ملف خاص عن يوم الشهيد إعداد : محمد مسعد
الخلود.. مش مجرد كلمة فى كتاب الوجود، الخلود إنك تكون موجود على مر الزمان، إنك تكون إنسان بس من نوع مختلف، رافض يقف فى المنتصف، قادر يدوس ع المستحيل ويوصل للهدف.
إنك تكون خالد على طول الحياة، معناه: إنك تعيش وتموت بطل، إنك تكون بعد الرحيل طاقة أمل، وذكرى باقية ما تنتهيش، إنك تجود بالروح، عشان غيرك يعيش.
دى حكاية الأرض اللى رواها الجيش بدم الولاد، الجنة للشهدا والأرض للأحفاد، من شرق مصر لغربها، من بحرها لآخر شبر فى حدود الصعيد، حكاية مصرية.. والبطل هو الشهيد.
هى قصص البطولة والتضحية والفداء، تلك التى صِيغت بدماء الشهداء على مدى التاريخ .. وهى رحلة فى الزمن شهدت مئات الملاحم القتالية لخيرة أبناء العسكرية المصرية عبر حروبنا المعاصرة وصولاً للحرب على الإرهاب.
نعود لنقلب الصفحات ونستدعى الذكريات والشخصيات والصور وفاء ليوم الشهيد الموافق ذكرى رحيل الفريق أول عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة إبان حرب الاستنزاف، والذى نال الشهادة على خطوط المواجهة الأمامية، وودعته جموع الأمة فى التاسع من مارس عام 1969 ليظل يوم رحيله يوماً لكل شهداء مصر من كافة الأجيال.
الفريق أول عبد المنعم رياض.. حامل لواء التضحية والفداء
"جنرال مصر الذهبي".. هكذا كان يلقبه خبراء الحرب أثناء حياته الحافلة بالإنجازات، والتى توج إياها بموقعه الأخير رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة أثناء مراحل الصمود وإعادة البناء والاستنزاف.. هو حامل لواء الفداء وراية الشهداء الفريق أول عبد المنعم رياض الذى اتخذت مصر من يوم استشهاده فى التاسع من مارس 1969 يوماً للشهيد.. ومن جديد نعيد سرد أبرز المحطات من حياته وحياة عدد آخر من أبرز شهداء العسكرية المصرية ممن تناولهم اللواء أ.ح مسعد الششتاوى فى أوراقه من موقعه البارز كمؤرخ عسكرى وأحد أبطال حربى الاستنزاف وأكتوبر.
ولد الشهيد عبد المنعم رياض فى أكتوبر من عام 1919 بقرية برسباى بمحافظة الغربية.. كان والده القائمقام "العقيد" محمد رياض عبد الله قائداً لبلوكات الطلبة بالكلية الحربية.. وأهلته تلك الخلفية الأسرية للالتحاق هو الآخر بالكلية الحربية ليتخرج فيها يوم 21 فبراير 1938.. شارك فى الحرب العالمية الثانية، وحرب فلسطين وخاض ملاحم القتال الضارى فى كافة المواجهات التالية وصولا لحرب الاستنزاف.
تدرج فى مختلف المناصب بالقوات المسلحة كما حصل على تدريب خاص فى المدفعية المضادة للطائرات بانجلترا، كما تلقى دراسات بالولايات المتحدة الأمريكية ثم دراسات عسكرية عليا بأكاديمية "فرونز" بالاتحاد السوفيتى حتى أطلقوا عليه لقب "الجنرال الذهبي"
سبق تعيينه قائداً لمركز القيادة فى العاصمة الأردنية عمان فى مايو من عام 1967.. وفى يوم الأحد 11 يونيو من نفس العام أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراراً جمهورياً بتعيينه رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة.. بدأ الفريق عبد المنعم رياض عمله على الفور لسرعة إعادة بناء القوات المسلحة ولم شتاتها بعد حرب يونيو 67.. وعاش حتى رأى نتائج جهوده فى معارك الصمود والاستنزاف بدءاً بمعركة رأس العش ومعارك المدفعية والطيران ثم إغراق المدمرة إيلات إلى آخر الملاحم القتالية التالية.
ومع أول ضوء يوم الثامن من مارس 1969 بدأت قواتنا أهم مراحل حرب الاستنزاف بالتحول من مرحلتيّ الصمود ثم الردع والدفاع النشط إلى مرحلة تسخين الجبهة (معارك حرب الاستنزاف) بدءاً بالقصف المدفعى الشهير.. ثم قامت المدفعية صباح هذا اليوم (8 مارس) بتنفيذ قصفات نيرانية حاشدة ومُدبَرة بجميع أعيرتها ضد المواقع والتحصينات الاسرائيلية شرق القناة بهدف تدمير منشآت خط بارليف الأول وإحداث أكبر الخسائر فى أسلحة ومعدات العدو.
ولقد سجل هذا اليوم (8 مارس) والسابق على استشهاد البطل أعنف الاشتباكات والتى شارك الشهيد فى التخطيط لها.. ولم يكن غريباً على الفريق رياض تواجده السريع على الحد الأمامى للجبهة وأن يقرر التوجه إلى الاسماعيلية لمراقبة الموقف على أرض الواقع، حيث كانت إسرائيل قد انتهت تقريباً من بناء الخط بما فيه من استحكامات على الضفة الشرقية.
استيقظ البطل فى السادسة من صباح يوم الأحد 9 مارس 1969 وكانت المعركة مازالت مستمرة على الجبهة بالمدفعية فى قتال متصل.. وفى الساعة الحادية عشرة قبل ظهر ذلك اليوم غادر القاهرة متوجهاً إلى مقر قيادة الجيش الثانى الميدانى بالاسماعيلية ليتوجه بعدها مباشرة إلى الحد الأمامى للجبهة مصمماً على التواجد بين جنوده ليناقش معهم دروس معارك اليوم السابق رغم تحذيرات بعض القادة، حيث أن تلك المناطق لا يفصلها عن قوات العدو سوى عرض القناة (أى حوالى 200 متر قبل توسيعها) بما يعنى تواجده داخل مرمى أسلحة العدو الصغيرة ناهيك عن باقى الأسلحة الأخرى.
