ترحال - بيت المعادى

هذا الأسبوع قررت أن أحط ترحالى داخل "بيت المعادى".. أجلس برحب حديقته تحت شجرة الياسمين، وها أنا أشد جسدى المتعب إلى المقعد عن آخره.. وأقرأ لكم كل وجوه الشخوص التى

هذا الأسبوع قررت أن أحط ترحالى داخل "بيت المعادى".. أجلس برحب حديقته تحت شجرة الياسمين، وها أنا أشد جسدى المتعب إلى المقعد عن آخره.. وأقرأ لكم كل وجوه الشخوص التى تدخل إلى عتبة الدار العتيقة!

فى رواية "بيت المعادى".. ليست هناك حبكة، ولا ينتج التوتر فيها عن تطور الأحداث التقليدية، إنما ينتج من ذبذبات الإحساس وتوتر الجو العام داخل هذا البيت الكبير العتيق، الذى يحوى بين طوابقه صورا لضياع الإنسان فى عالم من القيم المهزومة، يشعر فيها الإنسان بأنه غريب، بأنه فى منفى لا مفر منه، تماما كـ"سالم" أحد  شخوص الرواية، إنه يعانى عذاب شك لا ينتهى، لإدراكه عدم وجود حقيقة غير عقم وجوده الإنسانى، وعجزه تجاه معرفة اليقين، انفكاكه عن أى قيمة، أو إله،  مشتت مقطوع من شجرة الدين التى تمنحه بعدا إيمانيا، مثله مثل أى إنسان يسير ضمن قافلة بشرية مازالت تمضى فى متاهات الوجود منذ آلاف السنين دون أن تكتشف الحقيقة وراء وجودها والأشياء من حولها، إنه إنسان ذلك العصر عصر الحاسب الآلى والتكنولوجيا، غارق بين عالم افتراضى يسعى أن يعرف الحقيقة، وعلى شفتيه تتململ عشرات الأسئلة التى عرفت إجابتها منذ سنين!

فى بيت المعادى حكايات كثيره تصلح عملا دراميا، وأنا هنا أحار أمامها، أرويها كحكاية صيفية، القارئ مسترخ تحت مظلة على الشاطئ أو خلف نافذته فى الليالى المقمرة، أم أرويها كعمل أدبى له أهدافه المؤثرة؟

ولكن من قال إن الاستمتاع هو ضد التعمق؟

 ولأننى لست من الذين يفضلون وصف الرواية، وإعادة كتابة أحداثها على الورق، لذا أفضل أن ألخص قصتها دون تشويه لجسدها الجميل، وضميرى الأدبى شبه مرتاح!.

 بيت المعادى للروائية الواعدة "أمانى عبد الرحمن"، رواية مكتوبة كلها على لسان الراوية التى تحكى قصة كل شخص بها:

تعود سارة بصحبة ابنها الصغير من إحدى دول الخليج بعد وفاة زوجها، إلى بيت عتيق بحى المعادى، لتصبح نسيجا من هذا المجتمع البشرى الذى يقطن هذا البيت بكل اختلاف طوائفه: مسلم ومسيحى، وأعماره: طفل سارة شعاع النور والمستقبل، شباب فقدوا الحب ومنهم من تاه فى أزمة العصر البطالة، وكبار يبحثون فيما تبقى من حياة عن شعاع أمل، كما أن لكل فرد تاريخه الذى يمتد مع الأرض مع جذور تلك الشجرة العتيقة بحديقة البيت، ولكلٍ همومه وإحباطاته وأحزانه وأفراحه وآماله، تعود سارة وسط هذا الزخم، وكلها أمل أن تغرز لنفسها جذرا فى حديقة هذا البيت المعبق برائحة الماضى، عسى أن تمنحها عزاء ميتافيزيقيا بماضٍ أو مستقبل، وكأنها تريد أن تُبعث من جديد!

ولكن سارة تكتشف فى طريقها لتحقيق نفسها ومشروع حبها الجديد أن لكل فرد من العائلات التى تقطن هذا البيت حكاية مؤلمة وماضيا قاسيا وذكريات معذبة.

من خلال الأحداث التى تتطور ببطء كقطرات ماء تنسكب من شلال، وتتشابك مع بعضها البعض عبر زخم فى الشخوص الذين يقطنون بيت المعادى، تحاول المؤلفة أن تغزل كل هموم المجتمع فى قماشة واحدة، إنه شيء يشبه الحياة بكل ما فيها من تناقض وحب وتيه وألم ومرارة الإنسان الحائر وربما الموت أيضا.

