جاءت الذكرى الأولى لاحتفالات نصر أكتوبر، وتمكن الزميل عبدالرحمن سليمان من اقتناص حوار مميز مع المشير أحمد إسماعيل نائب رئيس الوزراء ووزير الحربية
الذى قاد قواتنا المسلحة فى معركة العبور العظيم، نشر بتاريخ 5 أكتوبر من عام 1974، وكشف خلال هذا اللقاء عن تفاصيل دقيقة عما كان يجرى فى غرفة القيادة، وحقيقة ما جرى فى الثغرة، وأمنيته الشخصية التى ينتظر تحقيقها فى المستقبل.
كنا جميعا فى مقاعدنا، وكانت الأخبار أمامنا، والعمليات تجرى أمام عيوننا، وتحمل إلينا البلاغات من الجبهة، وكان المشهد فى هذه القاعة مـــثيرا إلى أبعد حـد، وكنت مأخوذا بأن الخطة اثبتت كفاءتها، وكانت المهام تنفذ بجسارة واقتدار، كانت لحظات تهز المشاعر من الأعماق، ولكننا لم نسمح لأنفسنا بأی انفعال، وقتها کنا نشعر أن هذه القاعة لم تكن شاهدا على هذا العصر وحده، وإنما كانت تشهد وتكتب تاریخ مصر، لأن ٦ أكتوبر سيظل يوما مشهودا لمصر وجيشها، مهما كان أو يكون.
كانت هذه القاعة التى يقصدها المشير أحمد اسماعيل وهو يعبر عن مشاعره وأحاسيسه لحظات الحرب .. هى غرفة العمليات الرئيسية للقوات المسلحة المصرية، والتى بدأ داخلها التخطيط، وصدر منها الأمر بالهجـوم، فهى قاعة كبيرة.. فى صدرها منصة، وفى مواجهة المنصة مجموعة الخرائط التى تمثل الموقف العام للقوات المسلحة كلها، ومرسومة على مسطحات من الزجاج بعرض القاعة، لتعرض الموقف فى البر، والموقف فى البحر، والموقف فى الجو، والوضع على الجبهة السورية .
حاولت جاهدا مع المشير أحمد إسماعیل، نائب رئیس الوزراء ووزير الحربية، اجراء حديث خاص لمجلة الإذاعة والتليفزيون، وكنت أعلم مقدما أن مهمتى صعبة، نظرا لمشاغله فى هذا الوقت بالذات، وقد تحدثت معه فى هذا الأمر حين التقيته فى بورسعيد اثناء مرافقته الرئيس خلال جولته فى مدن القناة، وكررت طلبى حين التقيته فى مقر مجلس الوزراء، وكانت اجابته دائما مغلفة بابتسامة رقيقة (عندما اجد الوقت)، ولكنى لم أفقد الأمل، فعاودت الطلب فى مناسبات أخرى عديدة.. إلى أن وافق.. وتحدد الميعاد.
زرته فى مكتبه بوزارة الحربية، ودار حديث طويل وممتع عشت فيه معه أيام الحرب، واحسست أن كل كلمة يقولها المشير تنبع من قلبه، وتعبر بصدق عن حب هذا الرجل لمصر، وإيمانه الكامل بقيادتها الحكيمة.
سألت المشير.. ما قصة الـ٢٦ ساعة التى تأخرها الجيش الثالث فى العبور.. وكيف تم امداده بالدبابات لحين إتمام الكبارى؟
وأجاب: حدث فعلا أن تأخر تركيب الكبارى والمعديات فى نطاق الجيش الثالث بالذات لمدة ١٨ ساعة فقط، وذلك بسبب عدة عوامل، أهمها اختلاف طبيعة الساتر ونوع التربة فى هذه المنطقة، وبعض أجزائه كانت تتشكل من تربة طفلية، وتحول بعضها إلى طين لزج بفعل مضخات المياه الموجهة لفتح الثغرات، مما أعاق تحرك المعدات لفترة طويلة .
وتدخلت طائرات العدو فى هذا الوقت، وأصابت بعض الكبارى ، ومن ثم فقد تأخر عبور الدبابات طوال هذه الساعات، الأمر الذى دعا إلى سرعة تدعيم الجيش الثالث بعناصر من الصواريخ المضادة للدبابات من احتياطى القيادة العامة، لتعويضه - ولو جزئيا - عن تأخرعبور أسلحته الثقيلة.
ولكن ما موقف افراد المشاة الذين عبروا؟
قال المشير بسرعة وبثقة: أفراد المشاة بالذات نشطوا طوال هذه الساعات، وتلقفوا مدرعات العدو ومجنزراته بنيران مدفعيتهم الخفيفة، والقواذف والقنابل اليدوية، مما كبد العدو خسائر كبيرة.
يوم ١٤ أكتوبر كانت أشهر معركة للدبابات فى التاريخ حيث كان هناك ۲۰۰ دبابة فى المعركة.. فكيف تم تطوير الهجوم؟
أجاب المشير :عندما نتكلم عن معركة ١٤ أكتوبر لا بد أن نحدد أهدافها الثلاثة الرئيسية، اولا: وهو الهدف الرئيسى تخفيف الضغط على سوريا، لإجبار العدو على سحب قواته الرئيسية البرية، وبصفة خاصة المدرعات والقوات الجوية تجاه مصر، وثانيا: تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة فى الأسلحة والمعدات والأفراد ، وثالثا: استعادة مزيد من الأرض.
ولو نظرنا إلى هذه الأهداف نجد أنها تحققت جميعا، فالعدو لكى يواجه قواتنا ومدرعاتنا بالذات اضطر إلى سحب جزء كبير من قواته فى اتجاه مصر، ونظرا لأن هذه المعركة اشتركت فيها قواتنا الجوية ومدرعاتنا بتركيز شديد فقد تحقق الهدف الثاني، وحدثت خسائر فادحة فى أسلحة العدو ووحداته وأفراده، واضطر إلى الارتداد للخلف أمام جسارة قواتنا وإصرارها على تحقيق هدفها، ومع ذلك فمساحة الأرض التى تم استردادها هى المساحة التى كنا نطمع فيها.
ولكن هل هذا التطوير كان أحد أسباب الثغرة؟
أجاب: أما عن العلاقة بين التطوير والثغرة.. فيمكن القول بأن خسائر العدو عموما، وليس فى التطوير وحده، جعلت العدو يفكر فى احداث ثغرة يكسب بها دعاية تغطى على الخسائر الفادحة، وهزيمته أمام قواتنا من اليوم الأول للقتال.
إذن ما حكاية الثغرة.. وهل صحيح أن القيادة استهانت بها فى بادئ الأمر ولم تبلغ بحجمها الحقيقي؟
أجاب المشير – وهو يسترجع بذاكرته هذه الأيام: موضوع الثغرة عموما يرجع إلى أن إسرائیل صممت وبمعاونة فعالة فى التسليح من أمريكا على نجاح سريع تحقق به نصرا سياسيا تتحول به الأنظار عن ضخامة الهزيمة التى حلت بقواتها فى الأسبوع الأول للقتال، وتمتص به موجة الذعر والغضب التى سادت إسرائیل .
وبالفعل وصلت معلومات فى البداية غير دقيقة.. ولذلك لم تخصص القوات الكافية والكفيلة بالقضاء على القوة المتسللة فى بداية الأمر، وعندما اتضحت الحقيقة أعطيت أوامرى بسرعة تحرك قوة كبيرة لتدمير العدو المتسلل، ولكن القائد المحلى طلب منى ترك الموضوع له، حيث أنه قادر على التعامل معه، وأود أن أوضح أن الأمر لم يكن سهلا بالنسبة للعدو، فلقد جمع كل قوته وانشأ رأس كوبرى واحداً، وبما يعادل فرقة خلال ستة أيام تحت ضغط مدفعيتنا وطيران كثيف وخسائر كبيرة، بينما نحن انشأنا خمسة رؤوس كبارى شرق القناة كل منها بفرقة فى ٦ ساعات فقط .
الجنرال "أندريه بوفر" رئیس مرکز الدراسات الاستراتيجية بفرنسا، قال إن الثغرة لا تعدو أن تكون «بالونا» ينفجر بسهولة إذا ما خرم من أی جانب، فهل يمكن الحصول على بعض ملامح الخطة التى كانت قد اعدت للقضاء على الثغرة؟
أجاب المشير بابتسامة رقيقة :لم يحن الوقت بعد للكشف عن هذه الخطة، ولكن الذى يمكن قوله إننا كنا قد جهزنا القوات اللازمة، وتم تدريبها على التعامل مع الثغرة بأسلوب معين، وبالنظر إلى حجم هذه القوات التى كنا قد اعددناها.. فقد كانت قادرة على إبادة قوات العدو تماما غرب القناة، وبالاضافة إلى ذلك فان العدو قد اعترف بتكبيده خسائر مادية كبيرة فى قتاله خلال الفترة من ١٦ إلى ٢٦ أكتوبر، وما بعد ذلك.
صرحت من قبل بأن إسرائيل لن تسكت على ما حدث لها فى ٦ أكتوبر.. فهى الآن تستعيد نفسها من جديد.. فما هو الوضع العسكرى لنا ولإسرائيل اليوم؟
أجاب المشير: بالنسبة لنا وضعنا اليوم أحسن منه فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣، فلا يوجد مانع مائي، ولا خط بارليف بحصونه القوية، ومواقعه الكثيفة، وبالنسبة لإسرائيل نجد أن وضعها العسكرى أسوأ منه يوم ٦ أكتوبر، خصوصا أن ارتدادها إلى الشرق حرمها من ميزة الاحتماء بالقناة، وما كان على ضفتها الشرقية من موانع، وعموما فنحن جاهزون عسكريا فى جميع الأحوال، ونعرف كل شبر فى سيناء، فهى أرضنا المصرية، ولن يكون اجتياز الممرات أكثر صعوبة من عبور قناه السويس أو اقتحام خط بارليف.