توجه ركب الفريق عبد المنعم رياض ومعه قائد الجيش ومدير المدفعية وعدد من القادة إلى مراكز القيادة المتقدمة لإحدى الوحدات الفرعية.. ثم طلب التقدم لاحد مواقعنا القريبة جدا من القناة.. وكعادته أخذ يتطلع بالمنظار المكبر إلى الضفة الشرقية والحصون القائمة عليها لتكتحل عينا الشهيد للمرة الأخيرة بمياه قناة السويس وبأرض سيناء.
وفى تمام الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر ذلك اليوم (9 مارس) وأثناء مغادرة الفريق رياض للموقع واستقلاله مركبته استؤنف القصف المتبادل بالمدفعية.. وفجأة اندفع أحد الضباط المرافقين للفريق رياض نحوه وجذبه بقوة إلى حفرة قريبة خوفاً عليه من شظايا القنابل التى كانت تسقط بغزارة على ذلك الموقع المتواجدين فيه.. وبعد دقائق معدودة شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن تسقط قذيفة مدفعية بجوار الخندق الذى لجأ إليه الفريق رياض وقائد الجيش لتحدث انفجاراً مدوياً.. وانطلقت شظاياها داخل الحفرة.. ودار حوار مقتضب بين الضابط والفريق رياض حينما قال الضابط: أنا أصبت يا افندم.. ورد عليه الفريق رياض: وانا كمان لكن بسيطة.. وبعد حوالى خمس دقائق كرر الضابط نفسه حديثه إلا أنه لم يتلق رداً هذه المرة.. وهنا فقط كانت روح الشهيد الطاهرة قد صعدت إلى بارئها ليفارق الحياة وهو يرتدى زى الميدان العسكرى خالياً من أى رتبة ومُخَضَباً بدمائه الزكية.. وبينما استمر التراشق بالنيران عبر ضفتيّ القناة، كانت عربة صغيرة تحمل جثمان الشهيد إلى مستشفى الاسماعيلية ومنها إلى مستشفى المعادي، وفى صباح الاثنين 10 مارس 69 حمل الشعب جثمان الشهيد فى جنازة مهيبة تقدمها الزعيم جمال عبد الناصر، واحتشدت فيها جموع وهتافات الجماهير وهى تردد النشيد الوطنى بلادى بلادي.
ومن هنا فإن ذكرى القائد عبد المنعم رياض ليست مجرد دمعة تذرف على قبر الشهيد.. وإنما هى استخلاص لقيم إيجابية كان عنواناً لها، حيث قدم مثلاً رائعاً لكل القادة على جميع المستويات مؤكداً لهم أنهم سوف يعبرون القناة حتماً وقريباً إن شاء الله.. وهو ما كشفته حرب أكتوبر 73 فيما بعد.
العميد أحمد حمدى.. بـطــل مـعركة الكبـارى
تجسد قصة استشهاد البطل أحمد حمدى عظمة وإصرار المقاتل المصرى فى ساحة المعركة، ففى يوم 14 أكتوبر وهو لا يزال ملازما لوحداته فى الأمام، كان يشارك جنوده فى إعادة إنشاء كوبرى له أهمية خاصة وضرورية لعبور قوات تطوير الهجوم.. وكان هذا الكوبرى قد تعرض جزء منه للتدمير نتيجة لنيران مدفعية العدو وهجماته الجوية.
وأثناء ذلك ظهرت فجأة مجموعة براطيم فارغة متجهة بفعل تيار المياه إلى الجزء الذى تم إنشاؤه من هذا الكوبرى وبما يعرض هذا الجزء لخطر التدمير مرة أخرى.. وبسرعة بديهة وفدائية فى نفس الوقت قفز البطل إلى ناقلة برمائية كانت راسية على الشاطئ قرب الكوبرى وقادها بنفسه وسحب بها مجموعة البراطيم الشاردة فى المياه ونجح فى إبعادها عن منطقة العمل.. ثم عاد لمباشرة استكمال عملية تركيب الكوبرى بجوار جنوده على الرغم من استمرار القذف الجوى لطائرات العدو ونيران مدفعيته.
وفجأة.. قبل الانتهاء من إنشاء الكوبرى أصابته إحدى الشظايا المتطايرة وهو بين جنوده، فكان هو المصاب الوحيد.. وكانت الإصابة قاتلة.
كرمته الدولة بأن منح اسمه وسام نجمة سيناء، كما تزامن يوم المهندس مع يوم استشهاده، وافتتح الرئيس الراحل أنور السادات نفقاً تحت قناة السويس يربط سيناء بالوادى يحمل اسم "نفق الشهيد أحمد حمدي" تقديراً لبطولته وشجاعته الفائقة.
