ترحال: الفصل الخامس حلقة «1» - أكتوبر.. من دفتر طفلة بورسعيدية

كنت أطوف حول عشتنا فى رأس البر، تلك المدينة التى هجرنا إليها بعد نكسة ١٩٦٧، كمجرم تعود أن يعود دوما للمكان الذى شهد جريمته الأولى،

 وكانت جريمتى هى أننى أحببت هذا المهجر كمن يحب منفاه الجميل، والذى ما زال هو موطن كل أحلامى حتى الآن، الجنينة أسفل عشتنا والتى كنا نجتمع فيها نحن الجيران من مدن القناة المختلفة بورسعيد والسويس والإسماعيلية، اختفت تماما وسورت العشة كلها بسياج من العشب..كل شىء تغير..

قلت لابنى الذى اصطحبته فى رحلتى تلك: هنا كانت تجتمع العائلات يقصون معاناتهم مع الحرب التى أعقبتها النكسة، وكنت أنا مولعة بالجلوس بين الكبار لسماع قصصهم وكأننى أستمع لحدوتة عن أمنا الغولة، كان لكل واحد منا  قصة مع الحرب لا تشبه قصة أخرى، وكنا نحن الأطفال لنا حكايتنا أيضاً التى نرويها لبعضنا سرا بعيدا عن أعين الكبار، والتى ما زلت أحفظها حتى اليوم عن ظهر قلب، كان "محمد" جارنا من الإسماعيلية يكبرنا بعدة أعوام، وكان يحكى حكاية واحدة لا تتغير؛ وكأنه يملى علينا درسا للتاريخ، ومع كل مرة ألمح الدموع تتساقط من عينيه: (يوم ٥ يونيو عام ١٩٦٧  بدأ عاديا مثل كل يوم بشكل، الناس توجهت لعملها ولم يكن هناك أى شىء غير طبيعى، حتى أبى اصطحب والدتى وذهبا لزيارة عمتى المريضة، ولكن فى حوالى الساعة ١٢ ظهرا فوجئنا بصوت طائرات يقطع صمت المدينة..رأيتها بعينى من شرفة بيتنا تحلق على ارتفاع منخفض جدًا ويكاد يلامس سقف العمارات، كان شكلها مخيفا ولونها غريب، وسمعنا بعدها صوت صافرات الإنذار تعلن عن قدوم غارة جوية، ثم سمعنا صوت انفجارات كادت تفجر بيتنا، بعدها رأينا دماء الشهداء تغرق الشوارع.. الناس كانت تجرى فى الشارع بدون هدف بعدما غادروا أعمالهم وتركوا دكاكينهم مفتوحة، وعادا والدى وأمى إلى المنزل بصعوبة فى حالة هلع، فقرر والدى وقتها مغادرة المنزل، خاصة أننا كنا نسكن بالطابق الثالث خوفا علينا من استهداف الطائرات للأدوار المرتفعة، وذهبنا لنقيم مع عمتى التى كانت تسكن بالدور الأول بإحدى العمارات على مقربة منا، وفى صباح يوم ٩ يونيو استيقظنا على خبر انسحاب قواتنا، وبدأ صوت الانفجارات يقترب من مدينة الإسماعيلية، فانتقلنا جميعا إلى منزل جدى ثم غادرنا جميعا الى مدينة رأس البر.

كانت حكايات الأولاد والبنات تنصب جميعا على ما بعد نكسة ١٩٦٧ وهى سنوات لم أعيها جيدا، لذا كنت أستمع إليها كمن يستمع إلى حدوتة مرعبة قاسية، ولم أكن أفهم معنى كلمة نكسة التى كانت تتردد كثيرا فى تلك الحكايات، ولكننى بدأت أفهم مدلولها وما تمثله خاصة عندما بدأ محمد الإسمعيلاوى وكان فى ضعف عمرى تقريبا فى قص حكايته قائلا: بعد النكسة بأيام قليلة، لم نجد فى البيت ما نأكله، فخرجت أمى الى الشارع لشراء عيش وجبن ولبن، وبينما كانت عائدة الى البيت وإذ بالطيران الإسرائيلى يغير على منطقتنا، كنت وأشقائى وقتها نلعب خارج باب البيت، ركضنا داخل المنزل لنحتمى من قصف الطيران، ونحن نصرخ ونبكى خوفا على أمنا، وفور انتهاء القصف خرجنا للشارع  بحثا عن أمنا، فالكل خرج من منزله ليطمئن على ذويه، وكان مشهدًا لن أنساه ما حييت، المصابون فى كل مكان، وشهداء سقطوا فى الشارع، حتى الكلاب والقطط ماتوا.

 كنت أحكى لابنى حكاية الطفل محمد الإسمعلاوى، وما زالت أتذكر ملامح الفزع على وجهه الأسمر وهو يحكى عن صوت الطائرات الإسرائيلية تمطر شوارع الإسماعيلية وبيوتها بالبارود ليلًا ونهارًا وكأنه يحكى للتو، وأتخيل مشهد الجنود المصريين العائدين من سيناء وهم مصابون وينزفون، ويرن فى أذنى صوت صفارات الإسعاف التى كانت لا تتوقف فى شارعنا فى بورسعيد، والتى ما زالت تفزعنى حتى عندما كبرت وانتهت الحرب.

رغم أننى لم أشارك بالحديث فى حلقات حكايا الأطفال تلك إذ لم أكن أملك فى ذاكرتى إلا بعض المشاهد حيث كنت صغيرة لا يتعدى عمرى الخمس سنوات عندما حلت نكسة ١٩٦٧، ولكن حلقات الحكايا تلك حفرت فى ذاكرتى بأبطالها كوشم جنوبى قديم، حتى أننى كلما حل يوم ٥ يونيو تذكرت "خديجة" جارتنا من السويس، تلك المدينه التى لاقت الويل على يد العدو الاسرائيلى المحتل الإسرائيلى فى عام ١٩٦٧، وتعرضت أغلب منازلها للقصف، وبدأ استهداف المدنيين أمراً مباحاً للعدو الصهيونى، وهو ما دفع القيادة السياسية وقتها؛ ممثلة فى الرئيس جمال عبد الناصر إلى إصدار أوامره بتهجير أهالى السويس، وإعادة تسكينهم فى مناطق أخرى، بعدما تحولت السويس وغيرها من مدن القناة من مدن مأهولة بالسكان، إلى ساحة للحرب.

رغم حداثة سنها وعمرها الذى لم يتجاوز اربعة عشر عاما وقت وقوع نكسة يونيو، فإن خديجة كانت تحكى الحكاية فى فصول تتوقف كل يوم بنا عند فصل، لتعاود فى الغد تكملة الحكاية، وكان أجمل ما فى حكاية خديجة هو كيف كانت تحكى بفخر أن قبل نكسة ١٩٦٧ كان أخوها الشاب هو وزملاؤه حريصين على إرسال خطابات إلى الرئيس جمال عبدالناصر فى عيد ثورة 23 يوليو وعيد العمال ليرد عليه الرئيس بخطابات تحمل صورة له وموقعة منه، كانت خديجة تحكى بفخر هذه الحكاية حتى أنها فاجأتنا ذات يوم وأحضرت معها صورة للزعيم جمال عبد الناصر موقع عليها من الخلف اسم الرئيس جمال عبد الناصر إهداء لأخيها، وحتى لو لم يكن الزعيم جمال عبدالناصر من لم يقم بتوقيعها بنفسه، وإنما سكرتاريته الخاصة، إلا أن هذا الأمر كان بالنسبة لنا ولخديجة شيئا خارقا للعادة، وكنا نتطلع إلى الصورة بفخر رغم  ما نعيشه بعد النكسة من تهجير وصوت قنابل، وحتى بعدما تبدلت الأغانى من (يا جمال يا حبيب الملايين)، إلى أغنية أم كلثوم (جيش العروبة يا بطل الله معك ما أروعك، ما أشجعك.. مأساة فلسطين تدفعك نحو الحدود.. حولها لآلام بارود).

وكما كل شىء تغير بعد النكسة، كان أيضا وجه خديجة السويسية يتغير عند الحكى، تتبدل الابتسامة وعلامات الفخر على وجهها إلى دموع تخونها، وهى تكمل الحكاية: بعد النكسة، تركنا بيتنا اللى على الكورنيش القديم، وانتقلنا الى بيت جدتى فى حى الأربعين، هرباً من الغارات الإسرائيلية التى كانت لا تنتهى (كنت بخاف جدا من الغارات، فكانت أمى تاخدنا أنا وأخواتى وننزل إلى الخندق أسفل العمارة، ولما تنتهى الغارة ونخرج نلاقى ناس كتير ميتة، ويوم 8 يونيو، وأنا كنت بلعب قدام دكان بابا، فجأة لقينا عساكر مصريين لابسين لبس مقطع و هدومهم مليانة طين ورمل، لكنهم كانوا لسه ماسكين سلاحهم بأديهم، وأول ما وصلوا الميدان اترموا على الأرض، بابا جرى وفتح لهم الدكان عشان ياكلوا، جريت على البيت وأنا خايفه علشان أحكى لأمى لقيتها بتقولى اجرى بسرعة روح لأبـوكى واسأليه هو عبدالناصر استقال؟

جريت بسرعه ورحت لبابا لقيته حزين جدا وبيبكى، سألته: انت بتعيط ليه يا بابا؟ قالى عبد الناصر استقال يا بنتى، (يعنى إيه عبد الناصر يستقيل.. وأنا كنت بسمع إخواتى الصبيان  الكبار لما حد فيهم يقول حاجة كبيرة يقولوله: هو أنت فاكر نفسك عبد الناصر!!)، وأنا راجعة علشان أحكى لماما لقيت الناس كلها اتجمعت عند المحافظة، ورايحين ناحية بورتوفيق، لقيتنى ماشية تايهة معاهم لحد لما جارتنا شافتنى وأخدتنى من إيدى علشان ترجعنى البيت، وأول ما وصلنا ميدان الأربعين لقيينا غارة، ضرب وصواريخ وصوت مدافع أبو جاموس (الهاوتزر الألمانى) ولما رجعت البيت، قعدنا جنب الراديو نسمع الأخبار أمى قالت: (الإسرائيليين خلاص وصلوا سيناء واستقروا).. بعدها بدأنا نهاجر، لكن بابا وصلنا هنا ورجع تانى السويس، رفض يهاجر معانا، وفتح المطعم للفدائيين).. للحكاية بقية.

نبضة مسافرة

احلم بيوم لا يسألنى فيه طفلى: أمى ماذا تعنى كلمة حرب؟

«ايفا ميريام»

 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،

نحو الحرية - انكسار الأخلاق

هناك قاعدة مفادها أن المجتمعات لا تنهار أخلاقيا فجأة لكنها تفقد توازنها تدريجيا حين يتغير معيار الصواب والخطأ وحين يصبح...

بروح رياضية - افعلها يا كابتن جوهر

ماذا ننتظر من وزير الرياضة الجديد؟!.. سؤال يفرض نفسه مع كل  تعديل وزارى، لكن المؤكد أن الملفات عديدة والمشكلات كبيرة...


مقالات

قلعة قايتباى بالإسكندرية
  • الثلاثاء، 10 مارس 2026 09:00 ص
المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م