خبر عجيب نشرته الصحف وتناقلته كل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى.. يقول: "مذيعة أطفال جمرك بورسعيد مهددة بعدم الظهور على الشاشة.. وإحالتها إلى اللجنتين
خبر عجيب نشرته الصحف وتناقلته كل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى.. يقول: "مذيعة أطفال جمرك بورسعيد مهددة بعدم الظهور على الشاشة.. وإحالتها إلى اللجنتين القانونية والتأديبية فى حالة ثبوت وجود مخالفات مهنية أو أخلاقية بالحلقة التى حاورت فيها طفل الجمرك أو المهرب الصغير".
لجنة قانونية وتأديبية فقط؟
اقتلوا هذه المذيعة أربع مرات، مرة عن كل طفل ومتهم.. اشنقوها أولا، ثم أعدموها بالرصاص، ثم انقلوها إلى الكرسى الكهربائى واصعقوها، ثم ضعوها مع ميكروفونها الذى ارتكبت به جريمة التشهير بالمهرب الصغير فى غرفة غاز، ثم مثلوا بجثتها فوق عربة مكشوفة تلفون بها الميادين العامة وأمام ماسبيرو، كى تكون عبرة لكل موظف يقوم بواجبه الذى أملى عليه من رب البيت الكبير، ودرسا لكل من تسول له نفسه أن يخاطب صبيا أقل من ١٨ سنة يمارس عملية التهريب وقام بتهريب سلعة أيا كان وزنها أو قيمتها بهذا الأسلوب الجارح الخارج عن القانون. كيف لهذه المذيعة أن تسأله مثلا: انت جيت من سوهاج إلى بورسعيد علشان تشتغل فى التهريب؟ كيف تتهمه بأنه "ناقم" على المجتمع، هذا الصبى الذى وصل إلى الصف الثانى من المرحلة الثانوية الفنية، ولا يعرف (مسكين) معنى ناقم، لكنه يعرف كيف يحرج ساويرس ويقول له: إيه يضمن لى انك هتوظفنى؟ كيف تطلب المذيعة من المهرب الصغير أن يعمل بمنطقه الاستثمار فى بورسعيد بمبلغ خمسين جنيها بالحلال وتجرح كبرياءه ورجولته، بدلا من أن يكسب ١٥٠ جنيها فى اليوم من التهريب غير القانونى؟
اخنقوها.. وهاتوا بكل رجال الأعمال ليرجموها، ويمنحوا الصبى المهرب البطل - الذى يعترف بأنه ابن عائلة ميسورة ويمارس التهريب من أجل إثبات «رجولته» لوالده والمجتمع فى بلدته بالصعيد ـ نيشانا ووظيفة ومرتبا مجزيا.. ألم تخالف تلك المذيعة القانون وتسجل مع "المجنى عليه" حوارا استفزازيا، نشر على موقع محافظة بورسعيد بأمر من المحافظ ذاته، الذى من المفروض أن يكون على علم بمدى مسئولية ذلك الفعل قانونيا طبقا لوظيفته ومنصبه، والذى اتهم بدوره المذيعة التى كلفها بهذا العمل بعد ذلك بعدم المهنية، ولم يكتف بذلك بل قام بتكريم المهرب الصغير، الذى فردت له القنوات مساحات ليواجه المذيعة ويعنفها وجها لوجه على فعلتها الشنعاء!
اقتلوا هذه المذيعة.. لأنها قامت باستجواب من دون الثامنة عشرة الذى يمارس التهريب مع سبق الإصرار والترصد، فيما هو مكبل بالكلبشات فى صحبة الأمن الذين سمحوا لها بالتسجيل حسب رغبة المحافظ.
هذه المذيعة مجرمة كبيرة..
إنها تذكرنا بما يجب أن تكون عليه أى "أم" يمكن أن تواجه مثل هذا الموقف.
اقتلوها.. إنها مذنبة بتهمة التحريض على عدم التهريب، والعمل فى منطقة الاستثمار بمبلغ بخس مقابل العمل بالتهريب بمبلغ مجزٍ.
إنها متهمة بالاندفاع فى الحوار واتهام الصبى بأنه "ناقم" على المجتمع الذى لا يوفر فرص عمل للشباب، إنها ضد إثبات الرجولة وتحقيق الذات.. ارجموها.. إنها بفعلها هذا واندفاعها جعلت الصبى يكشف بشاعة ما وصل إليه أولادنا وشبابنا من لامبالاة وأعمال ضد القانون تحت وطأة البطالة، وإن كان هذا الصبى الذى ما زال فى مرحلة الدراسة وابن الأسرة الصعيدية الميسورة الحال، لا يعد ممن يتعرضون للبطالة، فهو لا يعول عائلته مثلا.. وهناك آلاف الشباب من خريجى الجامعات الذين يفتحون بيوتا وينفقون على عائلات كاملة، يقفون بعربات الفول والساندويتشات فوق الأرصفة، ولا يمارسون عمليات التهريب فى جمارك بورسعيد.
أعدموا هذه المذيعة، لأنها بفعلتها تلك جعلت الصبى يتكلم عن المسكوت عنه، الذى يخجلنا جميعا. إنه باقترابه من أزقه بؤسنا فتح لنفسه بابا للرزق تكريما له على فعلته.
نعم عاقبوا المذيعة شر عقوبة.. مجلس تأديبى فقط لن يجدى!