ولد البطل فى يوم 20 مايو 1929، بمدينة المنصورة.. تخرج فى كلية الهندسة جامعة القاهرة فى يونيو 1951.. التحق بسلاح المهندسين عام 1954.. حصل على دورة القادة والأركان فى أكاديمية "فرونز" العسكرية العليا بالاتحاد السوفيتى بدرجة امتياز.. وحصل على الدورة الاستراتيجية التعبوية فى أكاديمية ناصر العسكرية العليا.. اشترك فى حرب العدوان الثلاثى عام 1956، وقام بنسف كوبرى الفردان حتى لا يتمكن العدو من العبور عليه.. حصل على دبلوم الدراسات العليا فى الهندسة الميكانيكية من كلية الهندسة جامعة القاهرة عام 1957، وفى حرب عام 1967 كان يعمل نائباً لرئيس المهندسين بقيادة المنطقة العسكرية الشرقية.. تُنسب إليه فكرة نقاط المراقبة على أبراج حديدية على الشاطئ الغربى لقناة السويس بين الأشجار لمراقبة تحركات العدو الرابض على الضفة الشرقية للقناة، حيث لم تكن هناك سواتر ترابية أو أى وسيلة أخرى للمراقبة.. وفى عام 1971 كُلِف بإعداد وتشكيل لواء كبارى جديد تم تخصيصه لعبور قوات الجيش الثالث الميداني.. كان له الدور الرئيسى فى تطوير الكبارى الروسية الصنع القديمة لتلائم ظروف قناة السويس.. فى حرب أكتوبر 73 قام بجهود خارقة لتأمين عبور قوات الجيش الثالث الميداني، وكان يعى تماماً المصاعب والمشكلات التى تواجهها على ضفتى القناة خاصة فى القطاع الجنوبي.. فى نفس الوقت الذى يقوم فيه بإعداد لواء الكبارى وتدريبه، تم تكليفه بتجهيز مناطق أمامية على طول قناة السويس غرباً لتمركز وحدات الكبارى لينقل إليها قبل العمليات مباشرة، وهى مناطق جُهزت بالحفر للعربات وبراطيم الكبارى والمعدات وكذلك الملاجئ والتحصينات.. كما قام بتجهيز فتحات الشاطئ لإنزال وإسقاط معدات وبراطيم العبور على الشاطئ الغربى للقناة فى اتجاه نطاق الجيش الثالث الميداني.. وعندما أُعلنت ساعة "س" وعند بدء تحرك وحدات الكبارى إلى القناة، طلب من قائد الجيش التصديق له بالتحرك شخصياً من مقر قيادته إلى الضفة الغربية للقناة ليشارك أفراده فى العمل من أول لحظة، فلم يتم التصديق على طلبه وأُخطر بأنه يمكنه السيطرة والمتابعة من مقر قيادته علاوة على خطورة ذلك على حياته فى تلك اللحظات التى كانت فيها النيران مشتعلة فى كل مكان.. وعلى الرغم من ذلك ألح فى طلبه إلى أن تم التصديق له بالموافقة.. واستمر الشهيد أحمد حمدى طوال فترة تدفق القوات على المعابر يتنقل من معبر إلى آخر مواصلاً العمل ليل نهار بلا راحة أو نوم حتى اطمأن إلى بدء تشغيل معظم الكباري.. إلى أن لاقى وجه ربه يوم الرابع عشر من أكتوبر 73.
العميد شفيـق مـترى سِـدراك
عندما انهـارت أسطورة الجيش الـذى لا يُقهر
وسط الملاحم القتالية لحرب أكتوبر 73 تم تكليف العميد شفيق مترى سدراك قائد أحد ألوية المشاة بتنفيذ العديد من المهام، فكان أبرزها الاستيلاء على مواقع العدو الحصينة فى "تبة الطالية" والتى تقع على مسافة 7 كيلومترات شرق قناة السويس وجنوب المحور الأوسط، حيث تكمن أهميتها فى أنها تشرف بالمراقبة والنيران على تلك المنطقة الحيوية بما فيها المحور الأوسط.. كما كان العدو يتخذ من هذا الهدف الحيوى "تبة الطالية" مركزاً لقيادة قواته العاملة شرق التمساح وقطاع شمال البحيرات المرة الكبرى والدفرزوار.
فى الساعة الرابعة والنصف عصر يوم 6 أكتوبر تمكنت إحدى وحدات التشكيل المقاتل من الاستيلاء على مشارف "تبة الطالية" لتبدأ احتياطات العدو فى توجيه ضرباتها المضادة طوال باقى اليوم واليوم التالى 7 أكتوبر.
ومع خطورة الموقف على هذا الاتجاه، وبصباح يوم الاثنين 8 أكتوبر، قام التشكيل بدفع النسق الثانى تحت قيادة البطل شفيق مترى سدراك للاشتباك وتطوير الهجوم شرقاً.. عندئذ قامت القوات الاسرائيلية بتوجيه هجمة مضادة قوية بعد تمهيد نيرانى مكثف بالمدفعية والطيران، فتصدت لها قوات البطل وأجبرتها على الارتداد.. حاولت قوات العدو مرة أخرى الالتفاف خلف المواقع بمنطقة الطالية إلا أن إحدى وحدات اللواء تصدت إليها ودمرت العديد من الدبابات فارتدت باقى دبابات العدو شرقاً لتصبح مواقع الطالية محور ارتكاز لصد وتدمير هجمات العدو المضادة .
واعتباراً من أول ضوء يوم الثلاثاء 9 أكتوبر قام العدو بتركيز من نيران مدفعيته وقواته الجوية ضد قوات العميد شفيق فى قطاع الطالية.. وتحت تأثير هذه القصفات النيرانية المعادية قامت قوة من العدو تقدر بنحو 60 دبابة مدعمة بعربات صواريخ مضادة للدبابات بالهجوم فى هذا الاتجاه، الأمر الذى دفع البطل إلى تنظيم قواته لصد الهجوم ومنع العدو من الوصول إلى تبة الطالية.. ودار قتال شرس وعنيف طوال يوم 9 أكتوبر، وبالتعاون مع إحدى كتائب الدبابات لقواتنا والاحتياطيات المضادة للدبابات، استطاعت قواته بنهاية اليوم حسم أعمال القتال لصالحها.. وتُصاب مركبة القيادة للعميد شفيق مترى سدراك ويستشهد بقذيفة مباشرة قاتلة، نتيجة لجرأته وشجاعته الفائقة بعد أن تمكنت قواته بأعمال قتالها الجريئة من تدمير 28 دبابة وعدد من عربات الصواريخ للعدو، مع إجبار باقى قواته على الارتداد تاركين قتلاهم على أرض المعركة كما أسرت قوات الشهيد عدداً من أفراد العدو.
