السعادة ممكنة - التكامل.. ميثاق الزواج السعيد

هل كل إنسان عاقل ناضج قادر عليه أن يتزوج، أم أن هناك سمات شخصية تمنع صاحبها من التعايش داخل علاقة كالزواج؟.

 

وهل نفس السمات لها أن تمنع صاحبها من التعايش عموما فى العلاقات المختلفة.. أى عليه أن يفرض على نفسه أو يفرض عليه أقرانه العزلة.. أم أن هذه السمات لا تقوى أو بالأصح لا تفعّل إلا داخل علاقة كالزواج؟!

الحقيقة.. نعم هناك عيوب شخصية لا تظهر إلا فى علاقة كالزواج وبمعنى أوضح هى تنمو بفعل وجود طرف آخر بدرجة زوج أو زوجة. حتى إننا نتوقف طويلا أمام بعض الشكاوى حول التصرفات غير المفهومة أو غير المألوفة التى تصدر عن الطرف الآخر، ودائما ما نسمع أحد الزوجين يؤكد أن الآخر يعانى عقدة ما تنعكس فقط على علاقته به،  فمتى يمكن أن يطلق الإنسان على شريكه (مريض نفسى)؟

وفى العلاقة الزوجية.. متى يلجأ الطرف الطبيعى إلى المتخصصين فى علم الإرشاد الزواجى؟ ومتى يذهب إلى العيادة النفسية؟

الحقيقة أن لكل إنسان سمات يختص بها دون غيره، فقد يكون أحد الزوجين شخصية نكدية، مكتئبا أغلب الأوقات، أو انطوائيا تماما، مشاعره فاترة علاقاته سطحية جدا، ليس لديه استعداد للمشاركة فى المناسبات الاجتماعية العامة منها أو حتى الخاصة، هذا الإنسان أكمل دراسته وربما تفوق على زملائه وأخذت حياته مسارات طبيعية بأن تزوج وأنجب وارتقى فى عمله، ولكن الشخص الملازم له فى علاقة مشاركة وتكامل كالزواج يلحظ أن له عيوبا جسيمة ترهقه كثيرا.

ولأن كل إنسان يحاول أن يدافع عن نفسه بميكانيزمات تبدو دفاعية تبرز كالأسلحة فى أوقات المواجهة تجد هذا الشخص رجلا كان أو امرأة وقد قويت لديه هذه السمات وتحولت إلى اضطرابات قد تصل إلى الشك والوسوسة وغيرهما.

والمثير للدهشة أن هذه العيوب وإن كانت سببا للطلاق فى كثير من الحالات إلا أنها تعتبر السبب الأول والمباشر فى ظهور أشكال الزواج المختلفة –وهو الأمر الأكثر خطورة- من الخرس الزوجى والطلاق الصامت وغيرهما.

فهل يجوز أن يُدرّب الإنسان على الزواج ككيان ديناميكى فاعل قائم على العطاء والبذل فى سبيل الأخذ والاحتواء والاكتفاء؟ وإن صح ذلك هل ينطبق الأمر نفسه على علاقات أخرى كالصداقة والإخوة والبنوة والأمومة والأبوة؟ فهذه العلاقات لا تنقضى بطلاق رسمى كعلاقة الزواج، وبالتالى ليست هناك أى إحصائيات ترصد وضعها فى مجتمعنا العربى؟ وهل يمكن أن تتطور الدراسات الاجتماعية النفسية لتقيس مدى نجاح العلاقات كلها وتخرج لنا بمقاييس نجاح أو فشل لها، أم أن العواطف والعلاقات التى تقوم عليها لا يمكن خضوعها لدراسات تقيس بدقة مدى نجاحها؟ خاصة أن الحب وحاجة الإنسان إلى الآخر على كل صوره (صديق، أخ، أخت، أم، أب،........) هو أصل كل تلك العلاقات؟ مما يدفعنا إلى تساؤل آخر ألا هو: كيف ينجح الفرد فى تسيير بعض هذه العلاقات وبلوغها الروعة والاكتفاء المرجو منها ويفشل فى الآخر؟، حيث نجد أحد الزوجين يشتكى من مثالية زوجه فى علاقاته مع أفراد عائلته أو مع أبنائه وجيرانه وأصدقائه واستعداده لبذل أقصى جهد فى سبيلهم، ولكن الطاقة نفسها معطلة تماما مع نصفه الآخر.

هل يعى هؤلاء ما يرتكبونه فى حق أنفسهم وحق شركائهم؟.. أم يأخذهم اللاوعى إلى تجاهله، لأن إدراكه سيكلفهم أن يغيروا ما بأنفسهم  وذلك عليهم عسير؟

وكيف يتأكد لكل من الزوجين –قبل الزواج-  أن الآخر ليس من أصحاب الطاقات المعطلة؟ خاصة وأننا لا نلتفت إلا للمريض صاحب الأعراض الموجبة  كالهلاوس السمعية والبصرية وماشابههما، بل إن المجتمع بكل هيئاته يقبل السلبيات ولا يجازى المتخاذلين المتباطئين، فنجدهم يتمتعون بكل حقوق العامل المجد من حوافز ومكافآت وترقيات. 

- وأخيرا هل يمكن أن تذهب بنا الرومانسية إلى ما ذهبت إليه مع الدكتور عادل صادق أستاذ الطب النفسى رحمه الله من أنه ليس على الإنسان أن يشترط من البداية سمات أو صفات إيجابية لشريكه، بل عليه أن يحب ويحب فقط، لأنه ما دام أحب فالمواصفات موجودة فى الشخص الذى أحبه وبالتالى تزوجه، لأنه  يؤكد على أن الأنانى لا يحب ولا البخيل، وكذلك النرجسى، وغير الناضج والمستهتر، وأن قلب كل منا سيهديه حتما إلى الآخر الذى سيواجه معه الحياة، وأن الإنسان المتوازن هو الذى لا يسقط أخطاءه على الآخرين، وكذلك هو الذى لا ينقد ولا يجرح ولا يسخر ولا يتهكم، إنما هو الذى يوجه بحب، ينصح بمودة يعاتب برقة، وهو الذى يكون حازما بعقله وقلبه، إنه الحزم فى مواجهة الشدائد والمواقف المفاجئة والأزمات والكوارث.

- ومن هنا أرى وأؤكد على  كل زوج رجلا كان أو امرأة استشعر سلوكا غير طبيعى يجعل شريكه لا يستطيع أداء وظائفه داخل الأسرة أو خارجها أن يلجأ للسؤال عما إذا كان ذلك يندرج تحت المرض النفسى أم أنها مشكلة اجتماعية بسيطة؟ وذلك بأن يكسرا حاجز الصمت بينهما ويتحسسا بلا حرج الطريق إلى الحل، وأخص بالقدر الأكبر من المسئولية الطرف الطبيعى والذى عليه العامل الأكبر وليس بالضرورة أن يكون ذلك عن طريق العيادة النفسية فقط بل عيادات الدفاع الاجتماعى التى تهتم بالمشكلات الأسرية عن طريق إخصائيين اجتماعيين ونفسيين.

وقد تبرز هنا أيضا الأهمية القصوى للإرشاد الزواجى وذلك منذ البداية وعند الاختيار على عكس ما هو متعارف من أهميته بعد الزواج، حيث يستطيع المحلل النفسى من خلال الاختبارات النفسية أن يحدد السمات الثابتة لكل طرف والتى تصاحبه طوال عمره ولا تستجيب لأى محاولات تغيير، وكذلك السمات الأخرى التى تخضع للتغيير وإعادة الصياغة، وبعدها يشرح لكل طرف بأمانة ذلك ويقدم له النصح فى كيفية التعامل مع تلك السمات مع التأكيد على استطاعة الاستمرار من عدمها، وإذا اختار الفرد الاستمرار.. والتغاضى عن بعض العيوب الشخصية أو حتى الأعراض المرضية يكون الاختيار على أساس هو أول طريق النجاح.

فالزواج ارتباط شخصين من أجل بناء مؤسسة اجتماعية وليست بالضرورة أن تكون سماتهم الشخصية متشابهة، وإنما الأفضل أن تكون تكميلية بمعنى أن الشخص الانطوائى الأفضل له وللعلاقة أن يرتبط بشخص اجتماعى...وهكذا.

وعليه فالسعادة ممكنة دائما وأبدا، ممكنة  ليست عن طريق الانسجام بين الطرفين الذى قد لا يصل إلى 100% وإنما بقدرة كل طرف على التكيف مع الآخر وإدراك نواقصه حتى وإن لم يستطع إكمالها.

 	دعاء السنجري

دعاء السنجري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،

نحو الحرية - انكسار الأخلاق

هناك قاعدة مفادها أن المجتمعات لا تنهار أخلاقيا فجأة لكنها تفقد توازنها تدريجيا حين يتغير معيار الصواب والخطأ وحين يصبح...

بروح رياضية - افعلها يا كابتن جوهر

ماذا ننتظر من وزير الرياضة الجديد؟!.. سؤال يفرض نفسه مع كل  تعديل وزارى، لكن المؤكد أن الملفات عديدة والمشكلات كبيرة...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م