استمرت أوضاع المهجرين فى بلاد المهجر قاسية تمر بطيئة.. بطيئة، يشوبها احساس الفقد، والحنين للوطن الأم والأهل المشتتين فى ربوع مصر، فالتهجير أقسى ما يمكن أن يجابهه الإنسان فى حياته، هى رحلة ألم، من الصعب أن يترك الإنسان بيته قسرا تحت القصف،
ليرحل إلى معسكرات تهجير وعشش من الخوص والغاب، لا يعلم متى سيعود إلى بيته مرة أخرى، ناهيك عن شح الرزق، والحياة على إعانات الشئون الاجتماعية، قروش لا تسد جوع، ظروف الحياة نفسها تغيرت فى مناطق التهجير، بورسعيد المدينة الحلوة الهادئة النظيفة ذات الشوارع المستقيمة، والمبانى الحديثة، والليالى الحلوة، وساعات السمر على شط الكنال؛ ذهب كل شيء، ولم يبق فى عيوننا إلا الألم واليأس والحسرة، وشيء من الأمل أن نعود يوما الى بيتنا، ويجتمع شملنا بأبى الذى فضل البقاء فى بورسعيد ضمن عدد قليل من الناس ليجابهوا سير الحياة الطبيعية، والمرافق فى المدينة قدر الإمكان، ويكونوا بمثابة كتائب الدفاع الشعبى والمدني، لمواجهة أى عدوان قد يحدث على المدينة، والمساهمة فى الدفاع عنها خلف القوات المسلحة.
هكذا.. مرت الأيام الصعبة إلى أن كانت بداية عام ١٩٧٣، ومع زيارات ابى لنا فى رأس البر، خلال الشهور القليلة قبل6 أكتوبر، كان يحكى لنا عن تجارب الغارات الكثيرة على بورسعيد، وكيف أن الدولة مستغرقة تماما فى الإعداد للعمليات الحربية، فالقوات المسلحة اتخذت مواقعها داخل المدينة ومن حولها، والدفاع الشعبى يأخذ مواقعه من خلفها، والتدريبات العسكرية، وتدريبات الدفاع المدنى تسير على قدم وساق وبهمة كبيرة، والعمل على تلافى أى نقص، وتطوير ما يحتاج منها إلى تطوير، مع توفير المصادر الأساسية والبديلة للتغذية والمياه ـ التى كانت موجودة بصفة إحتياطية فى بحيرة مغلقة جنوب بورسعيد ـ فى بحيرة المنزلة لمجابهة انقطاع مصدر المياه الوحيد، وقد حدث ذلك بالفعل حينما ضربت اسرائيل جسر الترعة، فى محاولة مستميتة لقطع المياه عن المدينة، ولكن المهندسين المصريين والعمال المصريين ـ كما شرح أبى لنا وقتها بفخرـ أنهم بمهارة عالية أعادوا إصلاح الجسر، ولم يمكنوا العدو من تحقيق غرضه فى عملية فدائية رائعة!
كما قامت الدولة بإنشاء طريق بين بورسعيد ودمياط ليكون فى خدمة حركة النقل من وإلى المدينة، إلى جانب الطريق الأصلى بين بورسعيد والإسماعيلية، والذى كثيرا ما كان يتعرض لضربات من العدو، أبى حدثنا أيضا عن مخزون احتياطى من مختلف الأغذية لمجابهة احتياجات الموجودين ببورسعيد لمدد كافية، بحيث كان يتم تجديد هذا المخزون أولاً بأول بمعاونة الأجهزة التنفيذية والشعبية والقوات المسلحة من خلال "غرفة العمليات الرئيسية" بالمدينة، برئاسة المحافظ وقتها اللواء عبدالتواب هديب وعضوية أمين الاتحاد الاشتراكى وممثل القوات المسلحة والأجهزة المعنية ومدير الأمن، كل الاتجاهات تحقق الاستعداد الكامل، بأن تكون جاهزة تماما عند بداية العمليات الحربية.. يقول أبى الذى كان من ضمن المستبقين فى بورسعيد والذى كان هدفهم الوحيد استكمال تجهيزات المدينة، والاستعداد لملاقاة العدو الذى يحاول أن ينال منها، فقد كانوا جنودا على استعداد أن يلقوا الشهادة فى سبيل الدفاع عن بلدهم.
وفى ليلة جاء فيها أبى فى زيارة خاطفة لنا سمعته يقول لأمي: لو معبرناش بكره يا أم جمال، مش هانعبر أبداً، الجيش على أهبة الاستعداد، شوفت دبابات وعربيات كتيره منتشره فى كل مكان وأنا جاى فى الطريق، مش ممكن يكون ده تدريب، أنا سمعت أخبار مؤكدة بتقول إن قبل شهرين و تقريبا فى أواخر شهر أغسطس عقد الرئيس أنور السادات اجتماعا تاريخيا فى برج العرب، مع محافظى منطقة القناة الثلاثة وأعضاء الاتحاد الاشتراكى بها، للاطمئنان على كل ما يخص الاستعداد للمعركة، والتجهيز لها، وتم تصعيد كل ما يخص المعركة بالاستعداد إلى أقصى درجة بعد هذا الاجتماع مباشرة، لتلقى تعليمات المواجهة فى أى لحظة.
ودعنا أبى فى ذلك المساء، وخوف ما يسكن فى أعيننا جميعا ونفوسنا، وبالفعل فى ظهيرة اليوم التالى ٦ أكتوبر ١٩٧٣سمعنا الراديو بدأ فى إذاعة بيان بصوت المذيع صبرى سلامة، كان يتحدث فيه عن وجود مناوشات، وأن إسرائيل قصفت منطقة الزعفرانة!
ومع توالى البيانات كانت أمى تردد بصوت منخفض: هو ايه اللى بيحصل فى البلد؟ فيه حاجة مش مفهومة! إلى أن أذيع البيان الرابع وبدأ المذيع يقول: رداً على انتهاكات العدو واعتدائه علينا فى الزعفرانة؛ قامت القوات المسلحة المصرية بعبور قناة السويس فى قطاعات عديدة، وتم رفع العلم المصرى على القناة.. أمى صرخت بشكل هستيرى وهى تحتضنا: (الله أكبر)
مازلت أجوب شوارع راس البر التى عشنا فيها سنوات تهجيرنا العجاف السبع، يسألنى ابني: وكيف كانت لحظة العبور؟
ـ يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣، كان يوما غير أى يوم، يوم غير حياة الأمة العربية كلها، وبالنسبة لنا كان بداية تحقيق الحلم والعودة إلى بلدنا بورسعيد، ففى الثانية ظهرا من ذلك اليوم، بدأت معركة النصر، المستبقين فى بورسعيد ومنهم أبي، بدأوا يسمعوا طلقات المدفعية المصرية تدق خط بارليف وتحطمه، والطائرات المصرية تعبر من فوق المدينة، متجهة إلى قلب سيناء المصرية، تحطم حصون العدو ومواقعه، فى حين كانت القطع البحرية للقوات المصرية تنطلق إلى عرض البحر، لتضرب مواقع العدو على شاطئه فى سيناء، وفى تلك الأثناء حدث الحدث الجلل: عبر الجندى المصرى "محمد أفندي" ليصل إلى المنطقة الشرقية للقناة، ليرتفع الهتاف عالياً "الله أكبر.. الله أكبر".. وبذلك عادت الأرض إلى حضن أمها مصر، فى انتصار عظيم، يظل التاريخ يسجله إلى الأبد.
وهكذا مر اليوم الأول، ونحن نتابع أخبار هذه الملحمة الكبيرة بفخر وفرحة لا مثيل لهما، الزغاريد علت فى البيوت، كل المهجرين نزلوا إلى الشوارع يغنون ويرقصون احتفالا بالنصر، لم ينم أحد فى المدينة حتى صباح اليوم التالى ٧ أكتوبر، ظللنا نتابع معركة قوية فى "رأس العش" كان يقودها العميد صلاح عبدالحليم، حتى سقط هذا الموقع الحصين، وفى بورسعيد أتوا بالأسرى الإسرائيليين إلى موقع داخل المدينة وسط تهليل وهتاف المستبقين لمصر وللقوات المسلحة.
لكن إسرائيل لم تسكت..(كما ورد فى شهاده اللواء سامى خضير المحافظ الأسبق لبورسعيد فى كتاب مواطنون فضلوا البقاء تأليف أحمد هيكل).. حاولت أن تنال من صمود شعب وجيش بورسعيد فى اليوم التالى ٨ أكتوبر، فخرجت طائراتها الساعة ٥.٢٠ مساءً، لتضرب الأهداف المدنية، حتى أنها ضربت أهدافا فى شارع الجمهورية وبورفؤاد، فى محاولة للتأثير على الروح المعنوية للشعب، ولكن ذلك زاد عزيمة وصمود الشعب والجيش قوة.. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل إن العدو حاول ضرب الأهداف المدنية مرة أخرى بإلقاء فوانيسه المضيئة ليلا، فأصاب "مستشفى الدليفارنت" والمنطقة المحيطة بها، وسقط عدد كبير من الشهداء، واستمرت محاولات إسرائيل فأخذت تضرب مواسير المياه، ولكن الشعب البورسعيدى الذى سبق ولقن العدو درسا لا ينسى فى ١٩٥٦ كان لا يستسلم أبدا، فأثناء الغارة، تتوجه فرق الإصلاح فى فدائية كاملة لإصلاح ما أفسده العدو، إسرائيل تضرب مواقع توليد الكهرباء؛ فيتوجه العمال للإصلاح دون خوف من قنابل العدو، إسرائيل تضرب خطوط التلفونات؛ فيتوجه العمال للإصلاح فى بطولة ووطنية.
هكذا..لم تتوقف الحياة على الرغم من القصف، ولم يتأثر الناس معنويا بهذا الاعتداء الغاشم على المدنيين والبنية التحتية فى مدن القناة.. كانت ملحمة من البطولة والفدائية.. وللحديث بقية.
نبضة مسافرة
لبعض الذكريات قوة الحقيقة المعاشة.. وهى أكثر واقعية من كل ما يمكن أن يحدث لنا ثانية "ويلا كاثر"
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...
ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...
فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...
(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...