عبد الحليم مهنا.. بطل تل الفارما
هو الشهيد عريف عبد الحليم مهنا صالح، ويكفى أن نعيد تذكر هذا الاسم لندرك حجم الفداء لأحد أهم شهداء تحرير سيناء. انحدر هذا البطل من إحدى قرى محافظة البحيرة لأسرة ريفية، نال قسطاً بسيطاً من التعليم، لكن ذكاءه الفطرى وحبه اللافت للرياضة قاداه ليلحق بأخويه المجندين بالقوات المسلحة، وكان يمنى نفسه دائماً بأن يتم تجنيده فى قوات الصاعقة.
شاء القدر أن يحقق لعبد الحليم رغبته، فتفجرت طاقته فى التدريبات الشاقة لقوات الصاعقة، وتم تعيينه كرامٍ للقاذف الصاروخى المضاد للدبابات "آر بى جي" وهو السلاح ذو المدى القريب، والذى يحتاج ممن يتسلح به أن يكون متمتعاً بالجرأة ورباطة الجأش.
اشترك عبد الحليم ضمن دوريات الصاعقة بعيدة المدى داخل سيناء أثناء حرب الاستنزاف، وأظهر كفاءة عالية فى حسن الأداء والإقدام.. وفى حرب أكتوبر 1973 تلخصت مهمة وحدته فى الانتقال بطائرات الهليكوبتر لتنفيذ عملية إبرار جوى على المحور الشمالى لسيناء وفى تل الفارما وتنظيم الكمائن لمنع احتياطى للعدو يقدر بقوة لواء مدرع من التقدم فى اتجاه الجنوب الغربى صوب قواتنا التى كانت فى ذلك الوقت تقاتل شرق القناة شمالى وجنوب القنطرة شرق.
وما أن بدأت الطائرات فى اتخاذ مسارها صوب منطقة الإبرار تحت ستر وحماية مقاتلات قواتنا الجوية حتى اعترضتها طائرات العدو فتصدت لها مقاتلاتنا. ونظراً لنشاط العدو الجوى فقد اضطرت القوة إلى تنفيذ إبرارها فى منطقة بعيدة عن المنطقة المحددة بحوالى ثمانية كيلومترات، وما أن ترجل البطل حتى تحركوا بانتظام متجهين إلى منطقة عمل الكمائن. ومع افتراب آخر ضوء بدأ العدو فى إطلاق مشاعل وفوانيس من الطائرات لإضاءة أرض المنطقة.. وبدأت دوريات العدو تحركاتها للبحث عن تلك القوة العابرة وهى تضرب نيرانها العشوائية فى جميع الاتجاهات.. ومع ذلك فقد نجحت قوات البطل فى الوصول إلى مناطق الكمائن المحددة واستترت فى أوضاعها.
واعتباراً من أول ضوء، قام العدو بدفع دوريات مدرعة بهدف الخداع والتأمين.. وفطنت قواتنا لطبيعة عمل هذه الدوريات فلم تتعامل معها وانتظرت وصول الأرتال الرئيسية للواء المدرع.. وعندما ظهرت طلائع العدو.. ومع ورود بلاغات جماعات الإنذار بتمام عبور رأس الرتل وذيل الرتل المعادى أمامها " حوالى كتيبة للعدو مؤلفة من أكثر من 30 دبابة" أصدر قائد قوة الإبرارأمرا بفتح النيران ضد مؤخرة ومقدمة الرتل المعادي.. ونجحت قواتنا فى إصابة عدد منها، ثم اندفع البطل عبد الحليم مهنى صالح بمهارة وجرأة فائقة وأخذ يقترب من دبابات العدو، واتخذ موقعاً وفى ثبات وشجاعة قام بتصويب صاروخ "آر بى جي" نحو إحدى الدبابات لتصبح فى غمضة عين كتلة من النيران، وعلى الفور انتقل إلى موقع آخر.. ومن مكان واتجاه غير متوقع وفى سرعة خاطفة عاجل دبابة أخرى معادية باحد صواريخه.. وقبل أن تنفجر تلك الدبابة مباشرة قفز منها طاقمها وهم يفرون فى ذعر، فقام زملاء البطل عبد الحليم بسحقهم بنيران الرشاشات.
واستمر القتال بين أفراد الكمين وقوات العدو التى حاولت عدة مرات اقتحام موقع الكمين إلا أن جميع محاولاتها باءت بالفشل.. وعندما حاولت إحدى الدبابات المعادية تطويق الكمين اندفع البطل بقوة واتخذ موقع ضرب نار مناسبا إلى أن اقتربت منه لمسافة قصيرة وهى تحاول فتح نيران رشاشاتها فى كل اتجاه.
ولم يعبأ البطل بذلك.. وبحركة سريعة صوب سلاحه ليصيبها بصاروخ مباشر.. وفى أثناء ذلك كانت هناك دبابة أخرى قد تمكنت من الالتفاف على الجانب الأيسر للكمين وتطلق نيرانها المركزة وهى تنطلق بسرعتها القصوى عقب تدمير الدبابة الأولى فأصابته طلقاتها فى رقبته.. ولم يهتم البطل بهذه الإصابة.. كما لم يسمح لزملائه بتضميد جراحه قائلاً بالحرف: مافيش وقت.. ثم نهض فجأة من موقعه كالأسد الجريح.. ومع اقتراب الدبابة التى أصابته اندفع فى اتجاهها وقفز عليها.. وبواسطة قنبلة "آر بى جى 43" أسقطها فى فتحة ببرج الدبابة وارتمى فوقها ليسقط شهيداً ضارباً أروع آيات الشجاعة والفداء.. تاركاً آثار دمه الطاهر على جسم الدبابة الاسرائيلية والتى انفجرت بجانبه.. وكان لتدمير هذه الدبابة الأخيرة أثره العنيف على نفسية بقيه أفراد العدو الذى تخلص من المعركة وارتد تاركاً وراءه خسائره الفادحة والتى قدرت بحوالى عشرين مجنزرة وأكثر من 100 فرد بين قتيل وجريح وعدد من عبوات الذخيرة المدمرة.
