فى الأسبوع الماضى نزلت مهرولة خشية التأخر على عملى، ووضعت مفتاح التشغيل بالسيارة، وقبل أن أبتعد عن البيت بضعة أمتار اكتشفت أننى قد نسيت هاتفى المحمول بالبيت.. وكان من
فى الأسبوع الماضى نزلت مهرولة خشية التأخر على عملى، ووضعت مفتاح التشغيل بالسيارة، وقبل أن أبتعد عن البيت بضعة أمتار اكتشفت أننى قد نسيت هاتفى المحمول بالبيت.. وكان من الممكن العودة لالتقاطه بسرعة، لكن فكرة شريرة لمعت فى رأسى ووجدتنى أبتسم وأنا أستمر فى الابتعاد عن البيت وكأننى أضمن صعوبة العودة لذلك «الكائن»، وقررت عدم اصطحابه وقضاء ساعات عملى بدونه، وبدأت أمنى نفسى بعدد من ساعات الراحة والهدوء من صخبه والعودة إلى الماضى القريب حيث لا هواتف محمولة.
وبدأت أتنبه إلى أن كل قائدى المركبات التى أمامى وحولى يتحدثون فى الهاتف أثناء القيادة التى يستخدمون فيها يداً واحدة!!
وصلت لمقر عملى «مجلة الإذاعة والتليفزيون» مبكرا ووجدتنى أحتاج إلى التواصل مع بعض الزملاء للاطمئنان على سير العمل، وتذكرت «فعلتى» فلم أتمكن، ولارتباطى كذلك بموعد مع زميلتى وصديقة عمرى التى تأخرت فى الوصول، وبدأت فى القلق والتوتر عندما طال الانتظار ولا أستطيع الاطمئنان عليها خاصة أن التأخير ليس من خصالها، ولا أدرى لماذا وجدت حرجاً شديداً فى أن أجرى مكالمة الاطمئنان تلك من جهاز إحدى زميلاتى حتى استبد بى القلق من أن يكون قد أصابها مكروه لا سمح الله.
ومرّ اليوم.. واكتشفت حاجتى إليه عشرات المرات. إلى هذا الحد صارت حياتنا مرهونة ومرتبطة ارتباطا وثيقا بذلك الكائن الصامت المزعج؟! وما إن وصلت إلى بيتى فى المساء نظرت إليه فى عتاب ومودة معا وهو يرقد بمكانه فى سلام خبيث، ففحصته فإذا بعشرات الاتصالات التى وردت إلىّ، فوضعته فى مكانه بنفس الهدوء وقررت أن أكمل يومى دون التعامل معه.
لقد اعتدنا على تلك الآلة واقتحامها لحياتنا وصارت تشاركنا كل شىء حتى غرف نومنا...ربما أكون وأبناء جيلى قد اعتدنا عليه لتنظيم أمور العمل والاطمئنان على الأبناء، وعلى أكثر تقدير زيارة الشبكة العنكبوتية لسبب أو لآخر، فهو يتمتع بمهارة فائقة ـ دون منازع - على سرقة الوقت وإهداره وتجده - الوقت - قد تسرب من بين أصابعك فى لا شىء.. وإن كنا لا ننكر أنه فى بعض الوقت أنيس وجليس، لكن مع الانتباه الشديد ووضع الحدود والقيود لتحديد إقامته.
المشكلة فى الأبناء والأحفاد - أقصد كل الأجيال التى تصغرنا - أنهم يعتمدون عليه اعتمادا كليا يكاد يصل إلى حد الالتصاق والاحتياج فى كل تفاصيل حياتهم حتى إنه يُعد المتهم الأول فى التفكك الأسرى الذى نعانيه، وصار يغنيهم عن مشاركة الأهل لجلسة دافئة يأنسون فيها إليهم ناظرين فيها إلى عيونهم، مكتفين بالتواصل من خلاله من أى مكان والاعتذار بالانشغال.. حتى الطفولة البريئة لم تسلم منه ممن لم تتجاوز أعمارهم عامها الثانى صاروا مهووسين به إلى درجة الإدمان.. وأسرى إلى درجة الانقياد.. ولا ندرى حجم المخاطر التى سيظهر له مزيد منها.. لكنه المصير التكنولوجى الحتمى الذى تسعى نحوه البشرية، مع أن الحياة بدونه تمنحنا اليسير من الهدوء النفسى والقليل من الوقت للتأمل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...
لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...
للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...
ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...