كنا فى بداية صيف ٢٠١٤ حينما دعتنى صديقتى المقيمة بالسويد مع والدتها المسنة القعيدة لزيارتها، وبالفعل طرتُ إليها، حيث تعيشان فى مجمع سكنى بعيدا عن قلب مدينة يتوبورى، كانت صديقتى تتركنى فى الصباح مع والدتها وتذهب للمدرسة لتعلم اللغة السويدية وتاريخ البلد؛ كشرط للحصول على الجنسية السويدية،
حينها لاحظت أن كل ثلاث ساعات تقريبا يفتح باب المنزل ويدخل أحدهم سواء رجل أو امرأة من مقدمى الرعاية الحكومية، والذين يبدون ملتزمين وصارمين، ليبدءا فى حمل أم صديقتى من سريرها إلى الحمام، ثم يجلسها على مقعدها ويبدأ أحدهم فى تمشيط شعرها، ثم إعداد الطعام وإطعامها بالملعقة، كل ذلك كان جديدا على مجتمعى ويبدو رائعا؛ ولكنه كان يحدث بشكل ألى خالٍ من أى عاطفة أو حوار، وكان يتخللنى وقتها شعور بعدم الرضا والخوف، فمن يدرى كيف يعامل هؤلاء العاملين المسنيين فى عدم وجود أحد من ذويهم،، إلى أن عدت لتهاتفنى صديقتى ذات يوم بأن أحد هؤلاء المسعفين سرق كل ما هو ثمين من البيت من أموال وذهب وأجهزة، وكسر شباك المنزل من الخارج كى يبدو أن السرقة تمت بالدخول من النافذة.. ولم أفكر وقتها بغير ذلك.. احتمال..
تذكرت هذه الواقعة، بينما كنت أجلس مشدودة عن أخرى بتوتر إلى مقعدى بالمسرح الكبير بدار الأوبرا أتابع أحداث الفيلم البريطانى "اليعسوب" للمخرج "بول أندرو ويليامز" الذى عرض بمهرجان القاهرة السينمائى فى دورته الأخيرة ٢٠٢٥، فتصرف مقدمة الرعاية مع بطلة الفيلم إلسي"بريندا بليثين" ٨٥ عاما، والمصابة بالتهاب المفاصل والسمنة وأمراض عدة،كان هو المقدمة لكل أحداث الفيلم بعد ذلك، حيث لاحظت جارتها كولين" أندريا رايزبورو " أن مقدمة الرعاية تعاملها بشكل قاس، ولا تقضى معها الوقت المحدد فهى فى عجلة من أمرها وتريد اللحاق بمريض آخر، الأمر الذى لم يعجب كولين الشابة التى تعيش مع كلبها الضخم، ويفصلها عن منزل إلسى حاجز مشترك؛ تبدو كولين شاحبة الوجه وغريبة وأكبر من سنها المعلن بكثير، تعرض كولين على إلسى أن تقوم هى برعايتها وتحميمها وشراء البقالة بدافع إنسانى لا يخلو من توجسنا نحن المشاهدين!
المكان الذى تعيشان فيه الامرأتان؛ هو مجمع سكنى من طابق واحد وتقريبا كل سكانه من كبار السن.. يقع فى شارع عادى فى بلدة صناعية مجهولة غرب يوركشاير، تبدو الساحات صغيرة حيث لا يُرى أحد آخر أبدًا، فلا أطفال يلعبون فى أى ساحات ولا حركة مرور، اللهم إلا إشارة مرور على بعد أمتار قليلة تبدو وكأنها مُعلقة دائمًا باللون الأحمر.
رغم التآلف والمودة التى جمعت بين السيدتين ومحاولتهما التكيف مع وضعهما فكلاهما وحيدتان هشتان وإن كان بشكل مختلف، فإلسى أصابت الهشاشة جسدها، بينما كولين أصابت الهشاشة روحها على مر أيام معانتها مع الحياة، لتجدا هاتان الروحان التائهتان العزاء معًا.
تظهر الكاميرا المنزلين بشكل يمكن أن يكون ملاذًا وسجنًا فى آن واحد.. حجرة معيشة كولين، وهى نسخة طبق الأصل من حجرة معيشة إلسي، لكنها مُزينة بشكل أكثر بساطة، تُعبّر كثيرًا عن هذه المرأة الوحيدة المُحطمة التى اعتبرها المجتمع مجهولة الهوية بعد وضعها فى دور الرعاية فى سن مبكرة، كولين تعيش على الإعانات..خلال النهار، تجلس بجسدها النحيل وعينيها الغائرتين على كرسى واحد موضوع أمام المنزل، بينما ساقاها مُباعدتان، وكتفيها مُنخفضتين، وفى الليل تُشارك سريرها مع كلبها "سابر" الضخم، تضع لافتة فوق وسادتها، كُتب عليها "الحب يكمن هنا"، وينتابنى حزن عميق على كولين؛ فمن يدرى كم كان الحبّ فى حياتها قليلًا، أما حين تتخلل الموسيقى التصويرية أحيانًا مشاهد باهتة مُقلقة صورت فى الضوء الطبيعى لمنزل إلسى، بممراته الفارغة، فأشعر ببرودة الوحدة التى تعيشها، حيث هذا كل ما تبقى لها فى حياتها.. يبدو الود بين المرأتين حقيقيًا، رغم الموسيقى التصويرية التى تتصاعد معها إيقاعات متقطعة تنذر بشؤم ما، خاصة وكما يبدو لنا أن حالة كولين النفسية ليست طبيعية تماما هكذا.. يلفّ الفيلم جوٌّ من الكآبة، يزداد تأثيره عندما تصرخ إلسى فجأةً على أحد مقدمى الرعاية: "ما اسمى؟ ألا تعرفين، أليس كذلك؟.. وهكذا ندرك الحالة المهينة للاحتياج والوحدة، فمن يراك فى أضعف حالاتك لا يعرف اسمك حتى، تماما كما احتياجك إلى وضع مكياجٍ هستيريٍّ على وجهك فى محاولةٍ يائسةٍ للشعور ولو قليلاً بتحسنٍ فى نفسك كما تفعل كولين.
