السعادة ممكنة - خواطر حول اغتيال عقل المرأة

صحيح أن هناك اختلافات جوهرية بين العمل اليدوى والعمل الإبداعي، حيث إن لكل عمل أساليبه وطرائقه التى تتسرب بشكل لا إرادى إلى صاحبه فتجدها وقد نسجت منهجية تفكيره وبالتالى طريقة تناوله للأمور.

فماذا عن الأعمال المنزلية التى تقوم بها المرأة كجزء من مسئوليتها تجاه أسرتها فهل نستطيع القول إنها قيدت حريتها العقلية، الحقيقة أن هذا ما أكدت عليه د. منى أبو سنة أستاذ الأدب الإنجليزى بكلية التربية جامعة عين شمس فى كتابها (نقد عقل المرأة).

ذلك إنطلاقا من أن الاعتقاد السائد فى جميع المجتمعات أن استخدام العقل والمنطق والعمل خارج البيت من شأن الرجل وحده، أما العاطفة والانفعال وإدارة شئون المنزل والعمل المطبخى من شأن المرأة، رامية إلى أن هذا العمل المطبخى أحدث تغييرا جذريا فى بنية عقل المرأة حتى أفرز تدريجيا ما أطلقت عليه مصطلح (العقلية المطبخية).

ولأن العقلية المطبخية كما وصفتها د.منى عقلية مزاجية لا تخضع لقانون عام وإنما تخضع لمزاج المتناول للطعام وهو مزاج ذاتى، ومن هنا تبتعد المرأة عن المنهجية فى التفكير وبالتالى العقلانية فى تفسير حدوث الأشياء وتقف فى تفسيرها عند حد المزاج.

والحقيقة أن فى هذا التفسير ظلم بين للمرأة المصرية المبدعة الفاعلة القادرة المتمكنة التى ظل لها السبق فى خوض كثير من المجالات التى ظلت حكرا على الرجال، بل التى كانت لها الفضل فى تلك الهبة التى غيرت خريطة الوطن ذلك حين استشعرت الخطر وأسهمت بشكل كبير فى تحرير البلاد.

ولأنها لا تطهى الطعام فقط بل تشرف على تنظيف البيت وترتيبه وتتابع استذكار الأبناء لدورسهم ومواعيد تدريبهم ومواعيد استيقاظهم ونومهم .. وكلها أعمال موجهة للآخر حتى عملها خارج المنزل فهو فى جزء منه موجه نحو الآخر لأنها تبغى من ورائه توفير بعض متطلبات البيت والأبناء، فلماذا العمل فى المطبخ على وجه الخصوص هو الذى أدى إلى تغيير جذرى فى بنية عقل المرأة وليس أى عمل آخر من الأعمال المنزلية؟

ترى د.منى أن الطهى رمز لتوجهها نحو الآخر فهى غالبا لا تعد لنفسها إلا القليل غير المجهد وإنما هى تعد الولائم للآخرين غير أن ميكانيزم الطبخ نفسه لا يقوم على أسس منطقية أو عقلانية قدر ما يحمل رتابة وتكرارية يؤثران على نمط تفكير المرأة بوجه عام.

الحقيقة أن المرأة مهما بلغت من المناصب ووصلت بأحلامها إلى عنان السماء فلا يحقق لها السعادة أو بالأحرى لا يكمل سعادتها غير إسعادها لأولادها حتى لو من خلال طهى وجبة محببة لهم.

وكذلك بالطبع عن طريق رعايتها لهم وحرصها على صالحهم بل وتضحياتها من أجلهم فكيف نستهين بكل منظومة العطاء تلك ونضعها تحت مسمى (العقلية المطبخية) فى استهانة واضحة بقدراتها وأعمالها؟

ترى د.منى أبو سنة أن المرأة التى تقوم بكل ذلك هى امرأة تعيسة وأنها تدرك جيدا حجم تعاستها حتى لو أبدت غير ذلك، بل وتؤكد على أن هذا النموذج السائد للمرأة يحمل خلف خضوعه الظاهر حالة من المقاومة الدائمة والتمرد المستمر وإن كان فى أغلب الأحيان تمردا مكتوما ينتظر لحظة الانفجار التى تكون فى أغلب الأحوال مدمرة لكل من الرجل والمرأة على حد سواء.

والحقيقة أن هذا الانفجار والدمار لم يكن هدف الكاتبة بل حاولت أن تقدم روشتة لتجنبه وتحويله إلى ثورة إيجابية تحقق للمرأة الاتزان النفسى والسعادة والاستقرار، بأن تعى أسباب توتر علاقاتها مع الآخر ومدى انعكاس هذا التوتر على مسار حياتها.. ويبدأ ذلك بأن تبحث بإرداتها الحرة عن جذور الأوهام الأربعة التي تعيشها وهى الاعتقاد فى أن أمنها منحة من الرجل وأن حريتها مرهونة بالرجل، وأنها موضوع رغبة من الرجل، والأخطر من ذلك الاعتقاد بأن طموحها فى تحقيق طموح الرجل وهذا هو الأكثر خطورة على وعيها، فهو ما يكرس للعقلية المطبخية المانعة من تطور المرأة، ففي ظل تراث القسمة الثنائية تعيش المرأة من أجل تحقيق طموح الرجل من خلال إيهامها بأن تحقيق طموح الرجل هو غايتها (وراء كل عظيم امرأة).

*وتضيف د . مني (وهذا من أسباب خصلة الرياء عند المرأة التي أصبحت بمثابة الأساس في بنيتها النفسية، فهي أحيانا تستخدمه كميكانيزم دفاع وأخرى كميكاميزم هجوم، ولقد أتقنته المرأة لأنها اكتشفت بالخبرة أنه خير معين لها فى الحياة لأنه يحقق لها الحد الأدنى لوجودها.

والغريب أن د.منى لم تكتف بتقديم تلك الصورة السلبية عن عقل المرأة وطموحها المتوارى خلف طموح الرجل حتى وجهت اتهاماتها لمن عرفناهم كأقطاب تحرير المرأة من أمثال قاسم أمين ورفاعة الطهطاوى.

فنجدها وقد انتقدت رفاعة الطهطاوى فى تأكيده على أن المرأة هي المعينة للرجل في تدبير أموره والحافظة لأطفاله والساهرة عليهم، كما ردد كثيرا أن الغاية من تعليم المرأة هى الأخذ بالثقافة الإسلامية من أجل تربية الأطفال.

كل ذلك ما أكد اعتقاد د.منى فى أنه لا ينظر إلى المرأة إلا باعتبارها موضوعا لا ذاتا أى أنها وسيلة للحفاظ على النوع وعلى البناء الاجتماعى عموما.. فالمرأة كما يتعامل معها رفاعة مغتربة عن ذاتها ومنقسمة على نفسها وبالتالى فإن تعليمها يقف عند حد الشكل ولا يتجاوزه إلى المضمون، بمعني الاكتفاء بتعليم المرأة القراءة والكتابة وليس الإبداع العقلى الذى يسمح للإنسان بتغيير الواقع من أجل التحكم فيه، أما قاسم أمين فهى ترى أنه قد انشغل بمسألة إصلاح حال النساء المصريات فترة طويلة من الزمان وأول ما لفت نظره في هذه المسألة أن ثمة تلازما بين انحطاط المرأة وانحطاط الأمة وتوحشها وبين ارتقاء المرأة وبين تقدم الأمة ومدنيتها.

وفي كتابه (تحرير المرأة) أكد علي أن ثمة تلازما بين عمل المرأة ووفاة الزوج أو فقره أى بالإعالة المادية. وفى هذه الحالات لا بد  للمرأة من التعليم للتمكن من العمل فى وظيفة شريفة بدلا من الانزلاق إلى الهاوية والرذيلة، ومن هذا المنطلق لم يدع قاسم أمين إلى تعليم المرأة إلا بهدف إتقان دورها كزوجة وأم أيضا وهو نفس كلام رفاعة الطهطاوى.

ولأنها نصف المجتمع فعليها  مسئولية فى تشكيل الثقافة السائدة دون شرط أو قيد، حيث ترى د.منى أن مساهمة المرأة تلك مرهونة بالالتزام بمعايير الرجل وإلا فعليها أن ترجع وتنسحب إلى داخل المنزل، ولهذا ليس فى مقدور المرأة أن ترى ذاتها إلا بواسطة الرجل فكبتت رؤيتها الأصلية لذاتها واستعارت رؤية مزيفة من صنع الرجل -رؤية لا تخرج عن أنها مجرد أنثى- فهى موجودة فى الفن والأدب كموضوع للفنان أو الأديب، وهى غير موجودة علي الإطلاق في العلم بدعوى أن العلم يستلزم الرؤية الموضوعية ورؤية المرأة ذاتية لأنها عاطفية خالية من المنطق، وإذا وجدت فى أى من هذه المجالات الثلاثة فلن توجد على أنها منتجة لهذه المجالات وإنما على أنها مستهلكة لها وشتان بين الإنتاج والاستهلاك.. فالإنتاج يقوم على عدم القناعة بالواقع ومحاولة تغييره، أما الاستهلاك فيقوم على تناول ما هو موجود بالفعل أى القناعة بالواقع.

*أرى أن سعادة المرأة ممكنة دائما وذلك فى إنتاجها  لثقافة خاصة بها، وذلك ما حدث بالفعل لأن الإنتاج فى ذاته وسيلة لتغيير الواقع، وإذا كانت الثقافة هى تغيير الواقع هنا تلتقى  المرأة بالرجل كمغيرين للواقع أى تلتقى الثقافتان فى ثقافة واحدة هى ثقافة الإنسان.

 	دعاء السنجري

دعاء السنجري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - انكسار الأخلاق

هناك قاعدة مفادها أن المجتمعات لا تنهار أخلاقيا فجأة لكنها تفقد توازنها تدريجيا حين يتغير معيار الصواب والخطأ وحين يصبح...

بروح رياضية - افعلها يا كابتن جوهر

ماذا ننتظر من وزير الرياضة الجديد؟!.. سؤال يفرض نفسه مع كل  تعديل وزارى، لكن المؤكد أن الملفات عديدة والمشكلات كبيرة...

نحو الحرية - الاتحاد قوة

زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...

بروح رياضية - إلغاء الدورى

تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..