ترحال - السادات.. من دفتر طفلة بورسعيدية

الشمس حارة وملتهبة.. وكل ما في ذلك الشارع الطويل بالمدينة الساحلية الصغيرة "رأس البر"، كان يرتدي عباءة الحزن.. شرفات البيوت الصغيرة، وقد علقت الأعلام السوداء..

الشمس حارة وملتهبة.. وكل ما في ذلك الشارع الطويل بالمدينة الساحلية الصغيرة "رأس البر"، كان يرتدي عباءة الحزن.. شرفات البيوت الصغيرة، وقد علقت الأعلام السوداء.. الأرصفة المزدحمة ببكاء العابرين.. حتي صوت هدير الموج وزقزقة العصافير كان في ذلك اليوم باكيا حزينا، ولوهلة خُيل إلي الطفلة التي لا يتعدى عمرها الست سنوات، أن شارع( ١٠١) بامتداده من البحر، وحتي شاطئ النيل بالجربي، سيغمي عليه.. المارة، الأشجار، حدائق الورود البيضاء والحمراء أمام العشش الخوصية، وحتي المرأة الواقفة أمام عشتها، تمسك بوشاحها الأسود.. تصرخ: الوداع يا جمال!

ومازال الصوت الأجش ينطلق من كل مذياع ببيوت المدينة الصغيرة كاسطوانة مشروخة: (فقدت الجمهورية العربية المتحدة، وفقدت الأمة العربية، وفقدت  الإنسانية كلها؛ رجلا من أغلي الرجال، وأشجع الرجال وأخلص الرجال، هو الرئيس جمال عبدالناصر، الذي جاد بأنفاسه الأخيرة في الساعة السادسة والربع يوم الـ ٢٨ من سبتمبر ١٩٧٠..  بينما الطفلة ـ التي ولدت علي صوت المدافع والغارات في مدينتها الأم بورسعيد، وتربت علي حواديت الجدة عن كفاح الشعب البورسعيدي في الحرب العالمية الثانية، وبسالته في صد العدوان الثلاثي عن مصر عام ١٩٥٦ـ تقف الطفلة مذهولة بحزن طفولي برىء، بعدما أصبحت تعي تماما معني الموت، تسأل: هل يموت الرؤساء يا أمي؟ ولمن هذا الصوت الخشن في الراديو، هل هي الحرب؟

تقول الأم: الموت لا يستثني أحدا يا صغيرتي، وهذا صوت نائب الرئيس جمال عبدالناصر، اسمه محمد أنور السادات.ترتدي الأم السواد.. تسحب طفلتها من يدها الصغيرة، وتنطلق إلي الشارع الوداع يا جمال.. يتعالي صوت الأم وسط نواح النسوة في مظاهرة حداد تجوب الشارع الطويل، وتحس الطفلة بجسدها يرتعش لاسم الزعيم جمال عبدالناصر، وآلاف الأسئلة ترتجف علي فم الصغيرة، ومازال صوت "أنور السادات" ينطلق من كل مذياع ببيوت المدينة الساحلية الصغيرة، التي عاش فيها مهجرو مدن القناة الثلاث أكثر من سبع سنوات، بعد نكسة يونيو ١٩٦٧ وحرب الاستنزاف  ١٩٦٩.

هكذا كانت بداية معرفة الطفلة البورسعيدية بالرئيس الجديد محمد أنور السادات، وحينما قامت حرب أكتوبر ١٩٧٣، كانت خمس سنوات أضيفت إلي عمر الطفلة الصغيرة، ليصبح أنور السادات، هو فارس حلمها الذي سيعيد إليها حضن الأب، بلم الأسرة كلها في مدينتها الأم بورسعيد.

وتمر الأيام.. وتعلن الأخبار عن زيارة الرئيس أنور السادات إلي بورسعيد، تبكي الطفلة: أريد أن أقابل أنور السادات! تحت إلحاح يصطحب الأب طفلته عائدا الي بورسعيد،  لزيارة جدتها التي عادت من التهجير، لأنها مازالت تملك بيتا في بورسعيد، فيما دمر منزل الطفلة البورسعيدية بغارة إسرائيلية، ليضيع حلم العودة إلي المدينة الأم، فمن أين للأسرة بأموال لشراء منزل جديد!

بعيدا عن أعين العمة والجدة، تتسلل الطفلة هاربة بصحبة صديقة الطفولة التي عادت هي الأخري إلي مدينتها، لتتوجها إلي مبني محافظة بورسعيد، ومازال صوت الراديو في بيوت المدينه يصدح: اتجهت طائرة الرئيس محمد أنور السادات إلي بورسعيد أرض البطولات الخالدة، وتهبط الطائرة في مطار الجميل علي ساحل الأبيض المتوسط. وسط فرح شعبي بورسعيدي يتوجه الرئيس إلي مبني المحافظة ليلتقي مع الخبراء، والمختصين الذين يعاونونه لتطوير المجري الملاحي للقناة، يتابع معهم إنجاز هذا العمل الكبير، عمل كبير بدأ في المدينة الباسلة، وفي المياه التي ترقد تحت أقدامها من أجل الإعداد لاستئناف الملاحة بين وفي بحار ومحيطات العالم عبر القناة).

لم تستوعب الطفلة الصغيرة معني هذه العبارات الرنانة، ولم تستوعب أيضا حينما ذهبت إلي موقع الاحتفال أمام مبني المحافظة، أن التي تقف أمامها وسط الحشود تصافح الناس هي السيدة الجميلة "جيهان" حرم الرئيس محمد أنور السادات.

بفعل طفولي تركض الطفلتان باتجاه السيدة جيهان السادات، يستوقفهما رجال الأمن، ولكن جيهان السادات تشير إلي الرجال بأن يتركا الطفلتين، بحنان بالغ  تمد سيدة مصر الأولي يدها لتصافح الطفلة التي وقفت مشدوهة ترتعش في حضن السيدة جيهان التي ضمتها إلي صدرها، تسألها عن اسمها وصفها الدراسي: (اسمي وفاء..في الصف السادس الابتدائي).. هكذا ظلت الطفلة "وفاء"، لا تصدق ما حدث لها في ذلك اليوم، والذي ظل الأهل والأقرباء يحكون أحداثه لشهور طويلة.

وفي ظهر ذلك اليوم المجيد، تتذكر الطفلة وفاء؛ أن الرئيس أنور السادات توجه إلي حيث يعقد المؤتمر الشعبي في مدينة بورسعيد، كانت المدينة تواقة إلي اللقاء، شغوفا بأن تسمع من القائد حديث البناء والتعمير، وكانت هي شغوفا بالعودة لمنزلها الجديد، لقد أعد لهم السادات مشروعات تضع مدينتهم في مصاف المواني العالمية.

ففي ذلك اليوم الموافق 5 يونيو عام 1975، أعاد السادات افتتاح القناة للمرة الثانية، وأعيدت الملاحة لقناة السويس، وبدأ السادات الحفل بكلمات قائلا "إنني أتوجه إلى العالم كله، هذا هو شعب مصر وإرادته وقوته وصلابته، نفتتح اليوم الافتتاح الثاني لأحدث ما في العالم من تكنولوجيا وهي قناة السويس، باسم مصر أقول للعالم كله إننا نفتتح قناتنا شريانًا للرخاء والسلام والمحبة، بلا تفرقة أو عوائق".

وارتدى السادات في ذلك اليوم زي البحرية المصرية، وفي مظاهرة من السفن واللنشات التي ترفع علم جمهورية مصر العربية، أعاد افتتاح القناة، لتنعم مصر بخيراتها، ولتبدأ جولة جديدة من جولات تعميق القناة وتوسعتها، لتكون دائما جاهزة لاستقبال أعظم الناقلات والسفن.  لقد اختار السادات هذا اليوم ليمحُ ذكرى نكسة 1967، وإغلاق القناة لمدة 8 سنوات كاملة، وكأنما أراد أن يبعث للعالم كله برسالة واضحة بأن زمن الهزائم قد ولى، وأن مصر الأبية المنتصرة محت من واقعها ووجدانها وتاريخها كل أثر لهزيمة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي 1 يناير 1976 كان قرار الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي نص علي حق الامتياز في المعاملة الجمركية، ما تسبب في انتعاش اقتصادي بالمدينة، فالبضائع الواردة إلي المحافظة لا تفرض عليها رسوم جمركية أو رسوم مخفضة، لخلق منطقة حرة صناعية تصديرية تجارية تجلب الخير لأبناء بورسعيد، تعويضا لهم عن سنوات التهجير و تضحياتهم الباسلة عبر سنوات النضال مع المستعمر، وخصوصا أن بورسعيد قد احتضنت الرئيس السادات نفسه يوما من الأيام.  وكما قال أنور السادات: المنطقة الحرة..مكافأة لأهل بورسعيد علي ما قدموه وقدمه أبناء شعبها لمصر.

تمر السنوات وتكبر الطفلة لتلتحق شابة بجامعة عين شمس بالقاهرة وغربة أخري، ومع أول إجازة لها تقرر زيارة أهلها في بورسعيد، فرحة هي الصبية اختارت اللغة العبرية دراسة لتعرف عدوها.. هكذا نصحوها، مأخوذة الصبية بمشاهد ما تبقي من رؤوس صواريخ ودبابات وأشولة رمال تعلو المخابئ علي طول الطريق من الاسماعيلية وحتي بورسعيد ، تتذكر كيف كانت الطائرات الإسرائيلية تمطر موتا فوق بورسعيد ورأس البر ومدن القناة قبل أعوام قليلة، وكيف كانت سعيدة الحظ لأن زجاج بيتهم الذي طلاه والدها باللون الأزرق، فقط تحطم بينما انهارت بيوت كثير في بورسعيد، ولكن صوت دوي انفجار جاء من راديو الحافلة، يتقاطع مع ذاكرة الحرب في أذن الفتاة التي غادرت الطفولة والحرب والمدينة، حين كان المذيع ينقل احتفال مصر بذكري انتصار أكتوبر في ٦ أكتوبر ١٩٨١.

 ما الذي حدث في هذا الصباح المشؤوم ؟..عاد قلب الصبية ينبض خوفا؛ انقطع الإرسال،  ليعود المذيع ليعلن عن اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في يوم عرسه الاحتفالي بالنصر، علي أيدي الغدر، وأقول المشؤوم لمجرد أن الصبية يومها اكتشفت مستنقع الحقائق المروعة التي نغوص فيها، لتهرم ألف سنه.

وهكذا.. مات فارس حلم الطفلة البورسعيدية، ومع موته لم تعد المدينة حرة، أغلقت أبوابها بغضب "مبارك" المبالغ فيه علي مواطن لجأ إليه ليشتكي حاله،  ليقع صريع رصاص الحرس.

نبضة مسافرة

كل إنسان على وجه الأرض يستطيع أن يكون قصة وملحمة إنسانية

« محمد أنور السادات »

 

 


 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - الاتحاد قوة

زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...

بروح رياضية - إلغاء الدورى

تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..

حكايات عادية جداً : شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»

فقد بصره بسبب الجهل وطردته الجمعية الشرعية لسماعه القرآن من الراديو أبوه الصوفى تركه فريسة للجوع فى الحسين وحرمه من...

نحو الحرية- شبح الحرب على إيران

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية