بطريرك كنيسة المهد فى ليلة الميلاد: على الفلسطينيين أن يتحدوا لأن الشيطان يريد أن يفرقنا / رئيس بلدية بيت لحم: لأول مرة لا توضع شجرة الميلاد ولاتضاء شوارع مدينتنا
كانت ساحة المهد التى تتوسط مدينة بيت لحم الفلسطينية هى ملاذ الباحثين عن فرحة الميلاد، كانت أجراس كنائسها تداوى قلوب الملايين المحتشدين فى رحاب مهد المسيح، كانوا يتشاركون على اختلاف جنسياتهم التراتيل وأدعية السلام، لكن جرائم الاحتلال حوّلت الساحة إلى مغارة موحشة، تحاصرها بوابات حديدية وسواتر ترابية، تمنع تسرب الفرحة إلى أصحاب الأرض، وتحرمهم من الاحتفال بمناسبة لم يتخلفوا عن إحيائها منذ نكبة 1948.
فى كل الأعوام السابقة كانت ساحة المهد هى قبلة المشتاقين للسلام، كانت مزاراً يسع ما يزيد على 3.5 ملايين سائح، يأتون من كل بلاد الدنيا، بحثاً عن تراتيل السلام المقبلة من أجراس كنيسة المهد، البقعة التى ولد فيها المسيح.
فى ساحة المهد كان المشهد فى السنوات الماضية مبهجاً لأقصى حد، شجرة عيد ميلاد عظيمة تتوسط الساحة، وفرق كشافة تحمل الأعلام والآلات الموسيقية، وتنشر البهجة بعزف أغانٍ وطنية، وترانيم تشفى قلوب المشتاقين للسلام.
هنا فى المهد كان السلام يجد له له أكثر من موطئ قدم، كان الجميع على اختلاف جنسياتهم يتشاركون الأمنيات، ويحصلون على الهدايا من بابا نويل الفلسطينى، ويفصح الملايين عن أمنياتهم قبل حلول العام الجديد.
لكن أجواء الاحتفال التى لم تتوقف منذ النكبة عام 1948، بل ولم ينجح فيروس كورونا فى وقفها وقت انتشار الجائحة العالمية، نجحت جرائم الاحتلال فى وقفها، ليس بسبب سلسلة الجرائم التى ترتكب فى قطاع غزة المفصول عن أرض الضفة حيث كنيسة المهد، بل لأنهم تفننوا فى التضييق على سكان المدينة، وصنع الحواجز الحديدية، ونشر الأسلاك الشائكة حول المنشآت والشوارع، وصنع سواتر ترابية، بحجة فرض السيطرة الأمنية، رداً على البيان الذى أصدرته الطوائف المسيحية حول دعمهم لحقوق شعبهم المشروعة فى إنهاء الحرب، وإنهاء الاحتلال، ومطالبتهم بالوقف الفورى للعدوان على غزة، معلنين وقف الاحتفالات بأعياد الميلاد لتكون رسالة للعالم بأن مدينة المسيح تفتقد السلام.
وصفت وكالة أسوشيتد برس الأمريكية مدينة بيت لحم بـ «مدينة أشباح» بعد إلغاء احتفالات ليلة عيد الميلاد بسبب الحرب التى تشنها إسرائيل على قطاع غزة.
لا مجال للاحتفال، اختفت الأضواء وشجرة عيد الميلاد التى عادة تزين ساحة المهد، كما اختفت حشود الزوار والشباب الذين يجتمعون فى البلدة الواقعة بالضفة الغربية كل عام للاحتفال، وحل بدلاً منهم العشرات من دوريات الأمن فى الساحات الخالية، ولم تعزف فرق الكشافة لدى دخول بطريرك اللاتين بييرباتيستا بيتسابالا ساحة الكنيسة، وبدل أن يحمل أعضاء فرق الكشافة الآلات الموسيقية فى المسيرة السنوية التقليدية مع بدء الاحتفالات بعيد الميلاد، رفعوا هذه المرة لافتات تدعو إلى وقف الحرب على قطاع غزة.
وكان مما كتب على اللافتات التى رفعها أعضاء فرق الكشافة «سلام لغزة وأهلها، غزة فى القلب، نريد حياة.. لا موت، يريد أطفالنا أن يلعبوا ويضحكوا، أوقفوا الحرب الآن».
وقال البطريرك بيتسابالا للصحافيين لحظة وصوله إلى ساحة كنيسة المهد التى بدت خالية إلا من بضع عشرات من المواطنين «هذا عيد ميلاد حزين جداً»، مضيفاً: «مثلما رأينا لا توجد أجواء للسلام، لأننا فى حرب رهيبة، ونعبر عن تعاطفنا مع أهالى غزة، جميع أهالى غزة، وعلى وجه الخصوص المجتمع المسيحى فى غزة الذى يعانى، وأنا أعلم أنهم ليسوا وحدهم من يعانى.. هناك أكثر من مليونى شخص يعانون التشريد والجوع فى ظروف لا يمكن تحملها».
