بريكس.. بحث عن بديل أم توسيع لمساحة الحركة

بقلم .. محمود علام

ليست كل التحولات الكبرى في السياسة الدولية وليدة تحالفات جديدة، ولا تبدأ دائمًا بإعلان خصومة مع قوة قائمة؛ فقد يبدأ التحول الحقيقي حين تدرك دول متباينة الرؤى أنها تستطيع أن تجلس إلى طاولة واحدة دون أن تتخلى عن اختلافاتها. وفي عالم تتسع فيه الأزمات، وتتعدد مناطق التوتر، وتتكرر فيه صدمات الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، تصبح القدرة على توسيع مساحة الحركة وجهًا من وجوه القوة. من هنا تفرض قمة بريكس في نيودلهي سؤالاً يتجاوز حدود القمة نفسها: هل تبحث بريكس عن بديل للنظام القائم، أم تسعى إلى توسيع الخيارات أمام دولها وشركائها، بما يصنع هامشًا أوسع للحركة؟

جاء خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في نيودلهي كاشفًا عن رؤية مصر في التعامل مع بريكس؛ رؤية لا تنطلق من البحث عن جديد، بقدر ما تنظر إلى ما يمكن أن تنتجه العضوية من فرص عملية. فقد ركز الخطاب على تنويع مصادر النمو، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتوطين التكنولوجيا وتأمين الطاقة والغذاء والمياه، إلى جانب توسيع التعاون في التمويل والاستثمار والنقل واللوجستيات.

في هذا السياق، تكتسب الكلمة دلالتها؛ فقد جاءت أقرب إلى خريطة للفرص التي ترى مصر أنه بإمكان التجمع أن يتحرك من خلالها، منها إلى خطاب سياسي يبحث عن اصطفاف جديد. فقد وضع الرئيس في مقدمة كلمته بناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود، وتنويع مصادر النمو، وتعزيز سلاسل الإمداد، والاستثمار في الإنسان، وتوسيع التعاون بين دول الجنوب، ثم انتقل إلى الذكاء الاصطناعي ونقل التكنولوجيا وتوطينها، وأمن الطاقة والغذاء والمياه، والطاقة النظيفة، والتمويل، والنقل واللوجستيات، وصولاً إلى المشاريع والاستثمارات والشراكات الملموسة. وهي ملفات تكشف أن القاهرة تنظر إلى بريكس بوصفها مساحة للعمل واقتناص الفرص، لا ساحة للمواجهة أو الاستقطاب.

وهنا تحديدًا تكمن دلالة مصرية مهمة: فالمرونة الاقتصادية ليست قضية اقتصادية خالصة، وإنما جزء من القدرة على اتخاذ القرار في عالم كثير الاضطرابات. فعندما تهتز سلاسل الإمداد، أو تتسع أزمات الطاقة والغذاء، أو تصبح التكنولوجيا نفسها مجالاً للتنافس الدولي، فإن الدولة التي تمتلك تنوعًا أكبر في أسواقها وشركائها ومصادر تمويلها وقدراتها التكنولوجية، تمتلك في المقابل مساحة أوسع للحركة والمناورة.

إلا أن قيمة بريكس لا تُقاس فقط بما تُجمع عليه دولها، وإنما أيضًا بقدرتها على إدارة ما بينها من اختلافات. فالتجمع يضم قوى كبرى ذات حسابات متباينة، ودولاً تختلف في علاقاتها بالولايات المتحدة والغرب، وفي رؤيتها للحروب والأزمات الدولية، بل إن بعض أعضائه يقفون على مسافات سياسية متعارضة في ملفات شديدة الحساسية. ومع ذلك، تظل المصالح الاقتصادية والتنموية والتجارية قادرة على إبقائهم حول طاولة واحدة. وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات بريكس: أن تماسكها لا يشترط التطابق، وأن اختلاف أعضائها قد يكون أحد أسباب الحاجة إليها.

وربما هذا ما يفسر لماذا لم تتعامل القاهرة مع بريكس باعتبارها بديلاً عن علاقاتها الدولية الأخرى، وإنما باعتبارها إضافة إلى مساحة الحركة المصرية. فمصر، التي انضمت إلى التجمع في يناير 2024، تشارك في قمة نيودلهي للعام الثالث على التوالي، ضمن تجمع يضم حاليًا 11 دولة تمثل نحو 49.5% من سكان العالم، و40% من الناتج العالمي، و26% من التجارة العالمية، وفق البيانات الرسمية الهندية المعلنة أثناء القمة.

ولذلك لم يكن لافتًا أن تأتي كلمة الرئيس محملة بهذه اللغة العملية؛ فعندما تحدث عن بنك التنمية الجديد, فقد ذهب إلى توسيع قدرة الدول النامية على الوصول إلى التمويل الميسر؛ وعندما أشار إلى زيادة التجارة والاستثمار والمشاريع المشتركة، ربط المرونة الاقتصادية بتعدد الشركاء؛ وعندما وضع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في صلب التعاون، اعتبر التحول التكنولوجي أحد ميادين القوة التي لا يجوز أن يبقى الجنوب العالمي فيها مجرد متلقٍ. هكذا تتحول العضوية من حضور في تجمع دولي إلى إضافة فعلية في قدرة الدولة على الحركة.

غير أن ما يجعل قمة نيودلهي أكثر إثارة للاهتمام هو أن هذه الرؤية تتحرك داخل تجمع شديد التنوع. فالهند والصين، وهما من الدول المؤسِّسة الكبرى للبريكس، لا تزال بينهما ملفات استراتيجية وحدودية معقدة، وإن شهدت العلاقات بينهما أخيرًا محاولات حذرة لإعادة ضبطها. وعلى هامش القمة، التقى ناريندرا مودي وشي جين بينج في أول زيارة للرئيس الصيني إلى الهند منذ سبع سنوات، وبحثا استعادة الروابط الاقتصادية والتجارية والنقلية، فيما أكدت الهند أن السلام على الحدود يظل شرطًا لتحسين العلاقات.

وفي المقابل، تجلس روسيا داخل التجمع في مواجهة ممتدة مع الغرب بسبب الحرب في أوكرانيا، وتنضم إيران إلى الطاولة وسط صراع إقليمي وعقوبات وضغوط اقتصادية واسعة، فيما تحافظ دول عربية أعضاء في بريكس على علاقاتها الاستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا. نحن إذن أمام دول لا تتحرك من عاصمة واحدة، ولا تتبنى بالضرورة التقدير نفسه للأزمات، ولا تحمل رؤية واحدة لشكل النظام الدولي المقبل.

وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم في بريكس: قوتها لا تأتي من تشابه أعضائها، وإنما من قدرتهم على العثور على مساحة للتعاون رغم اختلافهم.

وقد أشار تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" إلى هذه المفارقة، رابطًا بين حربي أوكرانيا والشرق الأوسط، والتوترات الأمريكية الصينية، وبين قدرة المجموعة على إيجاد أرضية مشتركة بين دول ذات مصالح جيوسياسية متعارضة. وفي هذا السياق، جاءت الرسالة الهندية واضحة؛ إذ أكد رئيس الوزراء ناريندرا مودي أن بريكس "ليست ضد أحد"، داعيًا دول الجنوب العالمي إلى الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع المشارك في صياغة القواعد والنتائج.

وتقدم الهند نفسها نموذجًا لهذه الرؤية؛ فهي تحافظ على شراكات استراتيجية مع روسيا وإيران، وفي الوقت نفسه تطور علاقاتها الاقتصادية والدفاعية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة وأوروبا. لذلك لا تبدو نيودلهي راغبة في تحويل بريكس إلى حلف سياسي مغلق، بقدر ما تسعى إلى جعلها منصة توسع هامش الحركة بدل أن تفرض اصطفافًا واحدًا.

ولعل لقاء مودي وشي على هامش القمة يقدم صورة رمزية لهذه الفكرة؛ فحين تستطيع دولتان بينهما حدود متنازع عليها وتنافس استراتيجي ومصالح متشابكة أن تلتقيا داخل تجمع واحد للبحث عن نقاط التعاون، فإن قيمته الحقيقة تتجاوز البيانات التي تصدر عنه، إلى قدرته على إبقاء باب الحركة مفتوحًا رغم الخلاف.

ومن هنا يمكن فهم التطور اللافت في قمة نيودلهي؛ فالتحدي لم يكن الوصول إلى اتفاق بين دول متطابقة، وإنما صياغة أرضية مشتركة بين دول مختلفة. وقد خرجت القمة بإعلان مشترك تناول توترات الشرق الأوسط، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، والعقوبات الأحادية، إلى جانب ملفات الطاقة والغذاء والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة والمدفوعات عبر الحدود.

أما الحديث عن العملات المحلية وأنظمة الدفع الجديدة، فلا ينبغي قراءته باعتباره مقدمة حتمية لإلغاء النظام المالي القائم أو إنتاج عملة عالمية بديلة؛ فالأهم هو توسيع الخيارات في التجارة والتمويل والمدفوعات والاستثمار. فالفرق كبير بين أن تبحث الدول عن نظام بديل، وأن تسعى ألا تكون أسيرة لنظام واحد.

وهذا هو جوهر فكرة مساحة الحركة": فالدولة لا تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها لأنها تقطع علاقاتها بهذا الطرف أو ذاك، وإنما حين تتعدد أمامها البدائل؛ فتتنوع أسواقها، ومصادر تمويلها، وشراكاتها التكنولوجية، وممرات تجارتها، ومصادر الطاقة والغذاء، وتتعامل مع القوى الكبرى من موقع أرحب من الاختيار الإجباري.

وهنا تبدو مصر في موقع بالغ الأهمية داخل هذه المعادلة. فكلمة الرئيس السيسي لم تقدمها باعتبارها دولة تبحث عن مكان في صراع دولي، وإنما باعتبارها دولة تستطيع أن تقدم قيمة عملية للتعاون. وعندما تحدث عن الموانئ ومحاور الربط وشبكات النقل، ثم وضع قناة السويس "في قلب هذه المنظومة"، لم يكن يشير إلى ميزة جغرافية فحسب، وإنما إلى وظيفة تتصل باستقرار سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.

في هذا السياق، ليست قناة السويس مجرد ممر بين بحرين؛ إنها جزء من سؤال عالمي أكبر يتعلق بقدرة التجارة الدولية على الصمود في عالم تتعرض فيه الممرات البحرية وسلاسل الإمداد للصدمات. وقد شدّد الرئيس السيسي، في لقاءاته على هامش القمة، على أهمية استقرار الشرق الأوسط، خصوصًا مع ارتباط الأزمات بالممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وفي مقدمتها البحر الأحمر وقناة السويس.

وبهذا تتحول الجغرافيا المصرية إلى وظيفة سياسية واقتصادية: فمصر لا تقدم موقعها باعتباره عنوانًا على الخريطة، وإنما باعتباره قدرة على الربط بين الأسواق والممرات ومصادر الطاقة ومراكز الإنتاج والاستهلاك. وإذا كانت بريكس تبحث عن صمود أكبر لسلاسل الإمداد، وتنويع الشركاء ومصادر الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، فإن مصر تملك ما يجعلها شريكًا عمليًا في هذه المعادلة، من قناة السويس والموانئ والشبكات اللوجستية إلى موقعها الذي يصل إفريقيا بالعالم العربي وأوروبا وآسيا.

ومن هنا يصبح السؤال المصري داخل بريكس أعمق من سؤال العضوية: ماذا تستطيع مصر أن تضيف إلى التجمع، وماذا تستطيع العضوية أن تضيف إلى قدرة مصر على الحركة؟ وهنا تلتقي كلمة الرئيس السيسي مع طبيعة بريكس الجديدة. فالتجمع الذي بدأ قبل نحو عشرين عامًا بخمس دول، أصبح اليوم يضم 11 عضوًا، وامتد جغرافيًا إلى آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، فيما تتسع أيضًا شبكة شركائه، بما يعكس تحولًا لافتًا في حجمه وامتداده وتأثيره المحتمل. لكن الحجم وحده لا يصنع القوة السياسية.

فالقوة الحقيقية ستتحدد بقدرة هذا التنوع على إفراز نتائج. ولهذا بدت عبارة الرئيس السيسي في ختام كلمته شديدة الدلالة: "إن نجاح شراكتنا لا يتوقف على الاتفاق على الأولويات، وإنما يتطلب ترجمتها إلى مشاريع واستثمارات وشراكات ملموسة".

وربما هنا يبدأ التحدي الحقيقي لمرحلة بريكس المقبلة. فبيان مشترك يمكن صياغته، وموقف سياسي يمكن التوافق عليه، وشعارات عن عالم متعدد الأقطاب يمكن أن تملأ القاعات؛ لكن الاختبار الأصعب يبدأ بعد انتهاء القمة: هل تتحول هذه اللغة إلى موانئ وشبكات طاقة ومشروعات مشتركة وتمويل وتكنولوجيا وتجارة واستثمارات؟ وهل تستطيع دول بهذا القدر من الاختلاف أن تحول تبايناتها من مصدر لتعطيل القرار إلى مجال لتوسيع المصالح المشتركة؟ ذلك هو الفارق بين تجمع يكبر في الأرقام، وتجمع يكبر في التأثير.

ومن هذه الزاوية، تبدو قمة نيودلهي وكأنها تقدم تعريفًا مختلفًا للقوة الدولية، التي لم تعد تقاس فقط بامتلاك أكبر اقتصاد أو أقوى جيش، وإنما في القدرة على توسيع مساحة الحركة، وتعدد الخيارات المتاحة، وإدارة التناقضات، وبناء شراكات لا تتطلب من أطرافها أن تتشابه حتى تتعاون.

لذلك، ربما يكون من الخطأ انتظار لحظة تعلن فيها بريكس أنها أصبحت "بديلاً للغرب". فالمشهد أعقد من ذلك؛ إذ لا يجمع الدول الأعضاء تطابق الرؤى، وإنما يجمعها إدراك متزايد بأنها بحاجة إلى مساحات أوسع للحركة والتلاقي.

ومن هنا يمكن فهم عنوان المرحلة: ليست المسألة أن تختار بريكس بين شرق وغرب، وإنما أن تجعل الاختيار نفسه أقل اضطرارًا إلى الاختيار بينهما. وهذا هو المعنى الأعمق لانضمام مصر إلى هذا المسار. فالقاهرة لا تستبدل شراكة بأخرى، ولا تغلق بابًا لتفتح آخر؛ وإنما توسع دائرة حركتها، مستفيدة من موقعها، وقدراتها اللوجستية، وسوقها، وعلاقاتها المتنوعة، ودورها العربي والإفريقي والمتوسطي.

ففي عالم تتغير فيه موازين القوة، قد لا يكون السؤال الأهم: من سيحكم العالم؟ بل: من يملك أكبر قدر من الحرية في الحركة داخله؟

ولعل هذا هو الاختبار الحقيقي لتجمع بريكس ما بعد نيودلهي: أن ينتقل من "تجمع المختلفين" إلى تجمع القادرين على العمل معًا، ومن البيانات إلى المشاريع، ومن الرغبة في تغيير ميزان القوة إلى توسيع مساحة الحركة أمام دوله. فالتجمع لا يحتاج إلى أن يكون نسخة مقابلة من أي تجمع آخر، ولن يكون مطلوبًا منه أن يهدم نظامًا قائمًا كي يثبت وجوده. يكفيه أن يجعل العالم أقل خضوعًا لخيار واحد، وأكثر قدرة على فتح مسارات متعددة.

وهنا قد تكون قيمة بريكس الحقيقية: ليست في أن ترسم للعالم محورًا جديدًا، وإنما في أن تمنح دولاً كثيرة هامشًا أوسع لترسم طريقها بنفسها؛ فالقوة، في النهاية، لا تُقاس فقط بمن يملك القدرة على فرض الطريق، بل بمن يملك القدرة على ألا يُجبر على السير في طريق واحد.

 

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
نحو الحرية وعى المصريين
نحو الحرية ربنا يطمنك يا ريس
نحو الحرية المشروع القومي (کاری اون)
نحو الحرية رسائل طمأنينة من الرئيس
الحرية

المزيد من أقلام

بريكس.. بحث عن بديل أم توسيع لمساحة الحركة

ليست كل التحولات الكبرى في السياسة الدولية وليدة تحالفات جديدة، ولا تبدأ دائمًا بإعلان خصومة مع قوة قائمة؛ فقد يبدأ...

التريند وطوفان البلاغات الرقمية.. يعيدان تشكيل المهام الأمنية

​واقعٌ جديدٌ فرضه تدفق آلاف البلاغات الإلكترونية والفبركة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بين سرعة التثبت ودقة الفحص الجنائي للوصول إلى...

دبلوماسية الحضارات العريقة .. حوار التاريخ بين الوادي والنهر الأصفر

في عالمٍ لا تكتفي فيه الذاكرة الإنسانية بتدوين الأحداث العابرة، بل تحفر في صخر الزمن ملامح الخلود، تتقاطع خطى الأولين...

​الأهراماتُ المقلوبةُ.. أخطارٌ تهددُ الوطنَ والمواطنَ

​المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...