الجزء الأول من الفيلم، الذى يُصوّر الصداقة، بطيء الإيقاع بعض الشيء، لكننا نُدرك أن الوضع غير مستقر، وأن الممثلتين الرائعتين المرشحتين للأوسكار تُساهمان فى إبقاء المشاهد مُشوقًة بأدائهما الاستثنائي، أما المخرج ويليامز فقد كان حكيمًا فى رؤية القوة بقدر ما كان ضعيفًا فى غرابة أطوار كلتا المرأتين - فتقلب كولين أحيانًا ما يكون ضروريًا لحماية إلسى الخجولة من تنمر مقدمى الرعايه، ويمكن لرقة إلسى أن تهدئ كولين - وفى الواقع، لو تُركتا لوحدهما، لربما كان بإمكانهما العيش بشكل جيد جنبًا إلى جنب، لكن الأمور تتعقد فى الثلث الاخير من الفيلم بزيارة جون "جيسون واتكينز"، ابن إلسى، الذى يظهر بدافع الالتزام أكثر من كونه عاطفة حقيقية تجاه والدته، ويُظهر كرهًا فوريًا لكولين وكلبها، من أول نظره يُبدى استياءه من وجودها فى مطبخ إلسىى، ويُحصى بصمت عدد البسكويت التى تستهلكها.. ولكن الأهم من ذلك كله، أنه يُعارض وجود الكلب حول أمه...
هذا الشعور الذى يحول الفيلم فى فصله الأخير إلى فيلم إثارة نفسية.. وبدلا من ان يكون فيلما يقدم حالة صداقه هادئة ولطيفة، أصبحنا بفضل لقطة رعبٍ مفاجئةٍ أمام فيلم رعب منزلى.. فالدم لا يُسفك إلا فى نهاية الفيلم.. أنه الفيلم بمثابة ناقوس خطر يدق حينما تتخلى الأنظمة والأشخاص عن الذين يُفترض بهم رعايتهم، أو النظر إلى ما يحدث عندما لا يحصل الناس على المساعدة التى يحتاجونها حقًا . مع ذلك، يتخذ السرد منعطفًا قاتمًا ويكاد يكون قاسيًا على عكس ما جاء سابقًا،على أية حال مهما كانت الرسالة التى كان فيلم "دراغون فلاى" او اليعسوب يريد ايصالها عن التواصل الإنسانى، وعن إخفاقات نظام الرعاية، وعن دور الأسرة الذى تلاشى - فإنها أى الرسالة باتت مشوشة فى النهاية، والتى تحطمت معها حياة كولين والسى بعدما أقدمت كولين على قتل "جون" انتقاما منه لأنه تسبب فى قتل كلبها ورفيقها الوحيد عن قصد، وهى نهاية يبدو أنها افتعلت لصدمة المشاهد أكثر من التأثير؛ فالمشاهد الأخيرة تحمل ثقلًا من اليأس، الفقد والموت ودار المسنيين ودار الايتام؛ وهى أسهل الحلول التى يتقبلها الناس، لكن المسفيدين الحقيقيين هم من يدفنون رؤوسهم فى الرمال لتجنب حل تلك المشكلة الاجتماعيه الأعمق.. والفيلم نفسه يُصوّر ببساطة بريطانيا على حافة الانهيار والوحدة، والرغبة الهشة فى التواصل الإنسانى، لا يقدم فيلم "اليعسوب" حلاً لهذه الأزمة، لكنه يُظهر بوضوح ما يحدث عندما نحاول حل المشكلات بتجاهل حقيقة الوضع.
نبضة مسافرة:
الوقت لليعاسيب والملائكة.. الأول يعيش قليلًا جدًا،والثانى يعيش طويلًا جدًا.. من رواية «الساعات الثلاث عشرة»
لـ «جيمس ثوربر»
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ما يجرى فى سوريا اليوم لم يعد حربًا تقليدية بقدر ما هو إعادة ترتيب معقدة لخرائط النفوذ ومحاولة تثبيت أمر...
أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...
لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...
عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا