السعادة ممكنة - ضجيج الصمت

الحياة الزوجية مليئة بالصعاب التى يرتبط بعضها باختلاف الطبائع، وبالتالى بالأحكام التى يتعامل بها كل طرف مع الزواج فى ذاته كشىء مجرد، وكأن كل الأزواج بالنسبة له هم نموذج واحد لفكرة المرأة عن الزوج كما عرفته، وكل الزوجات هن حالة واحدة ليس إلا!!

 

وهذا النموذج وتلك الحالة غالبا ما يتكونان عند كل طرف نتاجا لخبرات حياتية قد تكون غير ناضجة، أو خلال متابعة عمل درامى ما بالتعاطف مع هذا البطل أو ذاك، وكلها بصفة عامة خبرات لا تعكس الصورة المثلى للعلاقة.

ويخسر الإنسان -رجلا كان أو امرأة- الكثير حين يستمر على فكرته الجامدة ولا يسعى إلى تغييرها وتظل كلمة (أنا كده) تتردد فى أرجاء المنزل وكأنها قانون عائلى من بند واحد لا يقبل الحذف أو الإضافة ولا يلجأ أصحابه إلى استئناف أو نقض.

ومع الوقت وبالتدريج ينعزل كل زوج مع فكرته، ويتوحد معها ويخبو صوت الاختلاف والخلاف ويخيم الصمت.

ولأن الصمت ليس له صوت، يخدعنا الهدوء، ونظنه استقرارا.

إلا أن تساقط المعانى الحلوة للعلاقة الواحدة تلو الأخرى، بعد أن عرف الشحوب طريقه إلى عواطف كل شريك نحو الآخر، يطرح التساؤل: لماذا غابت السعادة وخيم الحزن؟!

أقول: هل لاحظ أحدكم إن كان يسقى الزرع ويسعى إلى مهامه، مطمئنا لحديث النفس بأنه قام بعملية السقى كما ينبغى أن تكون؟! .. أو كان يسقيه ويبقى إلى جواره ينظفه ويرعاه ويعتنى به فى حب ومودة؟!

الفرق دائما مثير للدهشة.. نبت تداعبنا أوراقه بجمال ألوانها وصحة بنيانها، فتبعث فى نفوسنا الأمل والسعادة، وآخر تتساقط أوراقه وقد أصابها الذبول وباتت تقاوم الموت فى محاولة يائسة، فما الذى يعنى الزرع غير الماء؟!

هو نفسه ما يعنى العلاقة التى عكف طرفاها على أداء  مهامه كاملة فى صمت بات هو البطل فى مثل هذه الحياة.

وإذا كان الصمت قد ظل جزءا أصيلا من طباع الرجل العربى الذى يفضل أن يتحدث إلى أصدقائه وزملائه فى العمل، وما إن يدخل البيت إلا ويجعل من الصمت وسيلته وهدفه، فالحقيقة أن ذلك يعكس شكلا من أشكال الأنانية التى اشتهر بها الرجل، حيث تصور له نرجسيته العقلية أن على الزوجة ألا تحدثه إلا فى ما يحب ويريد على أساس أنه الأهم والأجدى، وإلا فالصمت هو فخ العقاب الذى تقع فيه بعض الزوجات، فى محاولة لأن ينأين بأنفسهن عن تهمة الثرثرة اللصيقة دائما بهن، كما يردن أن ينأين بأزواجهن بعيدا عن كل أسباب التعكير.

وغاب عن الزوجين، بل عن المجتمع العربى ذاته أن الحديث بهذا الشرط هو نوع آخر من الصمت.. صمت للمرأة التى تردد  كل ما يريده الزوج بينما تنأى بخواطرها بعيدا بعيدا.

ولذا فأنا أرفض بل وأخطئ النصيحة التى تدعو إليها كل المجتمعات العربية من أن على الزوجة أن تختار الحديث الذى يطرب له زوجها حتى يبادلها إياه وتضمن طول فترة الحوار. وأتعجب كيف يسمون ذلك حوارا؟، بينما الحوار أن يتكلم كل إنسان بما يجول فى خاطره دون شرط أو قيد.

كما عبر عن ذلك عالم الاجتماع الأمريكى «ألكسندر ماجون» حين قال: (إن الحب الحقيقى هو تلك العاطفة التى تملأ قلبى شخصين فيستطيع كل منهما أن يعبر فى ظلها عن نفسه الحقيقية، وأن يخلق مجالا عقليا وعاطفيا يضفى عليه السعادة، ويرتفع به إلى المستوى الذى يجعله ينتج ويبتكر أعمالا يعجز عن إنتاجها وابتكارها وحده)،

وعليه  فكل زوجين لابد أن يعزفا معا لحنا واحدا قائما على التغيير والتغير فى تبادل وتوافق، وتجاذب كالدورة الكاملة لـ(بدال البحر) الذى لا يجوز لأحد طرفيه أن يسبق الآخر أو يتأخر عنه، لأنهما إن لم يلتقيا فى منتصف الطريق، فهذا هو الصراع الذى يدور داخل كل طرف بين إجابات سالبة وأخرى موجبة عن الأسئلة نفسها!!  يحبنى؟ يبذل من أجلى؟ يسعى إليَّ؟ ...... تؤثرنى؟ تضحى من أجلى؟ إلى آخر تلك التساؤلات التى كثيرا ما يظل الأزواج عاكفين على ترديدها فى كهوف الصمت أملا فى إيجاد إجابات شافية لن تأتى أبدا.

وذلك يؤكد انتفاء إقامة أية علاقة مع الصمت، وأن الفرق واسع جدا بين -الصمت وما يعكسه من عزلة- والتفاهم الذى يتأكد مع الحوار الهادئ والفاعل فى الوقت ذاته.

فلنخرج بالعلاقة من أسر مملكة الصمت إلى بيت صغير يعرف حرية الاختلاف وعبقرية التعبير وأهمية التواصل وشمول الحب.

 	دعاء السنجري

دعاء السنجري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،

نحو الحرية - انكسار الأخلاق

هناك قاعدة مفادها أن المجتمعات لا تنهار أخلاقيا فجأة لكنها تفقد توازنها تدريجيا حين يتغير معيار الصواب والخطأ وحين يصبح...

بروح رياضية - افعلها يا كابتن جوهر

ماذا ننتظر من وزير الرياضة الجديد؟!.. سؤال يفرض نفسه مع كل  تعديل وزارى، لكن المؤكد أن الملفات عديدة والمشكلات كبيرة...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م