وتابع البطريرك: «نحن هنا للصلاة، وأيضاً ليس فقط من أجل المطالبة بوقف إطلاق النار، وإنما من أجل وقف الأعمال العدائية والمعاناة وطى هذه الصفحة، لأن العنف لا يولد إلا العنف»، موضحاً أن «رسالة الميلاد هى السلام وليس العنف.. السلام العادل لكل الفلسطينيين الذين انتظروا طويلاً دولتهم وحريتهم».
وقال: «نحن هنا للصلاة من أجلهم، ومن أجل السلام وللمطالبة بأن يكون وقف إطلاق النار دائماً، (للصلاة) من أجل توفير كل ما هو ضرورى ليس فقط لحياة مليونى فلسطينى فى قطاع غزة وإنما للجميع فى كل أرجاء فلسطين».
وأضاف: «فى هذا التوقيت علينا أن نكون متحدين، وهذا مهم، العدو يريد لنا الانقسام... والشيطان يريد لنا الانقسام، لكن يجب علينا أن نكون متحدين، قوتنا فى الاتحاد.. مسيحيون ومسلمون، وأقولها لكل الفلسطينيين.. الاتحاد أمر ضرورى حتى تعملوا معاً من أجل الحقوق والكرامة وإنهاء الاحتلال، لأن هذا هو أصل المشكلة».
وعبر البطريرك عن أمله فى أن يكون «عيد الميلاد فى العام المقبل مليئاً بالفرح والحياة والأطفال، لأن عيد الميلاد بدون الأطفال ليس عيداً حقيقياً».
لم تتزين شوارع المدينة كعادتها بأشكال مختلفة من الإضاءة، ولم يأت المواطنون، مسيحيون ومسلمون، إلى ساحتها فى ظل غياب مظاهر الاحتفال والاقتصار على الشعائر الدينية.
كل هذه الأجواء جعلت مدينة بيت لحم، مهد المسيح، تعيش ليلة ميلاد حزينة وقاسية، كما وصفها حنا حنانيا رئيس بلدية بيت لحم الذى قال ليلة الميلاد «بيت لحم، ولأول مرةٍ لا توضع شجرة الميلاد، ولن تضىء شوارع بيت لحم، واقتصر العيد على الشعائر الدينية فقط، وهو التزام أخلاقى ووطنى، فشلال الدمِ يغيّب أى إمكانية للفرح».
ومن جانب آخر، دعا بابا الفاتيكان، البابا فرانسيس إلى إحلال السلام فى العالم، خلال قداس فى كاتدرائية القديس بطرس، احتفالاً بعيد الميلاد، وقال البابا فى كلمة له: «الليلة، قلوبنا فى بيت لحم، حيث يرفض السلام منطق الحرب العقيم، وتصادم الأسلحة، والذى يمنعه حتى اليوم من إيجاد مكان له فى العالم».
السلام هو ما تفتقده مدينة المسيح، وكافة الأراضى الفلسطينية المحتلة، فى ظل الحرب الدائرة فى قطاع غزة للشهر الثالث على التوالى، وهو ما حال دون احتفال مهد المسيح بأعياد الميلاد، وتقرر عدم إضاءة شجرة الميلاد فى ساحة كنيسة المهد كما هو المعتاد، والاستعاضة عن ذلك بمجسم لحجم الدمار الذى لحق بالقطاع.
ويمثل المجسم الذى نفذه الفنان الفلسطينى طارق سلسع مغارة الميلاد وسط ما بدا أنه منزل مدمر وأطلق عليه (الميلاد تحت الأنقاض) فى إشارة رمزية للدمار الذى يشهده قطاع غزة نتيجة القصف الإسرائيلى المتواصل، إضافة إلى تماثيل لعائلة فلسطينية فى أثناء النكبة.
يبدو مجسم الطفل يسوع المسيح حزيناً بين قطع إسمنتية ترمز للدمار وركام الحرب، وذلك بعدما استبدلت به الكنيسة الإنجيلية اللوثرية فى مدينة بيت لحم شجرة عيد الميلاد، وعوضاً عن الأضواء والزينة الجميلة للشجرة، لفَّت مجسم الطفل يسوع المسيح بالكوفية الفلسطينية وأغصان شجرة الزيتون وأصبح محاطاً بالردم والركام.
وأُضيئت الشموع وأقيمت الصلوات فى ساحة كنيسة المهد بحضور عدد من رجال الدين والمسئولين وأعضاء السلك الدبلوماسى المعتمدين لدى السلطة الفلسطينية والمواطنين.
