خبراء العلاقات الدولية يحددون 3 سيناريوهات تحـكم مصـير الدولـة السـورية

تواجه سوريا مرحلة حرجة بعد رحيل نظام الأسد، خاصة بعد اختفاء الجيش السوري، ما يثير مخاوف من تقسيم البلاد، وتأتى هذه التطورات مع تساؤلات حول دور الإدارة الأمريكية فى التصعيد، وضلوع إسرائيل فى تفاقم الأوضاع من خلال استهداف مواقع إيرانية وسورية.

 

فى البداية أوضح السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة، أن ما تشهده سوريا من تطورات يعكس مشهدًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا، مختلفًا عما حدث فى العراق بعد الغزو الأمريكي، فالجيش السورى لم يقاوم الهجوم الذى قادته الفصائل المسلحة، وهو ما أسهم فى تسليم العديد من الجنود أنفسهم، حيث كانت الفصائل حريصة على دمج هؤلاء فى صفوفها أو إعادة تأهيلهم.

وأوضح حسن أن الفصائل المسلحة، بقيادة أبو محمد الجولانى (أحمد الشرع)، أعلنت نيتها دمج قواتها مع الجيش السورى وإعادة هيكلة العناصر بما يتناسب مع العقيدة الجديدة، مما يشير إلى عدم تكرار سيناريو تفكيك الجيش كما حدث فى العراق مشددًا على وجود توافق غير معلن بين الولايات المتحدة وروسيا حول التحركات الأخيرة، حيث أن الولايات المتحدة، رغم إعلانها عن عدم التدخل المباشر، كانت على دراية بما يجري، ونسّقت مع روسيا، التى تمتلك مصالح استراتيجية فى سوريا أما روسيا، التى لديها قواعد برية وبحرية وجوية فى سوريا، فلا يمكن أن تكون غافلة عن التحركات على الأرض، خاصة مع قدراتها الاستخباراتية المتقدمة.

وأشار عضو المجلس المصرى للعلاقات الخارجية إلى أن النظام السورى بقيادة بشار الأسد فقد صلاحيته، بعد أن أصرّ هو وإيران على الحل العسكرى واليوم الفصائل المسلحة والمعارضة تُشكل تركيبة جديدة، حيث بدأت بعض القوى المتطرفة مثل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) فى الحديث بلغة مختلفة واتباع تعليمات واضحة بعدم استخدام العنف موضحًا أن جزءا من تخطيط الفصائل المسلحة كان استغلال اللاجئين السوريين فى تركيا، وخاصة من المناطق التى تمت السيطرة عليها مثل حلب وحمص، حيث جرى توجيههم للعودة إلى أهاليهم، كما حرصت على الإبقاء على الدولة العميقة، من خلال استمرار عمل المؤسسات والإدارات كما هي، حتى يتم تحديد رؤية واضحة للمرحلة الانتقالية.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين التصعيد فى سوريا ووقف الهجمات بين إسرائيل وحزب الله فى لبنان، أكد السفير رخا أن إيران تكبدت خسائر كبيرة فى الشهور الماضية، سواء فى الأسلحة التى كانت تُستخدم من قبل الحوثيين وحزب الله، أو الضربات الإسرائيلية المستمرة على مواقعها فى سوريا وأن مقتل حسن نصر الله، زعيم حزب الله، كان ضربة موجعة لإيران، مما دفعها لتبنى سياسة أكثر انفتاحًا على الغرب وجيرانها، وأظهر تراجعًا فى دعمها للنظام السوري.

أكد أن موقف إيران يعكس استعدادها للتضحية بحلفائها إذا كان ذلك سيحقق مصالحها فى المفاوضات المقبلة، والمرحلة القادمة ستكشف عن صيغة جديدة يتم فيها تقاسم النفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية، مع التركيز على الترتيبات الانتقالية فى سوريا مشيرًا إلى أن المشهد السوري، رغم تعقيده، يبرز توافقًا غير مباشر بين القوى الدولية والإقليمية على إنهاء نظام الأسد، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية قد تكون أكثر استقرارًا، وإن كانت محفوفة بالمخاطر وأن التطورات الحالية فى سوريا تشير إلى تحولات جذرية فى المشهد السياسى والأمني، تمهيدًا لمرحلة انتقالية تُبحث تفاصيلها حاليًا على المستوى الدولي.

وأوضح رخا  أن المرحلة الانتقالية ستشمل صياغة دستور جديد وتحديد ملامح المجلس الانتقالي، وسط تساؤلات حول توقيت الانتخابات، سواء بعد ستة أشهر أو سنة وأن هناك مشاريع عديدة مطروحة للإسراع بإنجاز هذه المرحلة، لكن تفاصيلها لم تحسم بعد مشيرًا إلى أن روسيا، رغم انشغالها بالحرب فى أوكرانيا، لا تزال لاعبًا محوريًا فى الملف السوري، فالموقف الروسى قد يكون مرتبطًا برغبتها فى الحفاظ على وجودها العسكري، خصوصًا فى قاعدة طرطوس البحرية، وهى القاعدة الوحيدة لروسيا على البحر المتوسط ولذلك وافقت روسيا على التضحية بنظام بشار الأسد مقابل ضمان استمرار وجودها العسكرى والسياسى بعد التسوية.

أكد رخا أن موقف مصر يركز على الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضى السورية وسيادة مؤسساتها وهذا الموقف يتماشى مع رؤى تركيا وروسيا وإيران، لكنه يختلف عن الولايات المتحدة، التى تدعم الأكراد عبر قوات سوريا الديمقراطية.

وحول احتمالية تقسيم سوريا، أشار رخا إلى أن أكبر تحدٍّ قد يكون احتلال إسرائيل للجولان ولكن لن يكون هناك تقسيم لسوريا ولكن  الموقف الإسرائيلى يتسم بالعدوانية، حيث قامت الدبابات الإسرائيلية بتجاوز الحواجز بين الجولان والأراضى السورية للمرة الأولى، لا سيما وأنها تخشى من التنظيمات المسلحة كجبهة النصرة والعناصر الداعشية، وتواصل ضرب مواقع إيرانية وسورية، بما فى ذلك المطارات والمخازن العسكرية.

وشدد رخا على وجود ضلوع مباشر لإسرائيل فى تسارع الأحداث، من خلال ضرب المواقع الإيرانية والمرافق العسكرية السورية. وأوضح أن هذه التحركات تمهد لخلق واقع جديد على الأرض، مما يعزز نفوذ إسرائيل ويضعف أى مقاومة محتملة.

من جانبه أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن ما يحدث فى سوريا يفتح الباب أمام سيناريوهات عدة لتقسيم الكعكة السورية، مع احتمالية تكرار ما حدث فى العراق، خاصة فيما يتعلق بمصير الجيش السورى وأن الوضع الحالى يشهد فترة ترقب حذرة وليست حسمًا للمشهد السياسي، مشيرًا إلى أن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين الفوضى الأمنية والاستقرار النسبي.

وأوضح فهمى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو الانفلات الأمنى والفوضى، حيث قد تتجه سوريا نحو تقسيمات إضافية بعد أن كانت بالفعل مقسمة إلى أربع مناطق رئيسية: منطقة سيطرة النظام، المناطق الغربية، مناطق التجمعات، وهيئة تحرير الشام، قد نرى تقسيمات جديدة تزيد الوضع تعقيدًا، مع طرح تساؤلات جوهرية حول كيفية حكم سوريا مستقبلًا.

وأشار إلى أن السيناريو الثانى المطروح يتمثل فى العودة إلى مسار المفاوضات السياسية، وإن كان ذلك سيحتاج إلى وقت طويل بسبب تعقيد المشهد السورى وعدم الاتفاق على آلية واضحة تمثل كافة التيارات المعارضة، فمحادثات أستانا تواجه صعوبات كبيرة، إذ لا يوجد توافق دولى حول من سيمثل التيارات المعارضة المتعددة.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل فى تفعيل قرارات دولية تنظم الوضع فى سوريا، لكنه أكد أن فرص هذا الخيار ضعيفة بسبب غياب العزيمة الدولية لتحقيق تسوية شاملة مضيفًا أن السيناريو الرابع يتعلق بـالدور العربى فى حل الأزمة، لافتًا إلى أن هناك بوادر لتحرك الجامعة العربية، كما ظهر فى الاجتماع الأخير الذى عقد فى الدوحة، لكن هذا الخيار أيضًا يحتاج إلى دعم دولى ومجهودات كبيرة.

