أو طرد) زيلينسكي».
خبرة متواضعة
بخبرته السياسية المتواضعة، لم يدرك زيلينسكى عمق شراك فخ المكتب البيضاوي، ويبدو أنه انتهى قبل انتصاب سيارته رباعية الدفع أمام مدخل البيت الأبيض من مراجعة خطاب اعتاد تلاوته على آذان مستقبليه فى واشنطن. لم يفطن زيلينسكى إلى أن قاطن البيت الأبيض الجديد لن تطربه السرديات الأيدلوجية، وبينما وصل إلى واشنطن من أجل استمرار تأمين الدعم الأمريكى فى المعركة لإنهاء الحرب الروسية، خرجت الأمور سريعًا عن السيطرة، واكتشف زيلينسكى جلوسًا على قرون المعضلة: إما القبول بالصفقة وتسديد فاتورة دعم إدارة جو بايدن، أو عزلة أوكرانيا وتركها وحيدة بين فكى الدب الروسي.
لم يكن زيلينسكى ولا حتى ترامب مسؤولان عن تردى الأسلوب خلال لقاء المكتب البيضاوى وتحوله إلى مشادة، وإنما كان لنائب الرئيس جى دى فانس نصيب الأسد فى نشوب المعركة الذى خالف بروتوكولات البيت الأبيض المرعية عند استقبال زعماء العالم فى المكتب البيضاوي. وفى هذا الخصوص تشير «وول ستريت جورنال» إلى إنه عندما يأتى الرؤساء وزعماء العالم إلى الولايات المتحدة للقاء الرئيس، يجلسون عادة فى المكتب البيضاوى ويتناوبون تلاوة البيانات المعدة مسبقًا أمام وسائل الإعلام. بعدها يغلق الزعماء الأبواب ويقومون بتسوية الخلافات بعيدًا عن الأضواء، أو على الأقل يحاولون القيام بذلك، وهذا ما حدث فى وقت سابق عندما التقى ترامب الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر».
سبق إصرار
السؤال المطروح: لماذا تجاوز جى دى فانس البروتوكولات مع زيلينسكي؟ الشواهد تؤكد أن ما حدث لم يكن عبثيًا، وإنما كان مرتبًا مع سبق إصرار وترصد؛ فحتى لقاء ترامب مع ماكرون وستارمر كان استثنائيًا فى هذه المرة، ويعكس ذلك أسلوب الرئيس الأمريكى لاسيما مع حلفاء ليبراليين يسعى للظهور أمامهم بفوقية أو قوة. أما أوباما على سبيل المثال، فكان يؤمن مثل بايدن باقتصار المشاورات مع الزعماء على جلسات ثنائية وخلف أبواب مغلقة. وسط ذلك، تشير البروتوكولات الأمريكية إلى أن نائب الرئيس عادة ما يكون شخصية رمزية بالكامل تقريبًا، لكن فانس خالف القواعد المتبعة خاصة فى لقاء زيلينسكي، فبينما لم يظهر فى لقاءات سابقة، انفرد تقريبًا بمواجهة الرئيس الأوكراني، وهو ما يؤكد اتفاقه المسبق مع ترامب للتدخل باعتباره شخصية أيدلوجية معروفة بمناهضة أوكرانيا منذ عدة أشهر.
وزير الخارجية الأمريكى مارك روبيو حضر هو الآخر لقاء البيت الأبيض، لكنه، حسب صحيفة «واشنطن بوست»، أبدى امتعاضًا من تطور الحوار إلى مشادة، ورغم أنه كتب تغريدة مؤيدة لترامب إزاء ما يخص اللقاء، لكن تعابير وجهه أبدت خلال اللقاء تحفظًا على سلوك زملائه وإحراجا إلى حد الألم، وربما تعود تحفظاته إلى أمرين: عدم إيمان روبيو بنهج ترامب فانس فى تغليب الوقوف بجانب روسيا على حساب أوكرانيا، بالإضافة إلى شعوره بأنه كان شريكًا فى مشهد المكتب البيضاوى الذى يعود إخراجه إلى ترامب فانس.
الدفتر الأزرق
ولم يكن روبيو الوحيد الذى تفاجأ بما حدث أمام عينيه، فبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، فوجئ المراسلون الآخرون الموجودون فى الغرفة بتطور المواجهة. ومع احتدام النقاش فى المكتب البيضاوي، توقفت السفيرة الأوكرانية أوكسانا ماركاروفا عن الكتابة فى دفترها الأزرق ووضعت رأسها بين يديها، فى حين همس أحد موظفى البيت الأبيض قائلًا: «سيكون هذا الحدث كبيرًا جدًا». فى الوقت نفسه، كان ترامب هو الآخر يتعرض للتهديد من قبل زيلينسكى على المستوى الشخصي، لا سيما وأن الرئيس الأوكرانى يحظى بشعبية واسعة على مستوى العالم قياسًا باستطلاعات الرأى الأمريكى التى ترفض تصرفات ترامب مع الملف الأوكراني، لذلك استخدم ترامب لقاء زيلينسكى كفرصة ليثبت لقاعدته الانتخابية أنه على حق، وأن روسيا هى الخيرة وأوكرانيا هى الشريرة، ولاقت الفكرة تطورًا فى استطلاعات الرأى الأمريكية لاحقًا حين نال الرئيس الأمريكى إعجاب قاعدة جماهيرية أوسع.
رغم ارتفاع جماهيرية ترامب فى الشارع الأمريكى بعد لقاء زيلينسكي، إلا أنه واصل الخط الذى بدا عليه: من ناحية، مارس نوعًا من الإمبريالية على طراز عام 1897 فى الفناء الخلفي، كما اتضح من كلماته وسلوكه فيما يتعلق بجرينلاند وكندا وكل شيء. ومن ناحية أخرى، بث ترامب نزعة انفصالية أمام العالم، وهو ما يخدمه أيضًا فى محاولة التقارب من بوتين، وربما حتى فى محاولة – مصيرها الفشل - لإبعاد روسيا عن الصين. وبالمقارنة مع ترامب الذى أحرز مكسب نتيجة مشادة المكتب البيضاوي، لم يحرز زيلينسكى أى مكسب، فلم يكن للأخير مكاسبًا من الخلاف مع الولايات المتحدة، ولم تفلح سردياته الأيدلوجية فى شراء تعاطف قاطن البيت الأبيض وفريقه الرئاسي.
بدلة الرئيس
حتى مظهر الرئيس الأوكرانى كان مبررًا أيضًا للتنكيل بصاحبه فى المكتب البيضاوي، وقام الصحفى الأمريكى بريان جلين بالمهمة حين وجه سؤالًا عدوانيًا لزيلينسكي: «الرئيس زيلينسكي، لماذا لا ترتدى بدلة رسمية؟ ألا تمتلك واحدة؟ الشعب الأمريكى يجد مشكلة فى عدم ارتدائك بدلة رسمية خلال تواجدك فى أهم الأماكن الرسمية بالولايات المتحدة. لم ينل سؤال جلين استحسان العديد من المراقبين فى واشنطن، لا سيما وأن رئيس مكتب تحسين كفاءة عمل الحكومة الأمريكية إيلون ماسك ظهر فى البيت الأبيض وقبل أيام من لقاء المكتب البيضاوى مرتديًا قميصًا مكتوب عليه عبارة «الدعم الفني» تحت معطفه. وعندما تحدث ماسك إلى جانب ترامب فى المكتب البيضاوى الشهر الماضي، بدا وكأنه يرتدى قميصًا كتب عليه «احتلوا المريخ».
لكن ملف بريان جلين كشف عن أسباب التنمُّر على الرئيس الأوكراني، فالصحفى ينتمى إلى شبكة أخبار تلفزيونية متطرفة، كما أنه زوج عضوة الكونجرس مارجورى تايلور جرين المعروفة بتأييد الرئيس ترامب، وأبدت فى السابق إعجابًا ببعض التغريدات التى دعت إلى "إعدام سياسيين ديمقراطيين".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج
3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...
خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى
لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...