سيد زكريا
أسد سيناء.. والحق ما شهد بـــــــه الأعداء
لا يزال التاريخ يحتفظ فى خزائنه بالكثير عن شهدائنا الأبرار فى أعظم حروبنا الحديثة حرب السادس من أكتوبر.. والشهيد البطل سيد زكريا هو ذلك الفلاح البسيط ابن أرض مصر الطيبة، والذى واجه بمفرده قوة اسرائيلية عبارة عن فصيلة كاملة فوق أحد المواقع بجنوب سيناء.. لم يرتجف.. ولم يختفِ.. ولم يؤثر السلامة بطلب الاستسلام للأسر.. وإنما أعلن عن نفسه وانتصر لبلاده وقتل كل أفراد هذه الفصيلة إلا واحداً منها أمكنه أن يقتل البطل الذى استشهد فى صمت.. ولكن الأعداء الذين ذاقوا الموت على يديه لم يستطيعوا إزاحته من قلوبهم وعقولهم ففتحوا كتابه وأذاعوا صفحاته على الملأ بعد 22 عاماً.
خرجت القصة من ألمانيا.. فقد نشرت جريدة الأهرام فى عام 1995 أن مسئولا اسرائيليا فى برلين توجه إلى رئيسة المكتب الدبلوماسى المصرى عزيزة مراد فهمى وروى حكاية المعركة البطولية التى أدارها هذا البطل ثم قام بتسليم متعلقاته التى احتفظ بها جندى إسرائيلى كل هذه السنوات.
البطل سيد زكريا خليل من مدينة الأقصر بنجع الخضيرات.. تم تجنيده بالقوات المسلحة عام 1970 بقوات الصاعقة.. فى حرب السادس من أكتوبر كلفت وحدته الصغيرة بالاستعداد للعمل خلف خطوط العدو بجنوب سيناء فى مناطق: رأس ملعب ووادى غرندل (شرق الساحل الشرقى للبحر الأحمر) وبالقرب من محاور اقتراب العدو على هذا الاتجاه لعرقلتها وإحداث أكبر خسائر بها، وفى يوم 13 أكتوبر 73 تم إبرار تلك القوة المحددة واتخذت من بعض الهيئات الحيوية الحاكمة موقعاً كقاعدة تنطلق منها جماعات صغيرة لتنفيذ المهام المكلفة بها.
وعندما تعددت عملياتها الجريئة، كثفت قوات العدو استطلاعها للمنطقة.. ثم قامت بإسقاط فصيلة مظلات بالقرب من قاعدة الدوريات فحاصرتها.. ثم دار قتال عنيف بين الطرفين.. ومن خلال هذا الحصار تسلل البطل ومعه سلاحه الفردى وكمية كبيرة من الذخيرة إلى موقع حيوى يسيطر على ميدان المعركة، ثم أخذ يطلق نيرانه المركزة على المظليين الاسرائيليين فى جميع الاتجاهات إلى أن أفناهم عن آخرهم بمن فيهم قائدهم عدا جندى إسرائيلى تمكن من الالتفاف مستتراً وهو يرصد هذا البطل الذى قتل جميع زملائه.. وقبل أن يلتفت إليه ليقتله هو الآخر، كان هذا الجندى قد عاجله بدفعة رشاش سريعة ليستشهد البطل سيد زكريا.
ومن منطلق انبهار الجندى الاسرائيلى بفدائية وبسالة الشهيد "سيد" وعندما تأكد من موته زحف نحوه بحذر إلى أن وصل إلى جثمانه وأخذ يجرده من متعلقاته بما فى ذلك بطاقته العسكرية.. لم يفكر هذا الجندى الاسرائيلى فى سرقته.. وإنما أراد الاحتفاظ بمتعلقاته تذكاراً لهذا المقاتل الفذ وروحه القتالية العالية وشجاعته الفائقة التى لم يصادف مثلها من قبل.. إضافة إلى إحساسه بالفخر لإنه هو الذى قتل هذا الأسد المصري.. أو حسب قوله لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية: "إنه فعلا أسد.. قاتل بشراشة.. وحصد فصيلة كاملة من الجنود المظليين الاسرائيليين".. كما قال فى نفس الصحيفة: "لقد فعلت ذلك بعد كل هذه المدة لأننى أطالب بمنح هذا الجندى أرفع الأوسمة على شجاعته الفائقة"
أما عن ظروف اكتشاف هذا الحدث بعد هذه السنوات الطويلة.. فقد كان هذا الجندى الاسرائيلى يبحث فى متعلقاته القديمة فعثرت يداه على ذكريات تلك المعركة ومتعلقات البطل التى ظل محتفظاً بها على مدى 22 سنة بعد المعركة ليرسلها إلى القنصل الاسرائيلى فى ألمانيا حيث كان يعمل هناك، وأرسل معها تقريراً عن بطولة هذا الجندى المصري.
وفى حفل دبلوماسى رسمي، فوجئت رئيسة المكتب الدبلوماسى المصرى فى برلين الدكتورة عزيزة مراد فهمى بهذا القنصل وهو يقدم لها هذه المتعلقات أمام كل الحضور الذين وقفوا يتابعون الموقف بشغف والقنصل الاسرائيلى يقول لها: "هذه المتعلقات تخص جنديا مصريا مات فى حرب أكتوبر 73، واحتفظ بها جندى إسرائيلى حتى يومنا هذا متأثراً ببطولاته وشجاعته ومعها هذا التقرير".. وقد قام القنصل المصرى بدوره بإرسالها على الفور إلى القيادة العامة للقوات المسلحة فى مصر حيث قامت بتكريم اسم الشهيد، كما خلدته مصر بإطلاق اسمه على بعض الشوارع فى عدد من المحافظات.
الرائد طيار عمرو عبد العزيز
لحظات قبل انقضاض النسر
تُقاس الإنجازات بحصاد السنوات، لكن بعض اللحظات قد تساوى عمراً بكامله.. وتلك لحظة واحدة فى عمر طيار من طراز فريد.. لحظة أمكنها أن تُخَلدَ اسمه فى ذاكرة الحروب المصرية المعاصرة.. عن الشهيد طيار رائد/ عمرو عبد العزيز رمضان نتحدث، ونروى لكم قطوفاً من سيرته ومسيرته..
اشتهر بين زملائه بدماثة الخلق وسرعة البديهة.. كما شهد له الجميع بالشجاعة ورباطة الجأش.
بعد تخرجه فى الكلية الجوية تم تعيينه بأحد أسراب المقاتلات القاذفة.. ونظراً لتميزه فقد تلقى تدريبه الراقى فى الداخل وفى بعثات خارجية على أحدث عمليات القتال الجوي.. اشتهر بين زملائه بدماثة الخلق وسرعة البديهة.. كما شهد له الجميع بالشجاعة ورباطة الجأش.
اشترك البطل عمرو عبد العزيز رمضان فى العديد من الطلعات الجوية الجريئة ضد قوات العدو الرابضة فى عمق سيناء وعلى الضفة الشرقية لقناة السويس أثناء معارك حرب الاستنزاف، وألحق بالمواقع الاسرائيلية خسائر فادحة.
ونظراً لكفاءته وشجاعته النادرة فقد اختير ضمن مجموعة الطيارين الذين قاموا بتنفيذ الضربة الجوية الشاملة فى الساعة الثانية بعد ظهر يوم السادس من أكتوبر وعاد سالماً بطائرته إلى قاعدته بعد أن تمكن من تدمير الأهداف المعادية المكلف بها فى سيناء.
وفى اليوم التالى مباشرة (7 أكتوبر) تم تكليفه ضمن سرب مقاتلات قاذفة بشن طلعة جوية ضد مواقع دفاع جوى للعدو ومحطات رادار وصواريخ هوك على ممر الجدى الجبلى وبالتحديد فى منطقة جبل أم خشيب.. وقبل وصول البطل إلى الأهداف المحددة له أصيبت طائرته بصاروخ أرض/ جو.. ورغم أنه كان بإمكانه العودة الفورية إلى قاعدته أو القفز بالمظلة رغم إصابته إلا أنه أصر على الانقضاض المباشر بطائرته بما فيها من ذخائر لتدمير المواقع المعادية، فأصابها بأضرار بالغة قبل أن تصعد روح الشهيد لبارئها يوم 7 أكتوبر ضارباً بذلك أروع الأمثلة فى التضحية والفداء.
عندما يستيقظ الشهداء فى بـانورما حرب أكتوبر
لم يكن ما شاهدت حلماً من أحلام اليقظة.. لكنها المقادير حين قادتنى للقاء استثنائى بأسر عدد من شهداء الحرب على الإرهاب.. تحدد اللقاء فى بانوراما حرب أكتوبر، حيث تداعت الذكريات وانفتحت ألبومات الصور لتخلق بانوراما موازية مليئة بمشاهد أخرى عن تضحيات أخرى لم تزل مجهولة.
أما البطولة فلم تكن - فقط - تلك التى سطرها الشهداء بالدماء على رمال سيناء لكنها البطولة الكامنة داخل بيوتهم بعد رحيلهم.. أتحدث هنا عن معنى الوفاء حين يتجلى فى عطاء زوجات وأمهات الشهداء ممن يخضن ملاحم إنسانية قل أن يجود بها الزمن.
فى البراح الممتد لبانوراما حرب أكتوبر التقيت أسرة الشهيد الرائد أحمد الحجار بطل "كمين زلزال" بالشيخ زويد بشمال سيناء، والذى استشهد فى التاسع من فبراير عام 2020 بعدما نجح فى الدفاع عن موقعة إثر بطولة نادرة أمكنه خلالها قتل العديد من العناصر التكفيرية.
تحدثنى زوجته مروة ناجي: "استشهد زوجى أحمد قبل أسبوعين من مولد ابننا.. اللى أسميته "أحمد" على اسم والده.. ربنا كان رزقنا قبل 3 سنوات من استشهاد أحمد بـ "ميرة".. والاتنان هما رسالتى فى الحياة.. ابنى أحمد صورة طبق الأصل من والده وهو واخته أجمل هدية بعتهالى ربنا.. عايزة اقول لزوجى الشهيد أحمد الحجار: يا أحمد اطمن ولادك فى عينيا وحافضل استلهم منك معنى الصمود والتضحية والفداء"
فى الساحة الأمامية لبانوراما أكتوبر التقيت بالسيدة/ سهير السيد أم السيدة "شدى" زوجة الشهيد مقدم/ محمود جمال عبد الفتاح منتصر والذى لاقى وجه ربه الكريم يوم 24 أغسطس 2019 إثر قيامه بالتصدى لمجموعة من العناصر التكفيرية شمال سيناء.
تحكى الجدة سهير: عندما استشهد "محمود" كان ابنه الأكبر "يحيى" لم يتجاوز سن السادسة.. وكان أخوه آسر لم يتم عامه الثالث.. أما ابنته الصغرى "ماريا" فكان عمرها خمسة شهور وقت استشهاد والدها.. رغم ذلك لا أشعر بالقلق حيال المسئولية الضخمة الملقاة على عاتق ابنتى "شدى" ما دام الله فى عونها لكونها زوجة شهيد.. ابنتى فى رحلة عمرة عسى الله أن يتقبل منها.. وأسعد لحظاتى كجدة أن أكون وسط أحفادى خصوصاً فى زيارة مكان كبانوراما حرب أكتوبر.
وتختم الجدة كلامها: لا تستطيع كلماتى أن تصف المآثر الإنسانية أو الأخلاقية للشهيد محمود.. كان له من اسمه نصيب فهو الطيب والخلوق والجميل شكلا ومضمونا.. وحسبنا من رحيله يقين الواثقين بأن الله سيعوضه وزوجته فى أولاده الثلاثة.. ولا أنسى فى هذا المقام أن أشكر القوات المسلحة التى لا تنسى أبناءها، فلا تتوانى عن تقديم كل سبل الدعم والمساندة لأسر الشهداء.
