خط ولون - حلمى التونى يفتح أبواب لوحاته للنساء فقط

مواويل العشق تزين النساء تنهل من أوردة الماضى وترتبط بشرايين الحاضر.. أغنيات من خط ولون.. عزف على لوحات مشدودة الأوتار.. نساء رشيقات يمارسن حياتهن بكل لطف وبساطة..

مواويل العشق تزين النساء تنهل من أوردة الماضى وترتبط بشرايين الحاضر.. أغنيات من خط ولون.. عزف على لوحات مشدودة الأوتار.. نساء رشيقات يمارسن حياتهن بكل لطف وبساطة.. يتزين بألوان صريحة، ويفتحن شبابيك الهوى للعاشقين. إنها نساء حلمى التونى.

ما إن أسمع بمعرض للفنان حلمى التونى حتى أجد روحى تهفو لرؤية جديده، فأنا أعرف خطابه الذى يحرك غريزتى البصرية للاستمتاع بالشكل المختلف الذى يقدمه للروح الشعبية وإن كانت نساء لوحاته من مستويات متمدينة، لكنها ترتبط بذكريات الماضى وتحن لطبيعتهن وإن لبسن أحدث الموديلات وصيحات الموضة. يكشف الفنان أسرارهن وأرتباطهن بغرائزهن فى التلقائية التى يمارسنها ويقوم بحرف الواقع بتقنياته التى تميز بها ببساطتها المفرطة فى اختصارات الخط واللون وتناوله للنور والظل بجرأة غير ملتزمة أحيانا، مستلهما من التراث الفرعونى والقبطى والإسلامى والشعبى. ولا أبالغ حين أقول إنه أحد الأسماء المهمة من الفنانين الذين تناولوا الحياة الشعبية واستلهم منها وتفاعل معها مثل عبدالهادى الجزار وحامد ندا وسيد عبدالرسول ومن الجيل الجديد عمر عبدالظاهر، كل بخطابه الخاص، وطريقة حرفه للواقع.

لا يمكن أن تضل أعمال التونى ما إن تعرفت عليها أول مرة. وجوه البنات المصريات بعيونهن الواسعة، وملابسهن الزاهية، واللاتى يبالغن فى التزين بطريقة شديدة الشعبية دون أن تستهجنهن لقدرة الفنان على صياغة رؤيته بتلقائية مأخوذة من تلقائية النساء وتنعكس عليهن لتكشف ما يحملن بقلوبهن البسيطة. إنه يغازل البعد الغريزى الكامن فى أعماق شخوصه من خلال الواقعية السحرية التى ترتبط بالروح وتخاطب المشاعر.

إن عالم حلمى التونى واحد لا يتغير حين يرسم لوحة، أو غلافا لنص أدبى، أو حتى حين يرسم للأطفال، إنه حريص على إنتاج عمل فنى مكتمل يعبر عن الحياة بحسابات جمالية فى الأساس، وتجد بلوحاته عددا من الرموز المتكررة مثل الهدهد رمز البلاهة فى العصور الوسطى، وكاشف السر فى الإسلام، والسمكة رمز المسيحية، ورمز الرزق والخير الوفير فى الإسلام بل فى كل العصور. أيضا يستلهم الوشم ورسوم الحج والزخارف من الفن الشعبى، كذلك البيضة الكونية والأهرامات، وغيرها من الرموز ذات الدلالات الخاصة والمركبة، والتى يقوم بتوظيفها برؤيته الثقافية التى تسهم فى تشكيل رؤية المتلقى.

يرى بعض النقاد أن الحالة الديكورية الخاصة بداخل الفنان جعلته يزين لوحاته ويزيد البهرجة فى الألوان، ويعتبرونه فنانا "تزينى" مما يقلل من قيمة العمل. وهذه رؤية لها كل تقدير ففى بعض أعماله يتأكد هذا الأمر. لكن الخطاب الشامل للفنان واضح لا يختلف عليه اثنان من قدرة الفنان على التأثير على الذائقة التشكيلية لدى المشاهد بأسلوب سهل، لكنه ينتقد التناقضات الموجودة بالمجتمع من خلال المرأة التى تخلط الحاضر بالماضى والمستويات الاجتماعية ببعضها بعشوائية تؤكد عدم الاستقرار والثبات، وربما عدم الفهم. إنه يصور الحالة المجتمعية بكل ما فيها من تناقضات وتداخلات وينحاز للغريزة البصرية عند المشاهد أكثر من انحيازه للتاريخ. وأعتقد أن هذا سبب اقتناء معظم أعماله من الجمهور بمجرد افتتاح معارضه.

الفنان حلمى التونى من مواليد محافظة بنى سويف 1934. تخرج فى الفنون الجميلة تخصص ديكور مسرحى عام 1958، ودرس فنون الزخرفة والديكور. تولى العديد من المناصب، وأقام العديد من المعارض سواء محلية أو دولية. عاش بالقاهرة وبيروت والتى كانت زيارته الفنية لها لمدة 3 سنوات. كما أن له مقتنيات لدى الكثير من الأشخاص فى مختلف دول العالم، ويقتنى متحف الفن المصرى الحديث العديد من لوحاته. يعتبر من أبرز الفنانين فى مجال تصميم الكتب فى العالم العربى. حصل على العديد من الجوائز المحلية والعالمية منها جائزة اليونيسيف عن ملصقه للعام الدولى للطفل 1979، جائزة معرض بيروت الدولى للكتاب لمدة ثلاث سنوات متتالية من عام 1977، فاز بميدالية معرض ليبرج الدولى لفن الكتاب الذى يقام مرة كل ست سنوات، و جائزة معرض بولونيا لكتاب الطفل 2002.

 


 	د. سامى البلشى

د. سامى البلشى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

​الأهراماتُ المقلوبةُ.. أخطارٌ تهددُ الوطنَ والمواطنَ

​المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...

ما وراءَ المُسيّرَة .. كيف وُئِدَ الانفِجار قبْل أن يُولد..؟

لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...

في مئويّة الصّوت وستّينيّة الضّوء.. "ماسبيرُو" والبعثُ الرّقمي لذاكرة الأُمّة

للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...

رحيلٌ يُورث الوحشة

ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...