"معارك العمران" كتاب صدر حديثا للكاتب الصحفى والناقد والمؤرخ التشكيلى سمير غريب، وهكذا.. لا مفاجأة فى الكتاب من حيث موقف الكاتب النقدى مما تعرض له العمران والعمارة
"معارك العمران" كتاب صدر حديثا للكاتب الصحفى والناقد والمؤرخ التشكيلى سمير غريب، وهكذا.. لا مفاجأة فى الكتاب من حيث موقف الكاتب النقدى مما تعرض له العمران والعمارة المصرية من انتهاكات حتى عام ٢٠١٤، وهو موقف اعتدناه منه من خلال مقالاته التى نشرها بجريدة قومية، بحكم عمله كصحفى مهتم بالفن التشكيلى والعماره بشكل خاص، ولكنه أيضا كتاب غير عادى، فمؤلفه عمل فى وظائف متعددة بوزارة الثقافة، وكان لمدة عشر سنوات رئيسا لجهاز التنسيق الحضارى المسئول عن الحفاظ على العمران فى مصر، وكانت حصيلة تلك السنوات، معارك خاضها وجمعها فى هذا الكتاب شبه المذكرات.
وناهيك عن أن مؤلفه روائى وحكاء موهوب، فلاشك فى أنه خط سطور هذا الكتاب بموهبة الدس الذكى، وعمل فيها بمخالب أبجديته، بنقد راقٍ فى سعيه البناء للوصول إلى الأفضل، فليس المقصود من الكتاب ـ كما يقول غريب ـ الإساءة إلى أحد، فلم يكن ذلك فى ذهنه إطلاقا، وإنما تسجيل ما حدث للتاريخ، وإتاحته للمعرفة، والاستفادة منه للصالح العام.
والكتاب هو رقم (١٧) من سلسلة مؤلفاته السابقة، ومن السهل مهاجمته بتهمة إثارة البلبلة أو المطالبة بمحاكمة المسئولين فى هذا العصر الذى يتحدث خلاله غريب، عن تشويه العمارة المصرية وهدم بعض المبانى التى دخلت قانون الآثار فى تحد سافر لقوانين الحفاظ على الآثار واليونسكو، أو المطالبة بجمع نسخ الكتاب من الأسواق.. ولكن ذلك كله لا يجدى وحتى فى حال إدانة غريب نكون مخطئين فى حق أنفسنا، إذ لم نقر بحياد ما كشفه لنا من أخطاء ونتداركها فى خططنا المستقبلية لشكل العمران والعمارة المصرية!
إن استعراض الكتاب موضوعيا، وتبين ما فيه من حقائق أو ادعاءات أو أكاذيب هو الأمر الأكثر صعوبة، وهو الموقف المجدى فى آن، خاصة ونحن أمام مؤلف حرص على توثيق كل كلمة يقولها، لذا فإدانته تظل أمرا ثانويا، إذ لا مفر من أن المؤلف استطاع أن يضع قلمه على بعض أخطاء المسئولين فى ذاك الوقت، وتبين بعين ـ هى غير عين الرضا الكلية ـ عن كل عيب وانتهاك حدث للعمران فى مصر، وقت كان يعد مسئولا عنه!
قد نتفق أو نختلف مع عين غريب، فقد تكون مغرضة أو لا تكون، ولكن من المؤكد أن الوقت قد حان لنستمع إلى ما لا يسرنا من قول، لنقف وكل من ساهم فى هذا التشويه بعدها أمام مرآة مواجهة الذات، نعرى حقيقتنا الفكرية والسياسة أيضا، نقف طويلا أمام عوراتنا الثقافية والعمرانية، التى يصفها غريب بحسرة وربما بكراهية ـ ولكن بوضوح ـ أنها التى قادت إلى هزيمته فى بعض المعارك العمرانية التى خاض فيها كمسؤول عن الجهاز القومى للتنسيق الحضارى فى مصر، وكان على حد قوله : (كنت أظن وإن بعض الظن إثم، أن الجهاز سيساعد على الارتقاء بالعمران الذى بدأ تدهوره منذ سنوات طويلة قبل إنشاء الجهاز).
اسم الكتاب "معارك العمران" وهو شهادة سمير غريب الموثقة على بعض ما جرى للعمران فى مصر خلال تلك السنوات التى قضاهاـ كما قلت سابقاـ رئيسا للجهاز القومى للتنسيق الحضارى فى الفترة من ٢٠٠٤ـ ٢٠١٤، ويرى فيها غريب أنها شهادة موضوعية، لأنه التزم فيها برواية الأحداث، كما حدثت معه شخصيا وكان شاهدا عليها وعنده ما يؤكدها، لذا نكون مخطئين فى حق العمران المصرى وأنفسنا، إذا لم نقر ـ بحياد ـ ما كشفه لنا من أخطاء ـربما بغير حياد من وجهة نظر البعض ـ ونتداركها.
يبدأ غريب معاركه فى هذا الكتاب مع رئيسه المسئول عن الجهاز، برفضه للتوقيع على صرف أموال مشاريع تمت قبل تعيينه رئيسا للجهاز، مما أدى إلى إقالته لبعض الوقت ثم إلغاء الإقالة.
أما معركته الثانية، والتى يعتبرها غريب المعركة الأكبر من أجل الحفاظ على التراث وتحقيق التنسيق الحضارى فى مدينة الأقصر، وكانت معركة علنية شهدتها بلاط صاحبة الجلالة وبرامج التليفزيون والرأى العام، فشل فيها سمير غريب ـ كما يقول ـ لكنه شارك فى منع تنفيذ مشروع إقامة ميناء على النيل عند قرية "المريس" بالأقصر بمساعدة أساسية من أهالى القرية الشجعان، وبالاستناد إلى آراء علماء متخصصين أبدوا آراءهم أمام رئيس الوزراء وقتها دكتور أحمد نظيف.. كما يقول غريب.
مازلت أتابع معارك غريب، فجرت سطوره من جديد حزنى على هدم أحد قصرى اندراوس التوأم المجاورين لمعبد الأقصر ٧ يناير٢٠١٣، فأنا من عشاق هباب الزمن فوق المبانى وأعتبره يضفى قيمة وعتقا وجمالا، خاصة وقد عايش هذا القصر أحداث جمة عبر تاريخه، فقد استقبل فيه توفيق باشا اندراوس، وكان من قيادات حزب الوفد، سعد زغلول متحديا الحكومة منذ مائة عام، كما استضاف الشيخ محمد عبده ومصطفى النحاس باشا والامبراطور الإثيوبى هيلاسيلاسى وملوك بريطانيا وبلجيكا ورومانيا وأفراد من أسرة قيصر روسيا وغيرهم، وقد عاشت ابنتا يسى اندراوس فى القصرين المتجاورين بعد وفاة الشقيقين توفيق ويسى، وفضلا عن الطراز المعمارى للقصرين الذين استولى عليهما الحزب الوطنى السابق، فقد كانا يضمان مقتنيات نادرة، ورغم قرار اللجنة التى شكلت من جهاز التنسيق الحضارى، والذى يوضح القيمة المعمارية والتاريخية والأثرية لهذين القصرين، والذى انتهى أيضا إلى ضرورة عدم هدم أى منهما بل والحفاظ عليهما، إلا أنه تم هدم أحدهما وظل الآخر يقف إلى يومنا هذا متحسرا على أخيه التوأم الذى اغتيل فى خلسة من العهد السابق، كما اغتيلت الشقيقتان حفيدتا اندراوس معا اللتان انتقلتا للعيش داخله فى جريمة بشعة على يد مجهول بين جدرانه.
وكما فشل غريب فى الحفاظ على أحد قصور اندراوس الأثرية؛ وكذلك عدم إلغاء مشروع أبراج القلعة العالية المواجهة لقلعة صلاح الدين، واكتفاء القائمين على المشروع بتعديله فقط، لتبقى أبراج القلعة إلى يومنا هذا أطلالا لم تكتمل، شاهدة على عصر( ومن هنا أرفع صوتى للمسئولين ليوقفوا هذه المهزلة وغيرها وخاصة ونحن نعيش سياسة القضاء على العشوائيات فى ظل الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى أخذ على عاتقه إزالة كل العشوائيات من مصر).. أقول كما فشل غريب فى بعض معاركه التى امتلأت بها سطور كتاب يضم أكثر من ٣٦٠ صفحة، والمدعمة بالصور والوثائق والشهادات، إلا أنه نجح فى المعركة التى خاضها جهاز التنسيق الحضارى من أجل إزالة تشويه جراج ميدان رمسيس أمام محطة مصر بمساعدة الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء وقتها، كذلك نجح غريب بالتضامن مع سكان حى المعادى فى "معركة المعادى وحلوان" بإلغاء القرار الجمهورى رقم ١١٤ لسنه ٢٠٠٨ بإنشاء محافظة حلوان بشكل عام وضم حى المعادى إليها بشكل خاص، وعودة المعادى لحضن محافظة القاهرة تلبية لحق من حقوق الإنسان ألا يباغت بتحول مهم يتصل باستقراره وحياته بين عشية وضحاها.
الحقيقة أن هذه السطور لا تغطى كل المعارك التى خاضها غريب فى كتابه الاستثنائى، فتلك تحتاج للعديد من المقالات، ولكننى اكتفيت بما سبق كأمثلة موثقة لشهادة كاتب ومسئول عما جرى للعمران المصرى على امتداد عقد من الزمان.
همسة مسافرة
حينما يحس ابن المدينة بضغوط الحياة المعاصرة تكاد تكتم أنفاسه، فهذه المدينة تكون غابة من الوحوش البشرية.
«ديسموند موريس »
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...
لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...
للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...
ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...