وأشار فهمى إلى أن الولايات المتحدة أعلنت نيتها سحب قواتها من سوريا، مما سيترك فراغًا فى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، كما أن روسيا قد تخفض وجودها العسكرى إذا قررت إخلاء قواعدها هناك، مما يعكس حسابات جديدة فى السياسة الروسية تجاه سوريا، أما إسرائيل  فتستغل الوضع الحالى لضرب المطارات والمواقع السورية بهدف إرباك المشهد وربما السيطرة على مناطق إضافية فى الجولان.

وشدد على أن سقوط النظام السورى بهذه السرعة يعكس وجود مؤامرة كبرى، مؤكدًا أن الفترة القادمة ستشهد تطورات سريعة قد تغير شكل الخارطة السياسية والعسكرية لسوريا بالكامل.

أكد اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي، أن الوضع الحالى فى سوريا يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل الجيش السوري، مشيرًا إلى احتمالية تكرار سيناريو الجيش العراقى بعد الغزو الأمريكى فى 2003.

وأوضح فرج أنه حتى الآن من غير الواضح من سيتولى السلطة فى سوريا بعد الأحداث الأخيرة، فالسيناريوهات متعددة، فقد يكون هناك توجه لتفكيك الجيش السورى كما حدث فى العراق، أو ربما يتم تشكيل قوات بديلة مثل الحشد الشعبي، الأمر معقد ويحتاج لمزيد من الوقت لمعرفة من سيمسك بزمام الأمور.

وأشار الخبير الاستراتيجى إلى أن الفصائل المسلحة تحركت بشكل عشوائي، مما أدى إلى انهيار الجيش السورى فى بعض المناطق وانسحابه وهذا يعكس ضعف الروح المعنوية داخل الجيش السوري، وهو نفس ما حدث للجيش العراقى أمام قوات التحالف فى السابق لم يكن هناك إصرار أو صمود كالذى نراه فى الجندى المصري، الذى يثبت فى موقعه ويدافع بشجاعة موضحًا أن الأيام المقبلة ستكشف الكثير حول مستقبل سوريا والقوى المسيطرة على الأرض، داعيًا إلى التريث فى الحكم على الأحداث حتى تتضح الصورة بشكل كامل.

ولفت إلى أن النظام السورى واجه مصيره وحيدًا بعد تخلى القوى الإقليمية والدولية التى كانت تدعمه عنه، حيث أن روسيا وإيران وحزب الله والعراق، الذين كانوا يمثلون الحلفاء الرئيسيين للنظام، باتوا منشغلين بتحدياتهم الخاصة ولم يعودوا قادرين على تقديم الدعم اللازم، فروسيا أصبحت منشغلة بحربها مع أوكرانيا، واكتفت بالتصريحات الدبلوماسية لدعم النظام السوري، دون أى تدخل عملي. وفى الوقت ذاته، إيران تواجه صراعًا متصاعدًا مع إسرائيل، مما جعلها تقلل من التزامها تجاه سوريا، بينما اتخذ حزب الله موقفًا مشابهًا بسبب ضغوط داخلية وإقليمية، أما العراق، فقد اختار أن ينأى بنفسه عن الدخول فى أى صراع عسكرى بسوريا حفاظًا على استقراره الداخلي.

وأضاف أن هذه التطورات دفعت سوريا لمواجهة الفصائل المسلحة وحدها، فى ظل تصاعد حدة الاشتباكات المندلعة مؤخرًا، أما الولايات المتحدة الأمريكية فد أعلنت موقفها بعدم التدخل فى الحرب الدائرة بسوريا، معتبرًا أن التاريخ يعيد نفسه، حيث تحمل الأحداث الحالية أصداء لما جرى فى العراق مع ظهور تنظيم داعش، وهو ما يثير القلق حول تداعيات الوضع السورى على المنطقة والعالم بأسره.

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

السيسي: جيشنا على قدر المسئولية.. ويُساند فى توفير الحياة الكريمة للمواطنين

متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..

حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص