باب الحرية - أكتوبـر.. حكايـة وطن

السيسى كان يدرك حجم التحديات وسارع فى تنفيذ خطة الإصلاح وراهن على إرادة المصريين لعبور الأزمات / الرئيس حدد بدقة الأموال المطلوبة لاستعادة عافية الدولة وتهيئة البنية التحتية لتحسين فرصة الاستثمار / السيسى عرف مبكراً طبيعة المشكلات المصرية المزمنة.. وانتصر لإرادة الشعب / الجيش المصرى أخرس المشككين الذين كانوا يروجون أن الإرهاب لن ينتهى من سيناء

50 سنة مرت على نصر أكتوبر العظيم.. 50 سنة تقول للعالم كله كيف انتصر المصريون ولقنوا عدونا الأول درساً لن ينسوه أبداً.. 50 سنة وما زال العالم يقف أمام هذه الحرب احتراماً وتقديراً.. يقوم بدراستها حتى اليوم ليرى قدرة المصريين الفريدة فى تجاوز المحن.. فى مقدمتها بالطبع إسرائيل التى بدأت تفرج عن وثائق لأول مرة عن هذه الحرب.. تفرج عنها لتتعلم من أخطائها.. أهم ما توقفوا عنده هى إرادة المصريين.. الإرادة التى تقول القول الفصل وقت الأزمات.. المصريون تعرضوا لضربة قاسية فى يونيو 67.. ضربة لم تكسرهم بل زادتهم قوة.. زادتهم إصراراً على رد الضربة بأحسن منها.. نسى الجميع خلافاته.. توقفوا عن التناحر، والتفوا حول الجيش العظيم لينجح فى مهمته.. تبرعوا بالمال والذهب وقدموا أبناءهم أيضاً.. فى كل قرية هناك شهيد إن لم يكن فى كل بيت.. لقد غسلنا فى هذا اليوم العظيم ما علق بثوبنا من دنس.. فيه قام خير الأجناد بتحرير الروح والأرض.. ألحقوا بالصهاينة هزيمة مذلة أنهت ما كانوا يصدعون به العالم كله وطوال 25 سنة سبقت حرب أكتوبر بأن إسرائيل لا تقهر، وأن جيشها قادر على سحق العرب جميعاً وفى وقت قياسى لو أرادت.

كانت إسرائيل تظن أنها محصنة؛ لا يمكن لنا أن نمسها بسوء أو نفكر فى استرداد الأرض التى اغتصبتها.. كانت تظن أن خط بارليف الحصين كفيل بحمايتها وأن كل من يقترب منه لن يجد سوى الموت.. كانت تظن أن معداتها العسكرية الحديثة ستحسم أى مواجهة مع مصر إذا ما فكرت فى الاقتراب منها.. لا تعرف إسرائيل وغيرها من الدول الكبرى الكارهة لنا أن الجندى المصرى يمكنه أن يخسر جولة لكنه لا يستسلم.. سريعاً ما ينفض غبار الخسارة ليستعد لجولة جديدة يحقق فيها ما يريد.. الجندى الذى أقسم أن يموت فداءً للوطن وللأرض - العرض لا يمكنه أن يفر من الميدان دون أن يأتى بالنصر أو يفوز بالشهادة، وهو ما تحقق له ولنا.. هؤلاء من أخذوا لنا بالثأر من عدو يعمل ضد أمننا القومى ويهدده.. عدو يسعى لأن يلحق بنا الخراب.. عدو يمنّى نفسه كثيراً أن يرى الجيش المصرى مثل بقية بعض الجيوش العربية وما لحق بها من تدمير.. الصهاينة يكيدون لنا دائماً.. لا يمكن أن نأمن جانبهم مهما قدموا لنا ومهما قالوا كلاماً معسولاً فى حقنا.. لا يمكن أن نطمئن إلى أنهم لن يقتربوا من حدودنا ولن يفكروا فيها مرة أخرى فهو الحلم الأكبر الذى يحكم كل قادتهم.. الحلم بدولة من النيل إلى الفرات.

لقد كانت أزمتنا الكبرى بعد نكسة يونيو 67 كيف نحصل على السلاح.. فى هذا الوقت لا أحد يريد لنا - خاصة أمريكا - أن نمتلك سلاحاً نحرر فيه الأرض.. لا أحد يريد لنا أن نتساوى على الأقل مع إسرائيل فى عدد الأسلحة وحداثتها لا أن نسبقها.. بالورق والقلم ما كان لنا أن ندخل هذه الحرب؛ فكل الإحصائيات تصب فى مصلحة إسرائيل.. لكن الجميع نسى إرادة المصريين ونسى عقيدة جنودنا وأبطالنا.. كان التسليح أزمتنا الكبرى، وهو الأمر الذى فطن له الرئيس عبدالفتاح السيسى حتى قبل أن يصبح رئيساً لمصر.. كان همه الأكبر أن يصل بالجيش المصرى للمراكز الأولى بين جيوش العالم، وهو ما تحقق له.. قام بتنويع مصادر السلاح.. لم يكتف بدولة بعينها حتى لا تحرمنا إذا ما اختلفنا معها.. الآن يمكنك أن تشترى من أى دولة تريدها.. يمكنك أن تحصل على أى سلاح تريده.. فعلها الرئيس السيسى فى وقت نرى فيه كثيراً من جيوش المنطقة وقد اختفت.. فعلها وهو يعرف حجم التربص بالمنطقة.. كان الرئيس حريصاً على أن يعيد التسليح ويدعم قواته الجوية والبحرية والبرية بأحدث المعدات والأسلحة، وهو الأمر الذى أزعج كثيراً من الدول المجاورة.. الدول التى تعرف جيداً أنه لو أعلنت إسرائيل الحرب فلن يتصدى لها سوى الجيش المصرى الذى قفز فى الفترة الأخيرة ليحتل مركزاً متقدماً بين جيوش العالم ولم يكتف بأن يكون الجيش الأول عربياً وأفريقياً.

لقد تعاقدت مصر على شراء 3 حاملات طائرات «الميسترال» واحدة تحمل اسم الزعيم جمال عبدالناصر وأخرى تحمل اسم الرئيس أنور السادات.. قمنا بشرائها للمساعدة فى الحرب التى يخوضها الجيش المصرى فى سيناء ضد المتطرفين والتنظيمات الإرهابية ومحاصرتهم بحراً.. اشتريناها لتأمين حدودنا البحرية وتأمين حقول الغاز فى البحر المتوسط والمضايق والأهداف الحيوية خارج حدودنا.. اشتريناها حماية لمصالحنا جنوباً عند باب المندب، سواء كانت فى دول منابع النيل أو مساعدة التحالف العربى.. لقد رأينا فى الأيام الماضية الميسترال وهى تقوم بأول مهمة وطنية عربية لها.. أبحرت إلى ليبيا لمساعدة أشقائنا فيما ألمّ بهم من كوارث.. لقد انزعجت إسرائيل مما قمنا به فسعت هى الأخرى لتملك الميسترال وطلبتها من أمريكا.. فإمكانيات الميسترال لا حصر لها.. يتغزل الخبراء العسكريون فى إمكانياتها الهجومية والدفاعية.. مزودة بأحدث الرادارات التى يمكنها الكشف عن الأهداف والتعامل معها عبر مسافات بعيدة.. مزودة برادار ملاحى متطور وهوائى اتصالات مع الأقمار الصناعية ورادار جو أرض.. مزودة ببرج للطيران وبرج للقيادة على مساحة تقترب من الألف متر مربع.. لديها القدرة على حمل 16 مروحية كاملة التسليح، و70 مدرعة، ويصل عدد الطاقم الخاص بها إلى 180 شخصاً و450 راكباً قد يصل عددهم إلى 900 راكب فى الحالات القصوى.. طولها 199 متراً وعرضها 32 متراً ووزنها حوالى 22 ألف طن.. هذه الخطوات من شأنها أن ترفع تصنيف الجيش على المستوى العالمى لذلك لم يكن غريباً أن تنوع مصر من مصادر السلاح حتى لا تكون تحت رحمة دولة بعينها تمنحها ما تسمح به فقط لا ما نريده.. بالتأكيد أمريكا لن تمنحنا ما نحقق به تفوقاً عسكرياً على إسرائيل، وهو جعلنا نتجه إلى روسيا ونعقد معها صفقات لشراء أسلحة متنوعة ما بين هجومية ودفاعية أهمها طائرات الميج 29 إم وميج 35 وصواريخ s300 ومقاتلات سو 30 وزوارق صواريخ وقاذفات آ ربى جى ودبابات.. اتجهنا إلى فرنسا وعقدنا معها أخطر الصفقات وأقواها.. الفرقاطة البحرية فريم والتى حملت اسم «تحيا مصر» ودخلت الخدمة فى أغسطس الماضى، وإمكانياتها ضخمة جداً، فهى مضادة للغواصات والسفن والطائرات ومزودة بمهبط للمروحيات وصواريخ أرض جو وصواريخ مضادة للسفن بالإضافة إلى 19 طوربيداًَ و4 رشاشات وهناك اتفاق لبناء وتصنيع 4 فرقاطات جديدة، أيضاً هناك الصفقة الأهم وهى الاتفاق على 24 طائرة رافال تسلمنا 6 منها، والرافال أنهت أسطورة طائرة الـ «إف 16» الأمريكية.. التنوع فى مصادر السلاح يزعج كثيراً من الدول، وانزعاجهم لا يعنينا.. فمع كل قطعة سلاح تدخل الخدمة فى الجيش نزداد ثقة بأنفسنا.. نزداد ثقة فى أن الذى حمى هذا البلد واسترد الأراضى المغتصبة لن يسمح بأن يجعلنا نتذوق مرارة هزيمة أخرى.. هذا الجيش لن يفرط فى حبة رمل ارتوت بدماء الشهداء، وهذا الشعب العظيم لن يبخل بتضحياته أبداً متى احتاجه هذا الوطن، وتضحيات الشعب فى العصر الحديث لا حصر لها.. التف حول جيشه بعد ثورة 23 يوليو وتحمّل طوال السنوات التى تلتها الكثير.. كان من بين المعارك التى خاضها مع الجيش.. معركة تأميم القناة وبناء السد العالى وما وقع بعدها من عدوان ثلاثى على مصر راح ضحيته الكثير من أبناء الشعب.. منهم من استشهد ومنهم من جرى تهجيره من بلده التى ولد فيها وعاش.. دفعوا الثمن راضين من أجل بناء بلدهم واستمراراً لمقاومة الأعداء، وكان تجلّى الشعب واضحاً أكثر بعد وقوع نكسة يونيو 67 وطوال حرب الاستنزاف..

المصريون وهبوا كل ما يملكون مقابل شراء الأسلحة.. تحملوا كل الإجراءات الاقتصادية استعداداً لحرب الكرامة والعزة.. الفنانون قدموا حفلاتهم من أجل المجهود الحربى.. المصريون وقت الشدة تجدهم على قلب رجل واحد.. وقت الشدة لا يفكرون سوى فى هذا الوطن وحماية الأرض والعِرض.. وقت الشدة يجنبون الصراعات والاختلافات ويعلون فقط من شأن هذا الوطن؛ وهو أحد أهم دروس هذه الحرب العظيمة.. الحرب التى وحّدت بين المصريين.. لا فرق بين وزير وغفير.. لا فرق بين غنى وفقير.. تحملوا حتى تحقق النصر العظيم، ومرت السنوات حتى جاءت ثورة 25 يناير.. هنا انحاز الجيش للذين خرجوا وكأنه يرد للمصريين ما قدموه من قبل، ومرت البلاد بمرحلة انتقالية صعبة جداً.. مرحلة لم تخلُ من تناحر شديد ومن دماء تجرى فى كل مكان ومن صراع على مكاسب سياسية سواء كانت مكاسب فردية أو مكاسب تخص كيانات وأحزاباً وغيرها، وأجريت انتخابات وجاءت جماعة الإخوان لتحكم مصر فى سنة كبيسة شهدت أحداث عنف وتخوين وإقصاء وتكفير، وأصبح أمننا القومى فى خطر، وهنا خرج غالبية المصريين على الجماعة فى مشاهد كثيرة وصلت لذروتها فى 30 يونيو وعاد الجيش مرة أخرى وانحاز للمصريين، ولولا هذا الانحياز ما تحقق لهم ما أرادوه.. لولا الجيش وقياداته ما تركت الجماعة كرسى الحكم «دونها الرقاب».. لو فشلت 30 يونيو لكان الرئيس عبدالفتاح السيسى - وقتها كان فريقاً ووزيراً للدفاع- أول من سيدفع الثمن ومن بعده رفاقه من قادة الجيش العظيم.. فى هذه الفترة تحمّل الرئيس السيسى ما لم يتحمله أحد من قبله.. قام خيرت الشاطر بتهديده وتهديد المصريين وأن شوارع مصر ستكون أنهاراً من دم بـ 300 ألف (جهادي) إذا ما فكر وانحاز للمصريين، ورد عليه الرئيس تهديده بتهديد، وغضبه بغضب أشد، ولم يثنه الشاطر ولا جماعته عن انحيازه للمصريين حتى تحقق لهم ما أرادوه.. هو نفس التهديد الذى تلقاه المشير طنطاوى من الشاطر وجماعته أثناء الانتخابات الرئاسية التى جرت بعد 25 يناير وهو تهديد جنوا ثماره بالفوز بكرسى الرئاسة، لكن الرئيس السيسى لم يفعل ذلك ولو أراد لنفسه شيئاً لكان له ما يريد.. هو فقط انحاز للمصريين.. ونجحت ثورة 30 يونيو وأصبح السيسى بطلاً شعبياً لأنه مكّن المصريين من الخلاص.. سنة هى مدة المرحلة الانتقالية بعد الثورة أصبح فيها القاضى الجليل المستشار عدلى منصور رئيسا للبلاد، ولم يكن السيسى وقتها يريد شيئاً.. حتى طالبه المصريون بأن يترشح للرئاسة.. خرجوا فى مشاهد كثيرة يضغطون عليه للترشح.. أذكر هنا ما كنت شاهداً عليه.. إحدى الجامعات الخاصة أقامت حفلاً كبيراً - لم يذع حتى الآن - دعماً للجيش فى السنة الانتقالية التى حكمنا فيها المستشار الجليل عدلى منصور، كان هناك عرض مسرحى عن المقاتل البطل إبراهيم الرفاعى شارك فيه نجوم كبار وغنى فيه مطربون ومطربات وكان الفريق عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع وقتها هو نجم الحفل.. ما إن دخل القاعة حتى ضجت بالتصفيق والتهليل تثميناً لدور الجيش العظيم بانحيازه للشعب والإطاحة بحكم الجماعة.. بدا على الرئيس وقتها حجم الضغوط، خاصة الدولية.. ارتفعت الأصوات.. طلاب وإعلاميون وأساتذة جامعات وشخصيات سياسية وغيرها تطالب الرئيس بالترشح للرئاسة لكنه قال لنا: «المشكلة مش فى رئيس ولا رئيس حكومة.. المشكلة ما فيش حد قدر يشخّص هموم المصريين.. لن تجد كثيراً يدرك ما أُدركه.. المشكلات الموجودة أكبر من مصر.. مشكلات لا حصر لها.. أنا مستعد أمشى وما آكلشى بس حال البلد يمشى.. لكن التحديات كبيرة.. هناك من يقول الحق فى قطار اتحرق أو عمل حادثة وهو ما يعرفش أن المرفق محتاج 150 مليار جنيه.. عندنا من 2 إلى 3 ملايين طفل شوارع حنعمل فيهم إيه.. عدد السكان فى تزايد وإحنا السنة دى فى انتظار 2 مليون طفل.. إحنا محتاجين 45 ألف فصل دراسى محتاجين تريليون جنيه بما فيها مرتبات المدرسين الغلابة.. إحنا بنصرف 53 مليار على دا بس، ودا معناه إحنا محتاجين لـ100 مليار دولار لتوفير فرص العمل.. انتوا عارفين الديون اللى علينا علشان نتخلص منها محتاجين نوفر من 90 إلى 100 مليار جنيه فى السنة ولمدة 20 سنة.. ها عايزين تيجوا معايا دا أنا قصة».. أذكر هنا أن الفنانة الكبيرة صابرين قالت «اترشح بس يافندم وإحنا معاك مستعدين للتبرع».. رد عليها: «حضرتك حتقدرى تتبرعى لمدة 10 سنوات».. ما قاله الفريق السيسى وقتها يؤكد وضوحه التام، لو هناك أحد غيره يريد كرسى الحكم ما قال هذا الكلام.. كثيرون يعرفون أن من يخوض أى انتخابات يطلق الوعود حتى لو لم يحققها.. أحدثكم عن هذه الفترة العصيبة التى لم ولن ننساها لأنها لحظات فارقة فى حياتنا بل قُل لحظات مصيرية ترتبط بوجودنا وهويتنا، وترشح السيسى وخاض المعركة أمامه حمدين صباحى.

وقتها لم يكن لأحد أن يشك فى فوز السيسى فى أول انتخابات.. كان رهان الجميع وقتها على الأصوات التى سيحصل عليها.. كان رهانهم على أعداد الذين سيخرجون فى أيام الانتخابات.. هناك من أمل فى أن يكون الخروج يليق خاصة بعد الإطاحة بحكم الجماعة الفاشية.. وقتها كانت الدول الغربية تفتش فى كل تحركاتنا.. ترصدها عن قرب أملاً فى اصطياد ما ترهقنا به وتضعنا فى ورطة، وكان لا بد من الرد عليها فى هذه الانتخابات لنقول لها إن غالبية المصريين الذين خرجوا فى ثورة 30 يونيو لا يمكن لهم أن يعودوا إلى الوراء.. لا يمكن أن يرضخوا لتهديدات الجماعة وإرهابها من قبل المنتمين لها والمتعاطفين معها.. لا يمكن للمصريين أن يرتضوا بضغوط هذه الدول مهما كانت قراراتها أو بعض التقارير المشبوهة لمؤسساتها.. كان رد المصريين وقتها على الجماعات المتطرفة والدول المتربصة قوياً.. خرجوا وانتصروا للدولة قبل أن ينتصروا للسيسى، وطوال السنوات الماضية اكتشفنا وبالتجربة أن هذه الدول لا تريد الخير لنا.. تأكد لنا كراهيتها الشديدة لنا، وأنها تمنّى نفسها أن تستيقظ فلا تجد مصر على خريطة المنطقة.. مصر عمود الخيمة إذا ما تأثر انهارت باقى الدول ببساطة شديدة.. اكتشفنا أن رؤساء هذه الدول منهم من يتغزل فينا ليل نهار وعبر وسائل التواصل الاجتماعى أو حتى فى حواراتهم لكنهم، وبعيداً عن المعلن، يتركون مؤسساتهم تنهش فى جسد الدول.. التجربة تقول إنه يجب علينا أن نتعامل مع مثل هذه الدول بنفس المنطق.. علينا ألا نرتمى فى أحضانهم ونصدق ما يقولونه ونتعامل معه بجدية.. كل دولة حسب ما تقدمه لنا من دعم أو تأييد.. كل دولة حسب إخلاصها وإيمانها بنا.. ما أقوله لا يعنى الدعوة لمقاطعة مثل هذه الدولة.. يعنى أننا لا نعطيها أكبر من حجمها.. خاصة مع إيماننا بأنها تُعلى من شأن مصلحتها الشخصية وتقدمها فوق كل اعتبار.. مصلحتها هى من تحكمها لا البروتوكولات ولا المعاهدات الورقية ولا حتى الكلام المعسول المتبادل.

كان التحدى الأكبر للرئيس السيسى بعد وصوله للحكم كيفية القضاء على الإرهاب الذى يحاصرنا من الشرق للغرب ومن الجنوب للشمال حتى وصل إلى قلب القاهرة بعد ثورة 30 يونيو.. كانت حرباً ضروساً وكان لا يمر يوم إلا وتقع عملية إرهابية هنا أو هناك وكان النصيب الأكبر فى سيناء.. خاصة أنها وبعد ثورة 25 يناير أصبحت قبلة للإرهابيين من كل دول العالم.. زادت الأسلحة بشكل مبالغ فيها.. جرى تهريبها عبر حدودنا الغربية والجنوبية والشرقية.. دخلت الأسلحة الليبية بشكل مكثف بعد سقوط نظام معمر القذافى.. تحولت سيناء من أرض الفيروز لأرض الإرهاب.. جاءها المتطرفون من كل فج عميق لإقامة دولتهم.. جاءوا ليخدموا دولاً أجنبية تتربص بنا وتحلم بأن تستيقظ من نومها فلا تجدنا.. هؤلاء الإرهابيون وجدوا حريتهم الكاملة بعد ثورة 25 يناير.. جعلوا منها مركزاً رئيسياً لأنشطتهم الإرهابية.. يملكون من الأسلحة الحديثة ما تملكه الجيوش النظامية.. يملكون مضادات للطائرات والدبابات ومدافع الجرينوف.. أسلحة يتم تهريبها من إسرائيل عبر الأنفاق الممتدة بين غزة ورفح المصرية.. أسلحة تأتيهم من السودان عبر البحر الأحمر، ومن ليبيا عبر الطرق الجبلية.. الانفلات الأمنى بعد الثورة مكّنهم من أن يجلبوا الأسلحة وهم مطمئنون.. ثم جاء محمد مرسى للحكم فمنحهم الفرصة كاملة.. مكّنهم من التدريب على استخدامها بعيداً عن المراقبة والملاحقة الأمنية.. بل أفرج عن عدد كبير منهم ذهبوا إلى هناك يهددوننا بإقامة إمارة إسلامية.. وقتها لم يكن أى إرهابى يخاف من أى جهة.. كان يهدد ويتوعد لأنه يعرف جيداً أنه بعيد عن الملاحقة الأمنية.. بعيد عن أن يمسه ضرر.. تراخى الدولة فى التعامل معهم منحهم الجرأة لأن يخرجوا ألسنتهم لنا ويرفعوا سلاحهم فى وجوهنا.. وقتها قلنا وقال غيرنا إن تراخى الدولة فى حماية سيناء وفرض سيطرتها الكاملة عليها قد يذهب بمصر إلى الجحيم، وها نحن نجنى ثمار التراخى والإهمال.

العمليات ضد الجيش والشرطة زادت فى سيناء.. جماعة الإخوان أعلنت شرارة حرق مصر من على منصة رابعة العدوية.. وأبناء التنظيمات الإرهابية التقطوا الإشارة وبدأوا فى التنفيذ.. بدأوا يردون الجميل لمن كانوا يمنحونهم الحرية الكاملة والدعم الكامل.. هى الجماعة التى كانت تتربص بالجيش وما زالت.. الجماعة التى لم تعد تخفى شعورها مع كل عملية إرهابية تستهدف الجنود والضباط والمنشآت.. الجماعة التى تحاول التلسين على ما يقوم به الجيش فى سيناء بتحريض الأهالى والتشكيك فى نوايا الجيش بحربه على الإرهاب.. الجماعة وأنصارها يقولون إنها ليست حرباً على الإرهاب وإنما حرب على سيناء، وأن الجيش يقوم بهذه العملية خدمة لإسرائيل.. الجماعة تعلم جيداً أن ما كان يتم فى سيناء أثناء حكمها كان وبحق خدمة جليلة لإسرائيل.. ما كانت تفعله كانت إسرائيل تنوى استثماره بتوجيه ضربة استباقية لمصر فى سيناء بزعم تهديد التنظيمات الإرهابية لها.. دعنا هنا نتذكر ما قاله باراك وقتها وفى ظل وجود جماعة الإخوان فى الحكم وبعد مجزرة رفح التى راح ضحيتها 16 من جنودنا وضباطنا.. قال: «الإرهاب سيضيع سيناء من مصر ونحن من سيقوم بمكافحة الإرهاب».. هذا ما كانت تريده إسرائيل.. دعك من خوفها على مصر فهو لا محل له ولا وجود أصلاً.. ركز فقط فى «نحن من يقوم بمكافحة الإرهاب».. سعت إسرائيل لأن تصور للعالم وقتها أنها مهددة وأنها تخاف على أمنها من وجود التنظيمات الإرهابية والمسلحين.. كانت تريد ذلك وقتها لعل وعسى تقوم بتعديل بنود معاهدة كامب ديفيد وإضافة شروط تعجيزية تغل يد مصر عن حماية حدودها بالطريقة التى تراها، ولو استمر الإخوان أكثر من السنة التى حكموا فيها لمكّنوا العدو الصهيونى من تحقيق هدفه وتحقيق حلمه بالدولة الكبرى من النيل للفرات.. حرب الجيش على الإرهاب يحطم حلم إسرائيل فى سيناء.. حرب الجيش تحمى هذا البلد لا تهدده كما يروج الإخوان وأنصارهم من التيارات الدينية المتطرفة.. الجماعة وأنصارها يواصلون التحريض على الجيش ويروجون لحكايات قديمة من أيام نظام مبارك من عينة تذكيرهم باعتقال 5 آلاف شاب سيناوى بعد حادث شرم الشيخ الإرهابى.. تطلقها الجماعة دون تمييز بين السيناوية والمتطرفين والمشتبه فيهم.. حاولوا تصدير صورة وحشية للجيش وأنه يدمر المنازل وشرد آلاف الأسر السيناوية ليخدم إسرائيل وأمنها، وأن الحرب كانت بإيعاز من إسرائيل خوفاً من أن تتحول سيناء لأفغانستان جديدة.. كلام لم يعد يصدقه سوى الذين ينتمون للجماعة أو من المأجورين الذين لا يقولون ولا يكتبون إلا بعد أن يقبضوا الثمن مقدماً.. وهى حرب فرض عين علينا.. حرب يجب أن نخوضها دفاعاً عن هذا البلد.. وأهل سيناء لا يقلون وطنية عن أهالى مدن القناة الذين تركوا بيوتهم لتخوض مصر حرب أكتوبر وتنتصر فيها وتكسر شوكة الصهاينة.

هى حربنا المقدسة التى خضناها حماية لهذا الوطن وحماية لمستقبل أبنائنا.. هى حربنا التى اصطدنا فيها الثعابين ونصطاد فيها رؤوس التنظيمات الإرهابية.. فالهدف واضح تماماً.. سيناء خالية من الإرهاب، وهو ما تحقق لنا الآن وخسر الذين كانوا يشككون فى هذه الحرب وفى مقدرة الجيش المصرى فى حسمها لصالح هذا البلد.. لقد تأكد للمصريين أن الجيش هو الذى حمى هذا البلد ولا غيره يحميها.. تأكد لهم أنه لا يمكن أن يسمح لأحد فى الداخل أو الخارج بأن يمس حدودنا أو أن يمس المواطنين.. الجيش يعرف جدا المخاطر التى تحاصر المنطقة بأكملها.. على دراية كاملة بمخططات الدول الكبرى وعملها على تفتيت المنطقة وتقسيمها من جديد وتشريد جيوشها.. نجحت فى بعض الدول لكنها لم تنجح مع الجيش المصرى ولن تنجح.. سنوات طويلة خاضتها الدولة ضد الإرهاب.. سنوات أرهقتنا وأرهقت الميزانية فأهل الخبرة فى الشئون العسكرية يعرفون كم تتكلف العمليات العسكرية من تحركات لجنود ودبابات وضربات جوية.. انتهت الدولة من هذا الملف الشائك لتبدأ فى ملفات أخرى.. لقد سأل البعض لماذا الحوار الوطنى الآن؟، ورد على هذا السؤال المستشار محمود فوزى الأمين العام للحوار الوطنى مؤكداً أن الدولة كانت تحارب الإرهاب طوال هذه السنوات وخارجة لتوها من ثورتين وكان لا بد من القضاء على الإرهاب لنتحاور الآن وبحرية كاملة عن الاقتصاد والإعلام والرياضة والأحزاب والحرية السياسية وكل الملفات.

الآن يمكننا أن نقول ما نريد إذا كانت هناك أخطاء أقدمت عليها الحكومة فليتم مناقشتها وردها.. إذا كان لدينا ما نريد أن نراه على الأرض فلنعرضه ونقاتل من أجل تنفيذه، وليكون هدفنا جميعاً إعلاء مصلحة الوطن العليا!

الرئيس يستجيب لنداء ملايين المصريين ويعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية

احتشد ملايين المصريين على مستوى محافظات الجمهورية؛ احتفالا بإعلان الرئيس عبد الفتاح السيسى ترشحه لفترة رئاسية جديدة.

جاء ذلك خلال كلمته فى ختام مؤتمر «حكاية وطن»  الذى احتضنته قاعة «الماسة» بالعاصمة الإدارية الجديدة، واستمر لمدة ثلاثة أيام، بحضور لفيف من السياسيين والإعلاميين والشباب وممثلى فئات المجتمع.

وفيما يلى نص خطاب الرئيس السيسى للترشح:

«شعب مصر العظيم.. أيها الشعب الأبى الكريم.. لقد كانت أوقاتا طيبة ومثمرة.. تلك التى قضيناها معا، على مدار الأيام الماضية.. ونحن نسرد حكاية الوطن.. الوطن الذى نعمل من أجله جميعا.. وواجهنا من أجل رفعته التحديات.. وحققنا له بفضل الله الإنجازات.

وأقول لكم: لقد حققنا معا - نحن المصريين - ملحمة تاريخية، حين تجاوزنا اليأس والإحباط.. واسترددنا مصرنا العزيزة، من براثن جماعة الظلام والغدر.. ثم تجاوزنا التحدى، لكى نعيد بناء دولتنا العظيمة.. لتتحقق لأبنائها الكرامة والعدالة والتنمية.

واجهنا إرهابا غاشما، أراد النيل من عزائمنا.. وارتوت أرضنا الطيبة بدماء الشهداء الأبرار، من خيرة أبناء مصر..

لم تلن عزائمنا أو تضعف أمام كل هذه التحديات.. بل أعلن أبناء مصر وبناتها عن أنفسهم.. وخاضوا معركة بناء مصر.. فحققوا لها الإنجاز.. محققين المجد والفخر الوطنى.

وقد كانت إرادة المصريين – وما زالت – هى المحرك الرئيسى، والباعث الأساسى، لاستكمال الحلم فى بناء دولتنا العصرية الحديثة.. التى تليق بما قدمه شعب مصر من تضحيات.

 شعب مصر العظيم..

ونحن على أعتاب جمهوريتنا الجديدة.. التى تسعى لاستكمال مسيرة بقاء الدولة.. وإعادة بنائها على أسس الحداثة والديمقراطية.. فإننا نجدد العهد معا، على العمل من أجل استكمال أحلامنا، لمصرنا العزيزة.. وطننا الغالى المروى بدماء الشهداء وتضحيات كل المصريين.

وطنا عظيما قويا.. قائما على أسس العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، ودولة المؤسسات، التى تحقق لمواطنيها الحياة الكريمة.. ولأجل أحلامنا سنعمل معا على تحقيقها.

وقد تابعت باهتمام بالغ حالة الحوار الوطنى، التى كانت فى شكلها الأولى مبشرة وباعثة على الاستمرار فيها.. وقد وجهت الحكومة والأجهزة المعنية بالدولة، للعمل على بحث ودراسة حزمة المخرجات، التى أفرزها الحوار.

وأؤكد لكم أننى أعتزم الاستمرار فى هذه الحالة الحوارية، وكذا الاستمرار فى تطوير وتنمية الحياة السياسية والحزبية.. لتتحقق للدولة مسارات وبدائل ورؤى متعددة، وبشكل دائم.

السيدات والسادة.. الحضور الكريم..

وبعد ما تابعناه خلال فعاليات هذا المؤتمر، من أرقام وحقائق عن واقع الدولة المصرية.. كيف كان، وكيف أصبح.. فإننا نجدد العهد بأنه سيكون واقعا يفيض بالخير والسلام والمحبة لكل المصريين باذن الله.

فلا خوف على أمة، يتعانق هلال مسجدها مع صليب كنيستها.. ولا تنكسر أمة تجرد شبابها من الهوى، إلا عشق الوطن كشباب مصر.. ولا تسقط أمة حافظت سيداتها على صوت الضمير الوطنى.

 فيقينى فى أمتنا أنها لا تخاف ولا تنكسر ولا تسقط.. بل تعلو فوق تحدياتها، لتصنع للمجد أهراما، وللحضارة تاريخا.

وأقول لكم بلسان صادق، كما عاهدتكم.. بأننى حين لبيت نداء المصريين، وتوليت المسئولية التى حملونى إياها، لم أكن أملك خزائن الأرض، أو جوامع الوعود الوردية.. لم أكن أملك سوى إيمانى بالله وبمصر، وانحيازى لإرادتكم، والعمل بتجرد وإخلاص.. حاملا معى شرف العسكرية المصرية، ويكفينى بها وساما على صدرى.

واجهت معكم وبكم كل التحديات والأزمات.. وعبرنا معا جسور الأمل.

واليوم.. ونحن بصدد استحقاق انتخابى؛ لتولى مسئولية إدارة الدولة المصرية، فإننى كما تعاهدت معكم، منذ سنوات عشر مضت، لا أبادر إلا باستدعاء المصريين.. الذين أدعوهم بدعوة صادقة أن يجعلوا هذه الانتخابات بداية حقيقية، لحياة سياسية مفعمة بالحيوية.. تشهد تعددية وتنوعا واختلافا، دون تجاوز أو تجريح.

وكمواطن مصرى، قبل أن أكون رئيسا.. كانت سعادتى بالغة، بهذا التنوع فى المرشحين.. الذين بادروا لتولى المسئولية.. لهم جميعا منى كل التقدير والاحترام.

فالاختلاف سنة الله فى خلقه، وحقيقة لا يمكن إنكارها.. والتنوع هو ثراء حقيقى، يدلل على خصوبة أمتنا وقدرتها على البقاء.

والحق أقول: إننى قد بذلت الجهد وصدقت العهد، قدر ما استطعت.. وتجردت للوطن، مخلصا له العمل والنوايا، وكما لبيت نداء المصريين من قبل، فإننى ألبى اليوم نداءهم مرة أخرى.. وعقدت العزم على ترشيح نفسى لكم، لاستكمال الحلم فى مدة رئاسية جديدة.. أعدكم باذن الله بأن تكون امتدادا لسعينا المشترك، من أجل مصر وشعبها، وأدعو كل المصريين إلى المشاركة فى هذا المشهد الديمقراطى.. ليختاروا بضميرهم الوطنى المتجرد من يصلح.. والله يولى من يصلح.. تلك دعوتى الصادقة.. وهذه إرادة المصريين.. التى أحترمها، وأعمل بها ولها.

شعب مصر العظيم..

إن نبتة الأمل تزدهر  دائما بالعمل.. والصدق فى القول والتجرد فى العمل هما السبيل الذى نبلغ به الحلم معا باذن الله..

ومعا.. وبكم..  ستحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

 	خالد حنفى

خالد حنفى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

باب الحرية- رمز للوطنية والمقاومة عبدالمنعم رياض.. الجنرال الذهبى الذى لن يموت

ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...

صلاة النصر في محراب الفيروز

ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...

بروح رياضية - درس الجمهور

فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...

السعادة ممكنة - «عبد الرحمن على » أمل متجدد وحضور طاغٍ

(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...