أحرقوها فى أفران الغاز كى لا يبقى منها شىء.. لقد كانت صوتا خشنا فى أيامنا الدافئة الحنونة! كانت جسر المشاركه الوحيد لنعرف ماذا يدور فى عالم الحيتان الكبيرة! وحوارها الخارج عن القانون جعل المهرب الصغير يردم الهوة بيننا وبين هذا العالم المسكوت عنه.
لو كانت هذه المذيعة تحاور نفس الصبى ولم يتكلم هل كانوا سيكرمونه؟.. ألهذا الحد صار أكبر مسئولينا واسعى الصدر تجاه حقوق الصبية والأطفال؟!.. واسعى الصدر أمام صوت العامة، ومواقع التواصل الاجتماعى.. وضيقى الصدر أمام الإعلاميين وتصرفاتهم الخارجة عن اللياقة والمهنية؟.. ولماذا لا تلقى مآسينا الحساسية نفسها؟ ولماذا هذا الموقف العدائى والتضحية بمذيعة كان واضحا صدق نيتها وعفويتها؟!
أعدموها وكرموا الصبى على فعلته وجرأته، واصنعوا منه قدوة وبطلا لأطفالنا وشبابنا؟
أتدرون ما هى البطولة الحقيقية التى تكرم؟! أقول لكم:
كنا صباح يوم فى باريس، صباح مثل كل صباح، الشاب الأفريقى "مامادو" من مالى، والمهاجر إلى فرنسا بشكل غير شرعى منذ سنوات يدور الشوارع بدون بطاقة هوية، يبحث عن عمل هنا وهناك، فاقد الأمل، فجأة يلمح طفل يتدلى من شرفة بناية بالدور الرابع، وبدون تفكيرتسلق بعفوية وفى ظرف ثلاثين ثانية فقط واجهة البناية الباريسية لإنقاذ الطفل، قبل أن ينجح فى بلوغ شرفة الشقة ويسحبه إلى الأعلى، فيما باءت محاولات زوج يقطن فى الشقة المحاذية لسحب الطفل بالفشل.
وفى روايته للحادث، قال مامادو جاساما (22 عاما)، لوسائل الإعلام "رأيت جمعا من الناس يصرخون وسيارات تطلق أبواقها.. تسلقت المبنى وأحمد الله لأننى تمكنت من إنقاذه. لقد شعرت بخوف شديد ونقلت الطفل إلى غرفة المعيشة ورحت عندها أرتجف. لم أكن قادرا على الوقوف على رجلى واضطررت إلى الجلوس».
هذا هو الموقف البطولى الذى حظى بتكريم رسمى وشعبى فى فرنسا.. وعلى أثره استقبل الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون المواطن المالى فى قصر الإليزيه تكريما لما فعله، قائلا له: "لقد أصبحت مثالا، لأن ملايين من الناس شاهدوك، إذن من الطبيعى أن يكون الوطن وفيا تجاهك".. وقرر ماكرون تسوية أوراق المهاجر غير الشرعى مامادو تمهيدا لمنحه الجنسية الفرنسية، فى وقت تعالت فيه الدعوات من المواطنين وأيضاً من شخصيات سياسية لتسوية وضعه الإدارى، كما قال الناطق باسم الجمهورية بنجامين جريفو فى تغريدة على حسابه فى تويتر "مامادو جاساما تصرف بشكل بطولى، لإنقاذه فى باريس طفلا دون أن يفكر فى حياته هو.. هذه الشجاعة الكبيرة تمثل وفاء لقيم التضامن فى جمهوريتنا، ويجب أن تُفتح أمامها أبواب مجتمعنا الفرنسى".
أما وفاء للقيم فى مجتمعنا المصرى.. فلا تكتفوا بتكريم المهرب الصغير ومنحه وظيفه بمبلغ مجز مع تشديد على الوعد من رجل الأعمال الكبير، بل لا تكتفوا بمجلس تأديب للمذيعة التى شهرت به، لأنها على حد قولها كانت تريد أن تلقى الضوء على استغلال الحيتان الكبيرة للأطفال والصبية فى عمليات التهريب من بورسعيد.. اقتلوها رميا بالرصاص، علما بأننى لا أخفى عليكم أصبت بنوبة ضحك جراء سماعى خبر القبض على الصبى بتهمة تهريب سلع من بورسعيد، متسائلة: أما زالت هناك سلع فى بورسعيد يتم تهريبها؟..أما زالت بورسعيد منطقة حرة كما كانت فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى.. حين تعرضت بورسعيد لهجمة شرسة من المهربين من قرى وأقاليم مصرية أخرى، أقاموا فى بورسعيد، وبنوا عروشا وصروحا من عمليات التهريب، لتختلف بعد ذلك التركيبة الخاصة بالشعب البورسعيدى، ويختلط الحابل بالنابل لدرجة تاهت معها هوية أهل المدينة الأصليين الذين أبى معظمهم على نفسه المشاركة فى هذا المهرجان الكبير، مكتفين بوظائفهم وأعمالهم البسيطة والفرجة على الدخلاء الذين كونوا ثروات واستولوا على بلدهم الجميلة.
أقول لكم.. انزعوا الكلبشات من يد الصبى المهرب وزملائه فى هذه المهنة، وقيدوا بها يدى المذيعة المتهمة بجرم حوار الصبى، وأجلسوها على كرسى فى ميدان عام، وتعالوا نرقص حولها، فالجنون قد بلغ مداه!
نبضة مسافرة
« ليس هناك ظلم أشد هولا من الظلم الذى يمارس تحت حماية قناع القانون وباسم العدالة »
« دى مونتسكيو »
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...
ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...
فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...
(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...