فى يوم الشهيد
حكايات من دفتر الصبر والفخــــــر فى قلوب زوجات الشهداء
فى يوم يزخر بالعزة والكرامة، نحتفى بيوم الشهيد، ذلك اليوم الذى يخلد ذكرى أبطال ضحوا بأرواحهم فداء للوطن، تاركين خلفهم قصصًا خالدة تُروى عبر الأجيال، فى هذا اليوم، ننحنى إجلالا وتقديرا لأرواح الشهداء الذين روّوا تراب الوطن بدمائهم الطاهرة، ودافعوا عن أراضيه بكل بسالة وشجاعة، حيث نعيش مع زوجاتهن ذكريات تضحياتهم الجسام لنُحيى ذكراهم العطرة، ونُكرم أسرهم التى صبرت وتحملت فراق أحبائها من أجل الوطن، فيوم الشهيد ليس مجرد يوم عادي، بل هو يومٌ للتأمل فى معانى التضحية والفداء، وإعادة التأكيد على قيم الولاء والانتماء للوطن، يوم لتعزيز روح الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة، وإلهام الأجيال القادمة بحب الوطن والدفاع عنه، ففى هذا اليوم، نعاهد أرواح الشهداء على مواصلة مسيرة البناء والعطاء، وأن نكون خير خلفٍ لهم فى صون الوطن وحماية مكتسباته.
فى رحلة عبر الزمن، نعود بذاكرتنا إلى الوراء ، لنغوص فى حكاية تُدمى القلب وتُلهب المشاعر، حكاية سحر السيد، زوجة الشهيد اللواء امتياز كامل، ذلك البطل الذى ضحى بروحه فداءً للوطن فى حادث الواحات البحرية، ذلك الزوج الذى اتسم بالبسالة والشجاعة، حيث سطّر بدمائه ملحمةً خالدةً فى صفحات الوطن، كان رمزًا للكرم والشهامة، لم يردّ طلبًا للمساعدة يوما، وخاض معارك ضارية ضد الإرهاب، تاركًا خلفه إرثًا من البطولة والتضحية.
سحر، الزوجة الصابرة، تروى حكايتها مع زوجها الشهيد، ذاكرةً تلك الأيام الجميلة التى جمعتهم، وكيف كان امتياز رمزًا للبهجة والأمان، وكيف كان حريصًا على التواصل مع الجميع، يجمعهم فى الأعياد والمناسبات، يُدخل البهجة إلى قلوبهم، لكن القدر لم يمهلهما وشاء أن يفرق بينهما، ففى يوم حزين، غاب امتياز عن عائلته إلى الأبد، تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا لا يملأه أحد.
تقول سحر: "يمر علينا يوم الشهيد كأى يوم عادى ولا أحب أبدا الاحتفاء به، حتى لا اترك غصة فى القلب أو احساسا بالحزن فى قلب أولادي، فهو يعتبر من أكثر الأيام قساوة حين يكون هذا اليوم من أجل الاحتفال به دون وجود امتياز معنا، وبدونه افتقدنا كل حاجة حلوة كان يفعلها من أجلنا."، ففى الأعياد والمناسبات كان يصطحبنا للمعمورة أو الإسكندرية حيث الهدوء والتغيير، فكيف لنا أن نحتفل بهذا اليوم وأقول لأولادى إنكم أولاد الشهيد وإن كان ذلك لا ينسى وفخر ووسام على صدورنا جميعا، لكنها رسالة تحمل فى طياتها نوعا من الحزن والألم والانكسار والعجز والقهر، وبعد تنهيدة عميقة تقول الزوجة:" وبعد ما كان هو اللى بيلمنا ويجمعنا ويجى لنا فى أى مناسبة بقينا احنا اللى بنروح له فى أى وقت وأى مناسبة، فما زلت أشعر بوجوده معنا يملأ المكان، وأذهب لزيارته لأضع نبات الصبار ذى الورود الحمراء فقد كان يضعه بالمنزل، فحملته من المنزل إلى حيث يرقد ووضعته بجوار قبره.
تقول سحر: "مفيش أى حاجة بقى لها طعم، لكنه طلب الشهادة ونالها وده اللى مصبرنا."، كان دائما يُردد: "فلتت المرة دى إن شاء الله المرة الجاية"، وأتذكر بعد حصوله على نوط الامتياز من رئيس الجمهورية قبل استشهاده بعام واحد، قال: "لم يتبق لى سوى أن أنال الشهادة."، وكنت أحزن جدا، وكنت عندما اسأله لماذا تقول هذا، كان يرد قائلا هذا أفضل إحساس وأعلى مرتبة، وكنت أغازله قائلة له : ولمن تتركنا، كان يقول لى : ربنا أكبر منى ومنكم وسيتولاكم برحمته، وكان عندما يرى جنازات الشهداء من الجيش والشرطة يبكى ويقول "عقبالى يارب نفسى لما يجى آجلى أموت شهيد"، وكلنا اتكسرنا من بعده سواء أهله أو جيرانه أو ممن يعرفونه، لانه كان سندا للجميع فكان آمانا للجميع، وعزوة لنا وسندا فى حياته، وفخرا لنا بعد استشهاده.
وتقول سحر إن زملاءه ودفعته وتلاميذه وقفوا بجانبنا ولم يتخلوا عنا وما زالوا على تواصل معى ومع أولادي، فدائما ما يسخر لنا الله أناسا طيبين نتيجة أعماله الطيبة، فقد رحل بجسده لكن ذكراه خالدة فى قلوب كل من عرفه.
حكاية جيهان: رحلةٌ بين الصبر والفقد والحلم بالعدالة
فى زمنٍ عصيب، حيث اشتعلت نيران الإرهاب فى مصر، ظهرت حكايةٌ تُجسّد الصبر والفخر والفقد، حكاية جيهان محمد، زوجة الشهيد المقدم محمد محمود أبوسريع، الذى استشهد فى انفجارٍ هزّ محيط وزارة الخارجية عام 2014.
