باب الحرية-فى ذكرى يوم الشهيد ..تضحيات الأبطال تمهد الطريق لانتصارات الوطن

المصريون تعلموا فنون الصمود وتحدى الأزمات والثبات فى مواجهة المخاطر/ الفريق عبدالمنعم رياض كان مثالا حيا للمقاتل الذى وهب حياته فداء لبلده

لا أشك لحظة واحدة فى أن الجنرال الذهبى عبد المنعم رياض واحد من أهم قادتنا العسكريين فى العصر الحديث.. لا أشك فى تفانيه وإخلاصه ونبله ووطنيته.. سيبقى حاضرا فى ذاكرة المصريين قبل زملائه الذين عاصروه أو من تتلمذوا على يديه أو ممن التحقوا بعده بالجيش المصري.. لقد ضرب الجنرال الذهبى مثالا حيا للمقاتل الذى وهب حياته فداء للوطن.. مثالا للقائد الذى يتقدم صفوف جنوده فى ميدان القتال ولا يتركهم أبدا.. قصة استشهاده على الجبهة دليل على ذلك.. عندما حلت بنا نكسة  يونيو سنة 1967 وهو أمر لم يكن لأحد أن يتوقع أن يحدث بهذا الشكل.. النكسة التى أربكت المصريين والعرب.. لكنها أبدا لم تكسرهم ولم تنل من عزيمتهم .. مصر القوية حتى لو ظن البعض أنها ضعيفة، وجوهر الشعب المصرى يظهر جليا وقت الشدائد.. خاض مع الجيش وقتها معركة كبيرة من أجل استرداد الأرض ومعها العزة والكرامة.. خاض معركة شرسة من أجل استعادة الهيبة مرة أخرى .. لا تفكر أن تقترب من المصريين أو تحط من شأنهم ستجد ما لا يرضيك أبدا ..

كانت المعركة مصيرية لأنها معركة حقيقية .. وضع فيها المصريون ما يملكون وقبلها وهبوا أرواحهم لهذا البلد للفوز بالنصر.. بعد النكسة أعلنت مصر حرب الاستنزاف وهو المصطلح الذى أطلقه الرئيس جمال عبد الناصر.. حرب يخوضها الجميع ضد الصهاينة ألحقوا بهم خسائر رهيبة برا وجوا وبحرا.. كانت بطولات الجيش المصرى فى أزهى صورها .. فى كل معركة يبثون الرعب فى قلوب الصهاينة.. لقد رأوا وحوشا لا جنود.. كان عبد المنعم رياض من قادة هذه الحرب وأبطالها الذين مهدوا الأرض لنصر أكتوبر العظيم سنة 1973.. فى 9 مارس 1969 ذهب الجنرال الذهبى إلى الإسماعيلية .. وصل إلى موقع لا يبعد سوى 250 مترا عن موقع الصهاينة بالضفة الشرقية.. لم ينتظر التقارير عن الوضع هناك ولا تقدير الموقف وإنما ذهب بنفسه ليبقى بين جنوده ويتابع عن قرب  خطة تدمير خط بارليف.. وقتها كانت تسربت معلومات للعدو الإسرائيلى عن وجود الجنرال الذهبى فى هذا الموقع فتم إطلاق النيران ليسقط الجنرال شهيدا، ويخرج المصريون فى مشهد رهيب لوداعه .. لم يتلق جمال عبد الناصر عزاء عبد المنعم رياض وطلب من إبراهيم الرفاعى أن يأخذ بالثأر أولا ويأتيه بقتلة عبد المنعم رياض ، وذهب الرفاعى للثأر صحيح أنه لم يعد بالقتلة لكنه دك الموقع بمن فيه من الصهاينة الذين تجاوزت أعدادهم الأربعين تقريبا.. بعدها قام جمال عبد الناصر بتكريمه ومنحه وسام نجمة الشرف العسكرية أرفع وسام عسكرى فى  مصر وأصبح يوم 9 مارس هو يوم الشهيد لنحتفل كل سنة به تخليدا لذكرى الجنرال الذهبى وإجلالا له.. لقد كانت قصة استشهاد عبد المنعم رياض ملهمة للقادة والجنود .. زاد من حماسهم وشد من عزيمتهم وقاتلوا بشكل رهيب فأرهقوا العدو الذى ظل يصرخ ويطلب النجدة من الدول التى تحميه وترعاه وفى مقدمتها أمريكا.. نتج عنها هدنة سنة 1970 قبل بها جمال عبد الناصر من أجل رفع كفاءة الجيش المصرى واستكمال تسليحه.. ليتحقق لنا النصر فى اكتوبر73.. المعركة التى استرددنا فيها الروح قبل الأرض، وأعدنا فيها العزة والكرامة لنا وللعرب أجمعين.. المعركة التى كسرت أنف الصهاينة وأنهت أسطورة الجيش الذى لايقهر.. هؤلاء الصهاينة وغيرهم لا يعرفون عقيدة الجندى المصرى وإن كانوا قد اكتشفوها، لم يقدروا أنه لا يؤمن سوى بالنصر أو الشهادة وإن كان العالم كله قد وقف إجلالا له وتقديرا .. العقيدة التى هزمت كل الحسابات .. العقيدة التى هزمت كل أسلحة العدو الحديثة.. العقيدة التى هزت دولا كبرى كانت تساند إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة.. كانت تساندها بالمال والسلاح..  سعد الدين الشاذلى واحد أيضا من أهم القادة العسكريين فى العصر الحديث وهو من وضع خطة حرب أكتوبر سألوه ذات مرة عن حرب أكتوبر كيف حسمت لصالحنا رغم الفروق فى التسليح بيننا وبين الصهاينة فأجاب  إنها عقيدة الجندى المصرى وإرادته ..  هذه الحرب بالورقة والقلم لم نكن نفكر أو نجرؤ على خوضها.. فالأرقام تصب فى مصلحة إسرائيل من حيث نوع الأسلحة ومن حيث حداثتها.. الأسلحة التى كانت عائقا أمام الجيش المصرى لأن يرد على إسرائيل ما ألحقته بنا.. الدول الكبرى رفعت يدها عنها ومحاولة تسليح الجيش قبل أكتوبر كانت صعبة للغاية.. أمريكا لا ترى فى المنطقة سوى إسرائيل لا تريد لأى دولة أخرى أن تنهض أو تقوى شوكتها.. لا تريد  لدول أن تتفوق عسكريا عليها.. لم يكن المال فقط عائقا أمام شراء الأسلحة والمعدات.. فميزانية الدولة تم توجيهها بالكامل لتسليح الجيش.. المصريون أنفسهم وهبوا كل ما يملكون مقابل شراء الأسلحة.. تحملوا كل الإجراءات الاقتصادية استعدادا لحرب الكرامة والعزة.. الفنانون قدموا حفلاتهم من أجل المجهود الحربي.. المصريون وقت الشدة تجدهم على قلب رجل واحد.. وقت الشدة لا يفكرون سوى فى هذا الوطن وحماية الأرض والعرض.. وقت الشدة يجنبون الصراعات والاختلافات ويعلون فقط من شأن هذا الوطن وهو أحد أهم دروس هذه الحرب العظيمة.. الحرب التى وحدت بين المصريين .. لا فرق بين وزير وغفير.. لا فرق بين غنى وفقير.. دروس حرب الاستنزاف وأكتوبر كثيرة لكن أهمها وهو ما أدركناه حتى لو جاء متأخرا-.. أهمية أن نقوم بتحديث الجيش المصرى جوا وبحرا وبرا.. الأمر الذى كان يشغل الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ أن أصبح وزيرا للدفاع.. كان يرى التغيرات التى تجرى فى المنطقة.. كان يرى أطماع الدول الكبرى فى المنطقة وخيراتها .. كان يرى تربصها بكثير من دول المنطقة.. هناك دول استيقظنا فلم نعد نرى جيوشها.. جيوشها اختفت أو ضعفت نتيجة الصراعات الداخلية ونتيجة لدخولها فى صراعات مع دول أخرى .. فى أكتوبر 1973 تحقق العبور العظيم، ونحن هنا نحقق عبورا آخر.. بل ونخلق جيلا جديدا لأكتوبر.. جيلا يفخر بما تم من تحديث لجيشه.. جيلا على ثقة أن جيشه قادر الآن على خوض المعارك الكبرى إذا ما فرضت عليه.. جيش قادر على حماية الأرض والعرض.. جيلا سوف يسلم هذا الجيش لأجيال أخرى تطمئن لقوته.. تطمئن لحماية حدودنا البحرية والبرية والجوية.. تطمئن لحماية خيراتنا ومصالحنا فى البحرين الأحمر والأبيض المتوسط. لقد عقدنا عدة صفقات سلاح غاية فى الأهمية.. صفقات ثقيلة كنا حريصين فيها على تنويع مصادر السلاح حتى لا تتحكم فى مصيرنا دولة بعينها.. تمنحنا أو تمنع عنا حسب مزاجها الشخصي.. جيلا قادرا على أن يقول للصهاينة :»إذا عدتم عدنا».. جيلا جديدا يتحصن بجيش جرى تحديثه.. جيلا يعرف الآن كل شبر فى سيناء بالمعارك التى يخوضها مع التنظيمات الإرهابية والتيارات الدينية المتطرفة.. يعرف كل شبر فى سيناء بعد أن كان يجهلها تماما.. جيلا يمكنه أن يؤدب إسرائيل متى فكرت فى سيناء مرة أخرى .. نعرف جيدا أن سيناء هى حلمها لكنها لن تستطيع تدنيسها.. فالجندى المصرى  لا يعرف الهزيمة .. لو خسر جولة لا يستسلم ولا يرفع الراية البيضاء.. يستعد للجولة الثانية ليسحق عدوه.. ويلقنه درسا لا ينساه.. خسرنا الجولة الأولى ولم نستسلم.. قام الجيش المصرى بتقديم ملحمة بطولية طوال سنوات الاستنزاف.. ألحق بالعدو خسائر لا طاقة له بها.. لم يجعله يهنأ بما حققه فى الجولة الأولي.. لم يغمض له جفن.. 6سنوات والجندى المصرى ينتظر اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية، وقد جاءت فى 6 أكتوبر ليزيل الجيش ما علق بثوبنا من دنس.. ليثأر لكرامة العرب جميعا، ويعيد لنا سيادتنا مرة أخرى.. فعلها الجندى المصري.. الجندى الذى أقسم أن يموت فداء للوطن وللأرض العرض لا يمكنه أن يفر من الميدان دون أن يأتى بالنصر أو يفوز بالشهادة، وهو ما تحقق له ولنا.. هؤلاء من أخذوا لنا بالثأر من عدو يعمل ضد أمننا القومى ويهدده.. عدو يسعى لأن يلحق بنا الخراب.. عدو يمنى نفسه بأن يصحو من نومه فلا يرى الجيش المصري.. هو يعرف جيدا أنه لو قامت حرب فى المنطقة هو طرفها فلن يتصدى له سوى الجيش المصري.. كان يتمنى أن يتم القضاء على الجيش المصرى بعد ثورة 25 يناير وبأيدينا نحن.. تماما كما حدث فى دول عربية مجاورة.. كان يشعل النار ويزيد من الفتن ربما ينجر المصريون وراءها فينالون من جيشهم.. أؤمن بأن إسرائيل هى العدو الأول والأخير لن تتركنا فى حالنا مهما كان حلو الكلام.. ستظل تكيد لنا وتتربص بنا ولن تهنأ إلا إذا فازت بما تريد.. مصر هدفها وسيناء حلمها.. هى تسعى لتحقيقه ونحن قادرون على المواجهة إذا ما فرضت علينا.. أقول إذا فرضت فنحن جيش حماة لا غزاة.. إذا ما فكرت أحيلها إلى مشهد عظيم فى فيلم «الممر».. مشهد يجمع بين أحمد عز بطل الفيلم الذى يؤدى شخصية مقاتل فى الجيش المصرى وابنه الطفل على عما جرى أثناء النكسة.. مشهد يجب أن يراه كل أبنائنا ليعرفوا من هو عدونا الأول.. ليعرفوا كيف حققنا النصر.. قال لابنه «لو انت بتلعب ماتش وجه فيك جون بتعمل ايه».. ليرد علي»بانزل الشوط التانى واقطعهم» .. وبصوت عال يرد عليه والده»لسه الماتش ما خلصش»، وفى الشوط الثانى من المباراة نزل الجيش المصري» وقطعهم» ، وحتى الآن ما زالت المباراة مستمرة.

 	خالد حنفى

خالد حنفى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،

نحو الحرية - انكسار الأخلاق

هناك قاعدة مفادها أن المجتمعات لا تنهار أخلاقيا فجأة لكنها تفقد توازنها تدريجيا حين يتغير معيار الصواب والخطأ وحين يصبح...

بروح رياضية - افعلها يا كابتن جوهر

ماذا ننتظر من وزير الرياضة الجديد؟!.. سؤال يفرض نفسه مع كل  تعديل وزارى، لكن المؤكد أن الملفات عديدة والمشكلات كبيرة...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م