واقعٌ جديدٌ فرضه تدفق آلاف البلاغات الإلكترونية والفبركة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بين سرعة التثبت ودقة الفحص الجنائي للوصول إلى الحقيقة..
قبل أكثر من عقدٍ من الزمان، كان التعامل مع الجرائم بمختلف أنواعها يتم عبر البلاغات الحضورية التقليدية في مراكز الشرطة، أو من خلال الاتصال بالنجدة. أما اليوم، ومع التطور التكنولوجي والتغلغل المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، برز مدٌ مستحدث يتجسد في آلاف البلاغات الإلكترونية وأدوات إثبات الجرائم الرقمية؛ وذلك بسبب انتشار عشرات الملايين من الحسابات والصفحات على مختلف منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الرقمي،حيث أصبحت هذه الأعداد المهولة ، التي تتنوع بين حسابات حقيقية وأخرى مجهولة الهوية ، تتطلب مساعي مضنية وتفرض تحديات جسيمة لمتابعتها وضبط ما يتصل بها من تجاوزات تمس أمن المجتمع والدولة.ولم يعد دور وزارة الداخلية محصورًا في تلقي البلاغات التقليدية بمراكز الشرطة أو معالجة الحوادث الميدانية؛ إذ فرض العالم الافتراضي مناخًا جديدًا وضع الأجهزة الأمنية أمام سيلٍ من المواد الرقمية التي قد تنطوي على بلاغٍ صادق، أو روايةٍ مبتسرة، أو ادعاءٍ عارٍ من الصحة، أو محتوى ملفق. وتشير الإحصائيات المعلنة إلى اتساع نطاق هذه المهمة؛ إذ باتت منشورات منصات التواصل والمقاطع المصورة نقطة انطلاق للتحري والفحص الجنائي قبل اتخاذ الإجراءات القانونية. وقد بذلت الأجهزة الأمنية خلال السنوات الماضية جهودًا حثيثة لكشف ملابسات العديد من التسجيلات المرفوعة التي تم تداولها، وضبطت المتورطين في وقائع ثبتت صحتها، بينما كشفت في أحداث أخرى أن الرواية المتداولة لا تعكس الحقيقة.ومن أبرز التحديات ظهور مقاطع مرئية تحمل روايات مخالفة للواقع، فضلًا عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة محتوى مزيف، وهو ما يجعل التسجيل وحده غير كافٍ للحكم على الواقعة. وهنا يأتي دور الخبراء الفنيين في استخلاص "البصمة الرقمية" للوسائط، وتتبع الطرق الحديثة للتثبت أو كشف الفبركة والزيف؛ مما يجعل الفحص الفني والتحريات وسماع أقوال الأطراف عناصر أساسية لا غنى عنها للوصول إلى الحقيقة وتبرير الوقت الذي تقتضيه تحقيقات الدقة الأمنية.ولم يقف الرصد الأمني عند حد فحص الحوادث اليومية، بل امتد لمواجهة أنماط معقدة من الجرائم الوافدة عبر الشاشات، من بينها الترويج للمواد المخدرة والأسلحة، والمحتويات المخلة بالآداب العامة والمخالفة للقانون، وغسل الأموال، بالإضافة إلى شبكات الابتزاز الإلكتروني والمالي ومحاولات استغلال الأطفال والمراهقين، وغيرها من الجرائم التي تستغل المنصات الرقمية. لقد أكدت المعطيات الحالية أن مكافحة جرائم تقنية المعلومات أصبحت مسارًا أمنيًا أصيلًا متصلًا بالعمل الجنائي التقليدي.كما تطفو على السطح قضية أخرى بعد أن تحول الهاتف المحمول إلى أداة توثيق يومية، وبرز السؤال: هل يحق للمواطن تصوير واقعة مخالفة بالشارع أو داخل مصلحة حكومية؟ لقد كشفت واقعة موظفة هيئة التأمينات الاجتماعية مؤخرًا ، والتي ظهرت في مقطعٍ متداول أثناء مشادة مع مواطن مسن ، أهمية هذا السؤال؛ فقد أعلنت الهيئة اتخاذ إجراءات ضد الموظفة وإحالتها إلى التحقيق، وتمت معاقبتها بالنقل إلى موقع آخر على خلفية تلك الواقعة. وتشير الآراء القانونية إلى أن التصوير داخل الجهات الحكومية لا يمكن وصفه بأنه «ممنوع مطلقًا» أو «مباح مطلقًا»؛ فالمعيار يتغير بحسب طبيعة المكان والمشهد وما يتم تصويره والغرض من التصوير. فقانون العقوبات يجرّم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، ومن صور ذلك التقاط صورة شخصٍ في مكان خاص بغير رضاه، بينما لا تنص هذه المادة بذاتها على حظر عام لتصوير كل ما يجري في الأماكن الحكومية. وبالتالي، فإن توثيق واقعة يعتقد المواطن أنها مخالفة ، خصوصًا إذا وقعت في مساحة مخصصة لخدمة الجمهور ، يختلف عن تصوير ملفات أو شاشات أو مستندات تتضمن بيانات شخصية لمواطنين آخرين، أو استخدام التسجيل في التشهير والابتزاز. والأكثر أمانًا أن يكون التصوير، متى كان مشروعًا، وسيلة لإثبات المخالفات لتقديمها إلى الجهة المختصة، لا ذريعة للنشر العشوائي.ولا يقف الأمر عند حدود اللغط المجتمعي، بل يمتد إلى طائلة القانون؛ إذ يعاقب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بعقوبات مشددة تصل إلى السجن وغرامات مالية باهظة تُفرض على كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو اصطنع محتوى مرئيًا أو صوتيًا ونسبه لشخص دون رضاه بقصد التشهير به. وهنا تتقاطع المسؤولية الفردية مع الدور الأمني؛ فالجهات المختصة نفسها تتعامل مع المقاطع والصور المنشورة على مواقع التواصل باعتبارها مواد تستوجب الفحص والتحقق، لكنها لا تسلّم بصحتها تلقائيًا. ومن ثم فإن التوثيق شيء، وإطلاق الاتهامات أو نشر بيانات الضحايا والمتهمين الذين لم تثبت إدانتهم شيء آخر.إن معادلة السرعة والدقة تُظهر في هذه الوقائع تحولًا جوهريًا؛ إذ أصبحت الشبكات الاجتماعية منطلقًا للمتابعة الأمنية، وليست مجرد ساحة لنقل الأخبار بعد وقوعها. فالبلاغ قد يُصاغ في منشور مكتوب أو تسجيل مرئي، والدليل قد يستقر في مقطع فيديو، والتحدي يكمن في الوصول إلى الحقيقة عبر الفحص الفني وسماع شهادات الأطراف. وهنا يتضاعف العبء؛ لأن حدثًا محددًا قد يتحول خلال دقائق إلى قضية رأي عام. ولذلك يصبح الرهان الأمني هو تحقيق المعادلة الصعبة بين سرعة التحقق ودقته، مع مواجهة الشائعات والمحتوى المفبرك وملاحقة من يثبت تورطه قانونًا.في المقابل، يتحمل المستخدمون مسؤولية مجتمعية؛ فكثافة المشاهدات ليست معيارًا للمصداقية، والنشر لا يمنح المادة صفة البلاغ الرسمي، كما أن تداول الاتهامات دون تحقق قد يضر بسمعة الأفراد ويعرض الناشر للمساءلة القانونية. وتقتضي المسؤولية توجيه الاستغاثات والبلاغات عن الوقائع إلى القنوات الرسمية، ومنها الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات، التي خُصصت لها قنوات رسمية وخطوط ساخنة لمكافحة جرائم المعلومات، بدلًا من الاكتفاء بالنشر غير الموثق.لقد أثبتت تجربة السنوات الأخيرة أن الجريمة لم تعد حبيسة الشارع؛ فقد تبدأ بلمسة على شاشة الهاتف المحمول أو الكمبيوتر، وتتسع عبر ملايين الصفحات، ثم تنتقل إلى جهات التحقيق. وبين سرعة التداول ودقة التثبت، يتسع واجب المؤسسة الأمنية ليشمل ضبط الشارع الميداني ومواجهة التحدي الرقمي في آن واحد، فيما يبقى المواطن شريكًا في كشف الحقيقة متى استخدم الهاتف للتوثيق المسؤول، لا للتشهير أو صناعة الاتهام.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
واقعٌ جديدٌ فرضه تدفق آلاف البلاغات الإلكترونية والفبركة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بين سرعة التثبت ودقة الفحص الجنائي للوصول إلى...
في عالمٍ لا تكتفي فيه الذاكرة الإنسانية بتدوين الأحداث العابرة، بل تحفر في صخر الزمن ملامح الخلود، تتقاطع خطى الأولين...
المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...
لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...