وقال حنا حنانيا رئيس بلدية بيت لحم خلال حفل افتتاح العمل الفنى «هنا غزة حاضرة، فالمغارة ليسَت عادية فهى مدّمرة بفعل القصف، بين جدرانِها تحتضن العائلة المقدسة من خلال شكلها الذى يماثل خارطة غزة، والأطفال الذين ارتقوا شهداء كالملائكة تنظر من السماء».
وأضاف «ضوء المغارةِ هنا خافت جدا بسبب القصف والموت، وفى الوسط تحتضن مريم العذراء الطفل يسوع، مُعلَنةً الحياة الجديدة للبشريةِ جمعاء».
وتابع قائلا «كلّ شىء استثنائى هذا العام، إذ يحل عيد الميلاد المجيد فى ظل ظروف صعبة جداً، راح ضحيتها الآلاف بين شهيد وجريح وتشريد المواطنين فى غزة».
واعتاد سكان مدينة بيت لحم أن تبدأ احتفالات عيد الميلاد بإضاءة شجرة كانت توضع فى ساحة الكنيسة بارتفاع ثمانية أمتار تزينها المصابيح.
وقالت رولا معايعة «يطل علينا عيد الميلاد المجيد هذا العام ونحن نعيش فى أصعب وأحلك الظروف والأوقات، نتيجة ما يعانيه أهلنا فى قطاع غزة المحاصر وفى كافة مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية والقدس الشريف جراء العدوان المتواصل على شعبنا».
وأضافت فى كلمة لها فى حفل إضاءة المغارة «العالم يحتفل بعيد الميلاد المجيد ومدينة الميلاد حزينة كئيبة متألمة، فأطفالها وشبابها ونسائها ورجالها يعتريهم الخوف والحزن والألم مما يجرى وهم لا يعلمون أين ستصل الأمور وكيف ستنتهى هذه المجزرة والمأساة».
واستعرضت الوزيرة الوضع الصعب فى مدينة بيت لحم التى تعرف بأنها مدينة مهد السيد المسيح، قائلة: «مدينة المهد كباقى المدن الفلسطينية محاصرة بالكامل مغلقة حزينة لا يستطيع أحد الوصول إليها ولا الخروج منها، أهلها وشعبها بلا عمل وبلا أمل نتيجة تعطل وتوقف حركة السياحة الوافدة إليها والتى تشكل عصب الاقتصاد فيها».
وأضافت: «مدينة المهد التى كانت تستقبل سنوياً ملايين السياح والحجاج من كافة بقاع العالم، يقيمون فى فنادقها ويتجولون فى أزقتها وطرقاتها ويتسوقون من أسواقها ومتاجرها ها هى اليوم تعيش حالة من الركود الشامل».
ومن جانبه قال الرئيس الفلسطينى محمود عباس إن «ميلاد المسيح يأتى هذا العام، ومدينة الميلاد بيت لحم، تعيش حزناً لم تره من قبل.. إسرائيل تبطش وتقتل أطفال فلسطين، وتختطف الابتسامة البريئة من وجوه الأحياء منهم، حيث لم يسلم أحد من أبناء شعبنا، النساء والرجال وكبار السن، من هذا القتل والإرهاب ومحاولات التهجير القسرى وتدمير آلاف البيوت، ما يذكرنا بما حدث فى نكبة عام 1948».
وأضاف فى كلمة بثتها الوكالة الرسمية بمناسبة عيد الميلاد: «أقول لأبناء شعبنا ولعائلاتنا التى تتخذ من الكنيسة فى غزة ملجأ لها، والذين لم يسلموا من الهمجية الإسرائيلية، ولجميع أبناء غزة، بأن عذاباكم، وعذاب شعبنا فى الداخل والخارج لن يذهب سدى، وأن شمس الحرية والدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، آتية لا محالة، بل إنها قاب قوسين أو أدنى».
وحيا «عباس» فى كلمته الشعوب التى خرجت فى مسيرات للمطالبة بوقف الحرب على غزة. وقال: «أما أنتم يا شعوب العالم، فإننا نحييكم ونشكركم، على خروجكم إلى الشوارع فى جميع أنحاء العالم، مطالبين بالحرية لفلسطين، وهذا فخر لنا وهزيمة للطغاة».
وكانت البطريركية ورؤساء كنائس مدينة القدس قد أعلنوا جميعا إلغاء الاحتفالات بكافة بأعياد الميلاد للطوائف المسيحية لهذا العام مع الإبقاء على الصلوات والشعائر الدينية، فى مشهد هو الأول من نوعه منذ أكثر من عقدين فى الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
على الجانب الآخر، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية بمقتل ما لا يقل عن 491 فلسطينيا فى الضفة الغربية، مما يجعل عام 2023 هو العام الأكثر دموية بالنسبة للفلسطينيين فى الضفة الغربية منذ بدء الوكالة الأممية فى تسجيل الضحايا فى عام 2005.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...