نحو الحرية - صلح السويداء

فى  يوليو الماضى بدأت اشتباكات فى جنوب سوريا من خلال سلسلة من المواجهات المسلحة بين جماعات مسلحة درزية ومقاتلين من العشائر البدوية فى السويداء والقرى المحيطة بها، ثم امتدت إلى محافظة درعا المجاورة بعد تدخل قوات الحكومة   لفض الاشتباكات التى أسفرت عن  مئات الضحايا ونزوح داخلى واسع،

 جاءت هذه المواجهات نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى المحافظة، حيث يعانى السكان من نقص حاد فى الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إضافة إلى شعورهم بهشاشة سيطرة الدولة على الأرض؛ فى ضوء هذه الأوضاع تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مؤخرًا  برعاية دمشق والأردن والولايات المتحدة، نَّصَّ على وقف إطلاق النار فورًا، سحب بعض القوات، إطلاق المحتجزين، تسهيل إدخال المساعدات الإنسانية، وتعزيز المصالحة المجتمعية بين العشائر والفصائل المحلية.

 لعب الأردن دورًا حاسمًا كضامن للتهدئة للحفاظ على استقرار حدوده الجنوبية، كما دعمت الوساطة الدولية تثبيت الاتفاق، وجاء صلح السويداء  نتيجة ضغط شعبى محلى وتدهور اقتصادى دفع السلطات السورية للقبول بالحلول التفاوضية بدل الحل الأمنى الكامل، للحفاظ على استقرار المنطقة.

ولكن رغم  الاتفاق يبقى الوضع فى سوريا كارثيًا إذ يحتاج ملايين  المواطنين لمساعدات إنسانية عاجلة بينما تنهار الخدمات الأساسية، وترتفع معدلات الفقر والبطالة، وتفقد الليرة السورية قيمتها بشكل كبير، فيما يواصل ملايين السوريين النزوح داخليًا وخارجيًا بحثًا عن الأمن والمعيشة، وتواجه الدولة تحديات سياسية وأمنية ضخمة، مع استمرار انتشار الميليشيات والفصائل المسلحة، مما يزيد من هشاشة الدولة ويضعف قدرتها على فرض القانون.

للأسف الملف السورى أيضًا مسرح لتنافس قوى دولية وإقليمية   تسيطر على الكثير من المناطق، مما يزيد من تعقيد الأزمة ويضعف قدرة الدولة على الاستقرار، وفى الوقت نفسه، يبقى الجولان السورى المحتل منذ عام 1967 قضية مركزية فى الصراع؛ ففى ديسمبر 2024 قامت إسرائيل بتوسيع نطاق احتلالها للجولان، بما يشمل المنطقة العازلة، وأعلنت أنها لن تتراجع عن الأراضى المحتلة، ومستمرة فى إنشاء مستوطنات وقواعد عسكرية استراتيجية.

ومن هنا يتأكد أنه رغم أهمية اتفاق السويداء كخطوة محلية لتخفيف التوتر سيبقى حلًا مؤقتًا أمام أزمة وطنية معقدة تشمل انهيار الاقتصاد، هشاشة الدولة، والتدخلات الأجنبية، والاحتلال الإسرائيلي، وفى النهاية يظل المواطن السورى هو الخاسر الأكبر، مطالبًا بالعيش بكرامة وسط ظروف صعبة ومعقدة على كل المستويات.

 	هويدا عبد الوهاب

هويدا عبد الوهاب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

ما وراءَ المُسيّرَة .. كيف وُئِدَ الانفِجار قبْل أن يُولد..؟

لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...

في مئويّة الصّوت وستّينيّة الضّوء.. "ماسبيرُو" والبعثُ الرّقمي لذاكرة الأُمّة

للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...

رحيلٌ يُورث الوحشة

ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...

إعلام الخدمة العامة بين صناعة الوعي وتحقيق الأرباح

​في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد معركة الدول تقتصر على الاقتصاد أو التسليح، بل امتدت لتشمل معركة...