بكل صراحة - نوستالجيا الزمن الماضى

الحنين إلى الماضى طابع إنسانى متجذر فى النفس الإنسانية، ويرتبط ببنى الإنسان أينما كانوا.. فى أى زمان ومكان.

غير أننى ألاحظ على وجه التحديد ضمن أصدقائى على الفيس بوك شريحة كبرى من أولئك الذين تتراوح أعمارهم ما بين الأربعين والخامسة والأربعين الذين ولدوا فى فترة أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات يعربون عن مشاعرهم المشتاقة بشكل كبير إلى طفولتهم.. أيام دراستهم الأولى.. ودروس القراءة التى تلقوها.. وإلى البرامج التى كانوا يشاهدونها ويستمعون إليها.. والمسلسلات التليفزيونية التى كانوا يتابعونها.. يشعرون بحنين خاص تجاه تلك الأيام التى عاشوا فيها طفولتهم حين كان التليفزيون يعنى فقط القناة الأولى والثانية، وبرامج ماما نجوى وبوجى وطمطم وعمو فؤاد وعالم البحار وإلى برامج الراديو من عينة ألف ليلة وليلة ومن الحياة وأغرب القضايا وغيرها من نوستالجيا ذلك الزمن الماضى..

وفى حقيقة الأمر أنا أشفق على ذلك الجيل إشفاقاً كبيراً.. فهؤلاء هم من عاشوا فى طفولتهم بقايا وأواخر زمن الأبيض وأسود ثم حين وصلوا إلى مراهقتهم وصباهم وشبابهم الباكر وجدوا أنفسهم فى مواجهة تلك التحولات الرهيبة والتغييرات الصادمة التى طرأت على كل مناحى الحياة فى عالمنا المعاصر.

اقتحمت حياتهم أشياء جديدة غريبة، لعل أبرزها وأهمها التليفون المحمول والإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعى..

حل المحمول بدلاً من شاشة التليفزيون، والإنترنت صار بديلاً عن البرامج الجميلة ولمة العيلة والأسرة، وتناول الطعام مع الأب والأم والأخوة على سفرة واحدة، ثم وصولاً إلى ما نعانيه الآن من طغيان كامل للسوشيال ميديا التى أصبحت تسيطر تماماً على كل شىء فى حياة البشر.

لدى تصور أن كل من عاش تلك الأيام القديمة التى لم يكن فيها إنترنت أو فيسبوك أو تويتر أو غيرها يحن إلى تلك الأيام ويتمنى أن يعود إليها، بعد أن صار الناس بعيدين عن بعضهم البعض تماماً.. بعد أن صار الناس جزراً منعزلة وأصبح كل فى واديه يغنى على ليلاه.

لكن السؤال الذى يلح أيضاً على ذهنى هو: لو اختفت تلك الوسائط التكنولوجية الحديثة التى غزت حياة البشر من الوجود وعاد الناس إلى ذلك الزمن الذى كانت فيه الزيارات المنزلية أو التليفونات الأرضية هى وسيلتهم للتواصل والذى كان فيه التليفزيون بقنواته القليلة والراديو هما فقط وسيلتهم للتسلية.. هل لو حدث ذلك سيعيش الناس سعداء؟.. متحابين متعاونين كما كانوا؟!.. أم أنهم سيشتاقون لكل تلك الوسائط التى ملأت فراغهم ثم أفرغت قلوبهم من المحبة.. ومن الإنسانية؟!!.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

​بعودة ماسبيرو.. مصر تطلق جناحي قوتها الإعلامية

​يمثل "ماسبيرو" أحد أهم الرموز الوطنية والثقافية والإعلامية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة؛ فلم يكن مجرد مبنى يطل على نيل...

الحج: رحلة إيمانية وجهد بدني

تُعد شعيرة الحج رحلة إيمانية تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، خاصة لكبار السن، مما يستوجب استعدادات طبية خاصة للوقاية من مخاطر...

باب الحرية- رمز للوطنية والمقاومة عبدالمنعم رياض.. الجنرال الذهبى الذى لن يموت

ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...

صلاة النصر في محراب الفيروز

ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...