بين مشاعر الحزن والفخر، تبدأ جيهان رحلتها مع الفقد "فاجعةٌ هزّت كياننا، لكن قدر الله فوق كل شيء، وليس لنا إلا الصبر، والفخر بأن زوجى والد أبنائى مات شهيداً للواجب والوطن."، مضيفة أن الشهيد محمد كان نموذجاً للزوج والأب الحنون، يجمع العائلة فى الأعياد والمناسبات، ويسعى دائماً لإدخال البهجة والسرور إلى قلوبهم، كان لا ينسى أى مناسبة أبداً، سواء النجاح أو عيد الحب أو أعياد الميلاد، كنوع من التعويض عن غيابه بسبب عمله، ولكن مع رحيل محمد، تغيّرت حياة العائلة بشكلٍ جذري، فلم يعد هناك أى طعم للمناسبات أو الأعياد، حيث نحتفل بالأعياد كما لو الشهيد محمد معنا، ولكن دون أى إحساس أو فرحة، ولكن حتى لا يشعر الأولاد بأن هناك فرقا، فكيف لنا أن نحتفل بيوم الشهيد وهو يوم صعب على أولادى رغم مرور سنوات على استشهاده، فما زالت مرارة الفقد كطعم الصبار فى الحلق، ومثل هذا اليوم يضاعف من المعاناة ومن الشعور بالألم لدى الأبناء المكلومين، ولكن تمنيه بأن يكون شهيدا فداء الوطن ودعاءه بأن ينال أعلى منازل الجنة هو عزاؤنا الوحيد لتحمل مثل هذا اليوم، وتحمل قسوة الأيام ومرارتها بدونه" وبصوت متحشرج تقول الزوجة "ما زال كرسى الشهيد محمد موجودا فى البيت كما هو، كشاهدٍ على غيابه الأبدي"، وفى خضمّ حزنها، لم تفقد جيهان الأمل، بل حلمت برؤية ابنها عمر يستكمل مسيرة والده فى الشرطة، قائلة: "كنت أتمنى أن يدخل عمر كلية الشرطة ليستكمل مسيرة والده ويحارب الإرهاب، إلا أنه التحق بكلية الهندسة لرغبته فى تعلم العلوم الهندسية."
توجه جيهان رسالةً للإرهابيين، تقول فيها: "حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن حرمنى من زوجى ويتّم أولادي، ربنا ينتقم منهم، وحلمى أن أرى جميع الإرهابيين وكل من يؤذى بلده على حبل المشنقة، حتى يستريح قلبي، مختتمة حديثها بالثناء على الرئيس السيسى ووزارة الداخلية، لاهتمامهم الدائم بأسر الشهداء وتلبية كافة احتياجاتهم.
رحلة بطل: من حلم الطفولة إلى شهادة خالدة
منذ نعومة أظافره، كان حلم أحمد الفقى أن يصبح ضابطاً فى الشرطة كان يرى فى ذلك شرفا عظيما وفرصة لحماية وطنه، كان أحمد شاباً ذكيا وشجاعا، وكان مثالاً للطالب المثالي، هكذا قالت مروة زوجة الشهيد أحمد الفقي، مستكملة حديثها أنه كبر وحقق حلمه بالالتحاق بكلية الشرطة، وواجه العديد من التحديات خلال دراسته، لكنه لم يستسلم، فقد كان مُصمماً على تحقيق حلمه، وكان يرى فى كل تحد فرصة لتطوير نفسه،وتخرج فى كلية الشرطة بتقدير امتياز، وبدأ رحلته فى خدمة وطنه. تنقل بين العديد من الأقسام، تاركاً بصمةً طيبةً أينما ذهب، كان أحمد ضابطاً شجاعاً ومخلصاً، وكان يُلقب بـ"الأسد فى قسم بولاق"، وفى عام 2014، التحق للعمل بمديرية أمن شمال سيناء بقسم ثالث العريش، وعُرف بتعلق قلبه بأرض الفيروز، ورفض العودة إلى مديرية أمن الجيزة أكثر من مرة رغم أنه وحيد والده وكان يحق له العودة إلا أنه رفض، وبعد مرور عام على وجوده هناك، وفى أبريل 2015 أنهى الشهيد أحمد الفقى خدمته فى الكمين، ثم عاد إلى قسم الشرطة، وهناك اندفعت إحدى السيارات لاقتحامه، إلا أنه تعامل معها وباقى الخدمات الأمنية وفجروها، واستشهد متأثراً بإصابته.
وبنظرة يملؤها الحزن تقول الزوجة إن الإرهاب اغتال أعز ما نملك فقد كان الأب والأخ والابن والسند والحبيب فكان آمانا للجميع، فقد كان عزوة لنا وسندا فى حياته، وفخرا لنا بعد استشهاده تاركا لنا قطعة منه "أحمد الصغير"، جنينا فى بطني، ليبلغ من العمر اليوم 9 سنوات، وكان الشهيد يتمنى أن يكون أول أبنائه من الذكور حتى يكون ضابطا مثله، لكنه استشهد دون أن يعلم نوعه، وبعدما علمت بأنه ذكر أصررت على اسم أحمد ليكون مثل والده فى كل شىء، وحتى يثأر لروحه الطيبة، وليستكمل مسيرته فى الحياة ، ويحارب الإرهاب وليملأ عينى عندما أراه يرتدى زى الشرطة مثل أبيه، نحن جميعاً مشروع شهيد" من أجل الوطن، وتهون كل الدماء فى سبيل مصر، وعن يوم الشهيد تقول مروة لا احتفل بهذا اليوم فلا أريد أن ينتابه أى احساس بالحزن فى مثل هذه الأيام أو غيرها لذلك فهو يوم طبيعى مثل بقية الأيام.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع
متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات
كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..
عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...