قبل المعركة بعدة أسابيع كان بصحبتكم أحد الجنرالات الروس للتشاور على الطبيعة فى كيفية إزالة السد الترابى واقتحام المانع المائى وخط بارليف.. عندما قال لك.. "هذا المانع الترابى صعب تدميره.. حتى ولو استخدمت فيه القنبلة الذرية".. ألم يزر هذا الجنرال الآن السد الترابى وخط بارليف؟
قال المشير: للأسف لم تحدث هذه الزيارة حتى الآن، وأنا ادعوه، بل اتمنى أن يحضر لزيارة الجبهة، وسوف اصحبه فى هذه الزيارة، واقف معه فى نفس المكان، واتركه يرجع بذاكرته إلى الوراء لاسترجاع ملامح الصورة القديمة التى بنى رأيه عليها، ثم مقارنتها بالصورة الحالية بعد تدمير خط بارليف.. ولن اسأله عن رأيه فيما تم بسواعد جنود مصر وبدون قنبله ذرية.
هل تنويع السلاح لقواتنا وخصوصا فى الطيران يعتبر ميزة أم العكس.. ثم ألا يحتاج هذا لوقت كبير لاستيعابه؟
قال المشير :تنويع السلاح لا يعتبر ميزة مطلقة، بعكس توحيد السلاح، إذ أن التوحيد يوفر الكثير من الوقت والجهد، سواء عند إعادة التدريب أو لمعرفة خصائصه، أو عند صيانته وإصلاحه، وذلك بشرط ألا يكون التوحيد سببا فى التخلف النوعى للسلاح، إذ فى هذه الحالة يصبح التنويع أساسيا ومطلوبا أيضا كوسيلة لاستكمال بعض المعدات التكميلية المتطورة، والتى ترفع من كفاءة الأسلحة الموجودة.
اسرائيل حتى الآن تعرض أفلام ١٩٦٧، وتعرفون أنه لم تتح الفرصة أن يصور التليفزيون لحظة العبور.. وهل وضعت الترتيبات لتسجيل وتصوير حرب قد تكون قادمة؟
قال المشير: لقد ضاعت فرصة ثمينة عندما علمت بأنه لم يتم تصوير أحداث اليوم الأول للحرب سينمائيا، بالذات لأن ما حدث فى هذا اليوم لا يمكن تخيله أو وصفه بالدقة التى تنقل بها أجهزة التصوير، ولكن هذا ما حدث، ولقد وضعنا الترتيبات الكفيلة بعدم تكراره، وتم إمداد الشئون المعنوية بالأجهزة والمعدات الكافية والكفيلة بتسجيل الاحداث الهامة، وأحداث المعارك بالصوت والصورة فى حينه.
هل يمكن أن نصف جزءا من ملحمة السويس ومشاعركم لحظتها؟
قال المشير: إن ملحمة السويس نالت حظها من البحث، ودارت حولها أحاديث كثيرة على لسان أفراد الشعب الذين اشتركوا مع القوات المسلحة فى رد العدوان عن المدينة، أما مشاعرى فكانت مزيجا من الثقة والأمل فى عدم تمكين العدو من دخول المدينة، وهذا ما حدث فعلا.
عندما طلبك الرئيس لمقابلته فى بيته قبل تعيينك بيومين وزيرا للحربية هل كان يخطر ببالك أنك ستكون قائدا لمعركة التحرير.. وما أمنياتك للمستقبل؟
أجاب المشير: طبعا لم يكن ذلك يخطر ببالى قبل أن أعين وزيرا، ولكن عندما عينت وزيرا للحربية تمنيت أن يوفقنى الله لكى انجح فى قيادة معركة التحرير، وبدأت اعمل لاستكمال احتياجات القوات المسلحة من المعدات، وكانت زيارتى للاتحاد السوفيتى سببا فى الحصول على أضخم صفقة سلاح حصلت عليها مصر، وبعد الاطمئنان على كفاءة القوات المسلحة، وقدرتها على تحقيق النصر، اصدر الرئيس السادات قراره التاريخى بالعبور بعد التنسيق مع سوريا، ووفقنا الله وامدنا بنصر من عنده.
وأما عن امنياتي.. فهى فى إيجاز أن يتم الله فضله على قواتنا المسلحة لتتم مهمتها فى تحرير كل شبر من الارض العربية، واستعادة حقوق شعب فلسطين إذا ما فشلت الجهود السلمية التى تتم لتحقيق هذا الهدف.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...
أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت
الأقمار الصناعية رصدت الكارثة
محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق