إعلام الخدمة العامة بين صناعة الوعي وتحقيق الأرباح

​في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد معركة الدول تقتصر على الاقتصاد أو التسليح، بل امتدت لتشمل معركة الوعي والمعلومات. وقد أصبح الإعلام أحد أهم أدوات الأمن القومي والقوة الناعمة، مما يفرض إعادة النظر في كيفية إدارة إعلام الخدمة العامة: هل يُعامل كمرفق وطني يؤدي رسالة استراتيجية، أم كشركة تجارية تُقاس نجاحاتها بحجم الأرباح والخسائر؟


​لماذا تتمسك الدول الكبرى بإعلامها الرسمي؟
​تحسم التجارب الدولية هذا الجدل بوضوح؛ فالدول الكبرى لم تُنشئ إعلامها الرسمي لتحقيق أرباح مالية، وإنما لخدمة المجتمع، ونشر المعرفة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتوفير المعلومات الموثوقة، ومواجهة الشائعات، والتواصل مع المواطنين في أوقات السلم والأزمات. ولهذا، حافظت هذه الدول على مؤسسات إعلام الخدمة العامة، ووفرت لها مصادر تمويل مستقرة، مع العمل على تطوير أدائها ورفع كفاءتها، دون التخلي عن رسالتها الأساسية. ففي المملكة المتحدة، تمثل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) نموذجاً عالمياً لإعلام الخدمة العامة، وتعتمد تاريخياً على رسوم الترخيص التي يدفعها المواطنون. بينما تموّل فرنسا مؤسسة (France Télévisions) بصورة رئيسية من الأموال العامة باعتبارها مؤسسة تقدم خدمة للمجتمع. وفي ألمانيا، تعتمد شبكتا (ARD) و(ZDF) على رسوم إعلامية عامة تضمن استدامة التمويل والاستقلال المهني. أما الولايات المتحدة، ورغم هيمنة الإعلام التجاري، فما زالت تدعم مؤسسات مثل (PBS) و(NPR) من خلال مزيج من التمويل الحكومي والتبرعات والمنح.
​حوكمة الإعلام.. هل هي مجرد أرقام؟
​ولا يقتصر اختلاف تجارب الدول على آليات التمويل فحسب، بل يمتد إلى نماذج الحوكمة والإدارة؛ فمعظم مؤسسات إعلام الخدمة العامة تعمل من خلال مجالس أمناء أو هيئات مستقلة يحدد القانون اختصاصاتها، بما يضمن التوازن بين الاستقلال المهني والمساءلة المجتمعية. كما تخضع هذه المؤسسات لمعايير تقيس جودة المحتوى ومدى التزامه برسالتها الثقافية والتعليمية والإخبارية، لا بحجم الإيرادات أو نسب المشاهدة فحسب. ولا ينبغي لإعلام الخدمة العامة أن ينزلق إلى موجة "الترندات" التافهة التي تجنح إليها منصات إعلامية خاصة، تتخذ من "الترند" غاية لتحقيق المكاسب بعيداً عن هدفه الأصيل المتمثل في التنوير، والتثقيف، ودرء الشائعات، وإظهار الحقيقة، والدفاع عن مكونات الدولة وأمنها القومي. ولذلك، فإن نجاح إعلام الخدمة العامة يُقاس بقدرته على بناء الثقة وترسيخ المصداقية وخدمة الصالح العام، وهي قيم لا يمكن اختزالها في ميزانية الأرباح والخسائر. وتؤكد منظمة "اليونسكو" أن إعلام الخدمة العامة يمثل أحد الأعمدة الأساسية للمجتمعات الحديثة، لما يؤديه من دور في إتاحة المعلومات الموثوقة، وتعزيز الثقافة، ودعم المشاركة المجتمعية. كما يشير اتحاد الإذاعات الأوروبية إلى أن نجاح هذا الإعلام يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية: التمويل المستدام، والاستقلال التحريري، والمساءلة أمام المجتمع.
​إلى أين يتجه إعلام "ماسبيرو"؟
​وفي مصر، بدأ المسار المؤسسي لإعلام الخدمة العامة مع إنشاء "اتحاد الإذاعة والتليفزيون" عام 1960 ليتولى إدارة الإذاعة والتليفزيون الرسميين باعتباره هيئة عامة خدمية، واضطلع لعقود برسالة وطنية تمثلت في نشر الثقافة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتوثيق ذاكرة المجتمع، وتقديم الخدمة الإعلامية للمواطنين، دون أن يكون تحقيق الربح هدفه الأساسي. ومع إعادة تنظيم المنظومة الإعلامية، أُنشئت "الهيئة الوطنية للإعلام" بموجب القانون رقم 92 لسنة 2016، ثم نظم القانون رقم 178 لسنة 2018 اختصاصاتها باعتبارها هيئة عامة اقتصادية تتولى إدارة وتشغيل وسائل الإعلام المملوكة للدولة. ورغم هذا التحول في الإطار القانوني والإداري، فإن جوهر الرسالة لم يتغير؛ إذ ظل إعلام الخدمة العامة معنياً بخدمة المجتمع والدولة، وإن أصبح في الوقت نفسه مطالباً بتعزيز كفاءة الإدارة، وترشيد الإنفاق، وتنمية الموارد، وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة المالية، دون أن يأتي ذلك على حساب دوره الوطني ورسالة الخدمة العامة التي أُنشئ من أجلها.
​وفي هذا السياق، تكتسب المناقشات الدائرة حول مستقبل الهيئة الوطنية للإعلام أهمية خاصة، لاسيما مع اتجاه الحكومة خلال الفترة الأخيرة إلى عقد اجتماعات متتالية لمراجعة أوضاع عدد من الهيئات الاقتصادية التي تواجه تحديات مالية، ودراسة سبل إصلاحها وإعادة هيكلتها، بما يشمل بحث بدائل مثل الدمج أو تغيير الطبيعة القانونية لبعضها وفقاً لطبيعة نشاطها. ومن هذا المنطلق، يبرز طرح يستحق الدراسة يتمثل في إعادة النظر في الوضع القانوني للهيئة الوطنية للإعلام، التي حلت محل اتحاد الإذاعة والتليفزيون، بما يتوافق مع طبيعة رسالتها باعتبارها مؤسسة لإعلام الخدمة العامة. فربما يكون من المناسب إعادة تصنيفها ضمن الهيئات العامة الخدمية، باعتبار أن رسالتها الأساسية لا تتمثل في تحقيق الأرباح، وإنما في تقديم خدمة إعلامية وطنية للمجتمع، وهو ما يتسق مع الفلسفة التي قامت عليها معظم نماذج إعلام الخدمة العامة في العالم، كما أوضحنا في هذا المقال.
​الفارق بين الإعلام الوطني والتجاري
​من هنا، يصبح من الضروري التمييز بين الإعلام التجاري وإعلام الخدمة العامة؛ فمن الطبيعي أن تخضع شركات الإنتاج والقنوات الاستثمارية والمنصات الرقمية لمعايير الربحية والعائد على الاستثمار، أما القنوات والإذاعات الوطنية فهي تؤدي دوراً مختلفاً يتمثل في تمثيل الدولة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتقديم الخدمة الإعلامية لجميع المواطنين، حتى في القضايا أو المناطق التي لا تحقق عائداً اقتصادياً مباشراً. ولا يعني ذلك إعفاء هذه المؤسسات من التطوير أو المحاسبة، بل على العكس؛ فهي مطالبة بإعادة هيكلة إدارتها، وترشيد الإنفاق، وتعظيم الاستفادة من أصولها، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، وتطوير كوادرها، والبحث عن موارد إضافية تدعم استدامتها دون أن تؤثر في رسالتها. فالإدارة الرشيدة تعني الكفاءة وحسن استغلال الموارد، لكنها لا تعني تحويل الإعلام الوطني إلى مشروع تجاري يفقد هويته ووظيفته الأساسية.
​خاتمة
​إن الإعلام الوطني يمثل خط الدفاع الأول عن الوعي، ونافذة الدولة على مواطنيها، وصوتها في الداخل والخارج. وفي عصر تتسارع فيه حملات التضليل والأخبار الكاذبة، تزداد الحاجة إلى إعلام خدمة عامة قوي، مهني، ومستقل، قادر على بناء الثقة، وتصحيح المفاهيم، ودعم جهود التنمية، وترسيخ قيم الانتماء.
​ويبقى السؤال الحقيقي: هل نريد إعلاماً يحقق أرباحاً مالية، أم إعلاماً يحقق أرباحاً وطنية؟ فالدول لا تقيس قيمة مؤسساتها الاستراتيجية بحجم الإيرادات، وإنما بقدرتها على خدمة المجتمع وحماية مصالحه. وإذا كانت مشروعات البنية التحتية تبني المدن والطرق، فإن إعلام الخدمة العامة يبني الإنسان، ويحمي الوعي، ويصون الهوية الوطنية. ولذلك، فإن الاستثمار فيه ليس عبئاً على الدولة، بل استثمار طويل الأجل في أمنها الفكري، وقوتها الناعمة، ومستقبلها، على أن تظل الكفاءة الاقتصادية وسيلة لتعزيز رسالته، لا بديلاً عنها. إن تطوير إعلام الخدمة العامة هو مهمة وطنية تشاركية، تبدأ من دعم القرار السياسي لتوفير البيئة المناسبة، وتكتمل بوعي المواطن الذي يختار دائماً الجودة والمصداقية على حساب السطحية والترند

 	عادل خفاجي

عادل خفاجي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

اللواء سمير فرج

المزيد من أقلام

رحيلٌ يُورث الوحشة

ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...

إعلام الخدمة العامة بين صناعة الوعي وتحقيق الأرباح

​في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد معركة الدول تقتصر على الاقتصاد أو التسليح، بل امتدت لتشمل معركة...

مَن يرفعون الرؤوس .. ومَن يرفعون الكؤوس

ليست كل الرحلات تُقاس بمسافات الأميال، ولا تُوزن بما تحمله الطائرات من أمتعة؛ فثمّة رحلاتٌ لا يكتب التاريخ فاتحتها إلا...

"الأوكتاجون".. السيادة الرقمية والرسالة الاستراتيجية للجمهورية الجديدة

في مشهد حمل دلالات استراتيجية لافتة، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة "الأوكتاجون" بالعاصمة الإدارية...


مقالات