وهكذا فى زحمة الصدق حينا والشخصيات المبتورة أحيانا، وفى زخم المفاجآت المثيرة أحيانا والمفتعلة فى أحيان أخرى، تومض من حين إلى آخر ومضات إبداع رائع لمؤلفة على أول الطريق:

فى مشهد ترسمه أمانى بقلمها تقول: (اكتمل القمر، وهدأ الليل وظلت سارة بجانب رقية تنتظر أن تستمع إليها، راغبة فى حمل عبئها الذى قد بدا على عينيها.

هبت نسمات الخريف، فشعرت رقية بالبرد، دعتها سارة إلى شقتها، فوضعت وشاحها على كتفها ودلفت معها إلى الداخل، وأمام لوحة رسمتها سارة لفتاة مكممة الفم، مبتورة اليد، تنظر إلى السماء بعينين متوسلتين، جلست رقية على أريكة تدقق النظر فيها لدرجة جعلتها لم تشعر بسارة حينما عادت بالقهوة.. خرجت الكلمات من رقية كأوراق الخريف التى قررت أوراقها التخلص من ذبولها لتبدأ حياة جديدة تهدج صوتها، واختفت ابتسامتها وبهتت نظرتها الدافئة وظلت عيناها معلقتين باللوحة.. ترقرقت دمعه تأبى السقوط ، فرغم لين قلبها إلا أنها عزيزة الدمع؛ ولكنها الآن فى أقصى لحظات ضعفها.

شعرت بأنها تشبه تلك المرأة، لقد أثارت اللوحة شجونها وكأنها رسمت خصيصا لأجلها.

ثم إن للروائية أمانى عبد الحميد ـ إلى جانب موهبتهاـ موقفا من الوجود: "الانتظار.. اللعنة التى تصيب العمر، ستشعر بالسعادة كلما فككت قيدا من قيوده، قيوده اللعينة التى أرقتك، وأفضت إليك بأسرار التعاسة والحرمان".

وفى صفحة أخرى تكتب أمانى: "جميعنا طالتنا قسوة الحياة، وانتابتنا لحظات ضعف وعدم رغبة فى الحياة..لا أحد نجا من سياط الفقد والخذلان. هكذا هى الحياة.. كن مستعدا دائما فهى كلوحة باهتة، أنت من يمنحها الألوان".

كذلك للمؤلفة قدرة عجيبة على فهم الشخصيات التى ترسمها وتحليلهم بمعرفة ليست قليلة بالطبيعة البشرية، فهى شأنها شأن أى أديب معاصر يعيش واقعه، يتعذب له، ويحاول أن يعبر عنه.. إنه يشارك الإنسان المعاصر مصيره الموجع وآلامه وأحزانه، لكنه بحكم موهبته يظل أشد حساسية لها، ورؤياه لما يدور أكثر وضوحا: "فمن أرثى حالا من محب لا يستطيع أن يحيا مع من يحب؟، وقلوبننا لا تخضع لقانون، فلم يمنع اختلاف الدين مينا من محبة صديقته المسلمه نورا، أحبها بصدق، وأحبته بكل ما تملك من محبة، ليس لنا على قلوبنا سلطان، فقد يسرق الحب أعمق جزء بقلوبنا دون أن ندرى، وحينما أيقنا أنهما وقعا تحت وطأة سطوة الحب التى لا تقاوم  قررا الفراق المر".

فى بيت المعادى شخوص تملا أحشاءها الحسرة وتغطى الأوراق الذابلة حديقة البيت، تتكسر الضحكة على شفاه الجيران، تتعثر كلمات المحبين، تشحب الرؤية، ولكن لا شىء سوى الحب والحقيقة يضىء القلوب بدفئه الأسطورى.

وهكذا.. حين نقرأ رواية بيت المعادى صفحة بعد صفحة، يتضح لنا الكثير من الملامح الإنسانية، وخاصة ملامح الإنسان الحائر والإنسان المغترب فى مجتمعه، وفى عالمه، وفى الكون كله، نعم الاغتراب موجود فى معظم الأعمال الأدبية ولكنه فى بيت المعادى أشد كثافة وإثارة للحنو والدهشة والتساؤل رغم اجتهاد الروائية فى رسم نهاية مشرقة سعيدة لخريف طويل من المجاعة إلى الحب والحنان.. مجاعة الإنسان إلى التعاطف والتفهم.

نبضة مسافرة

حزن العالم لا شفاء منه

« رومان فينجارتن »

 


 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

باب الحرية- رمز للوطنية والمقاومة عبدالمنعم رياض.. الجنرال الذهبى الذى لن يموت

ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...

صلاة النصر في محراب الفيروز

ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...

بروح رياضية - درس الجمهور

فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...

السعادة ممكنة - «عبد الرحمن على » أمل متجدد وحضور طاغٍ

(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...