ثمة أشخاص يمرون في الحياة كحدث، وثمة آخرون يتحولون إلى معنى. سلوى حجازي كانت من أولئك الذين يغادرون أجسادهم ويتركون أرواحهم تعمل في الزمن طويلًا بعدهم. أكثر من نصف قرن مرعلى رحيلها وما زالت صورتها تطفو على سطح الذاكرة العربية كأنها التُقطت بالأمس. كلما ظن الزمن أنه ابتعد عنها وجدها تنتظره في زاوية من شاشة قديمة أو بين صفحات ديوان أو في وجدان طفل صار شيخا وما زال يذكر "ماما سلوى". لم تمنحها الحياة سنوات كثيرة لكنها منحتها قدرة نادرة على الامتداد. بعض الأعمار تقاس بالسنوات وبعضها يقاس بالأثر. والأثر لا يعرف الحسابات.
استشهدت في الحادي والعشرين من فبراير عام 1973 فوق سماء سيناء، على متن الرحلة الليبية رقم 114، حين اخترق الصاروخ الإسرائيلي جسد الطائرة، فدخلت سلوى حجازي سجل الشهداء من باب لم تختره بنفسها، لكنه اختارها. وكأن القدر أراد أن يكتب خاتمة تليق بامرأة عاشت منحازة للحق والجمال والكلمة .وحين نتأمل سيرتها اليوم،د نكتشف أن رحلتها الحقيقية لم تبدأ من تلك اللحظة، هي سبقتها سنوات طويلة من البناء الهادئ.سلوى حجازي كانت واحدة من الوجوه المؤسسة للتلفزيون العربي. لم تكن مذيعة تظهر أمام الكاميرا وحسب، وإنما عقلًا ثقافيًا يشارك في تشكيل الوعي العام.
"بدأت مع نشرة الأخبار باللغة الفرنسية، ثم راحت ترسم ملامح تجربتها الخاصة عبر برامج أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية والإعلامية العربية؛ فقدمت «ريبورتاج» الذي فتح النوافذ على العالم، و«الفن والحياة» حيث التقت الثقافة بالحياة اليومية، و«سهرة الأصدقاء» التي منحت الحوار دفئه الإنساني، وصولًا إلى «عصافير الجنة» الذي تجاوز حدود كونه برنامج أطفال ليصبح مساحة كاملة لتربية الوجدان، حتى التصق اسمها في ذاكرة أجيال بلقبٍ لم تمنحه لها المؤسسات بقدر ما منحته لها المحبة ماما سلوىغير أن الشاشة لم تكن سوى وجه واحد من وجوه سلوى.كان هناك وجه آخر أكثر خفاءً. الشاعرة التي كانت تكتب بالفرنسية، وتترك في قصائدها أثر روح تتأمل العالم من مسافة مختلفة. لم يكن الشعر عندها هامشًا يجاور العمل الإعلامي، كان نبعا خفيا يغذي رؤيتها للعالم. أصدرت ديوان «أيام بلا نهاية»، و«ظلال وضوء»، وفيهما تتجلى روح تتأمل الوجود بقدر ما تعايشه. وقد لفتت تجربتها الشعرية أنظار المؤسسات الأدبية الفرنسية فنالت الميدالية الذهبية من أكاديمية الشعر الفرنسية عام 1964 ثم حصدت الميدالية الذهبية في مسابقة الشعر الفرنسي الدولية عام 1965 لتصبح واحدة من الأصوات العربية النادرة التي عبرت إلى فضاء ثقافي آخر دون أن تفقد هويتها أو حسها الإنساني. ومن يقرأ شعرها اليوم يشعر أنها كانت تنصت إلى ما وراء الأشياء؛ إلى ذلك الصوت الخافت الذي يختبئ خلف الضجيج.وربما لهذا السبب لم تكن محاوِرة عادية.كانت تعرف أن الإنسان لا يسكن تصريحاته، بل يسكن ما يخفيه عنها.لهذا سمعنا عبرها نزار قباني بطريقة مختلفة، ورأينا عبد الوهاب من زاوية أخرى واقتربنا من فيروز وبديع خيري ويوسف وهبي وأم كلثوم كما لو أنهم يتحدثون للمرة الأولى. كانت تمتلك موهبة نادرة؛ أن تجعل ضيفها ينسى الكاميرا، ثم ينسى نفسه قليلًا، فيكشف ما لم يكن ينوي كشفه.ولأنها كانت مثقفة حقيقية، لم تتعامل مع الشهرة بوصفها غاية. لم تكن من أصحاب الأصوات المرتفعة ولا من هواة الأضواء الصاخبة. كانت أقرب إلى النبع منه إلى الموجة. هادئة، عميقة، مستمرة. تدافع عن شجرة تقطع في شارع، وعن حصان أنهكه الحمل، وعن طفل يحتاج كلمة حانية. كانت ترى العالم بعين أم أكثر مما تراه بعين إعلامية. وربما لهذا لم يكن لقب "ماما سلوى" لقبًا إعلاميًا ناجحًا فحسب، بل توصيفًا دقيقًا لطبيعتها الإنسانية.اختارت أن يكون دورها الغرس.أن تزرع ولا تنتظر الحصاد.أن تمنح الأجيال الصغيرة ما يجعلها أكثر قدرة على الحلم.ولعل هذا ما يفسر بقاءها حتى اليوم. فالأجيال التي خاطبتها لم تنسها، والأطفال الذين كانوا عصافير الأمس صاروا شهودًا على أثرها.كانت أيضًا من أكثر الناس صرامة مع نفسها. لا تنتظر من يراجع عملها أو ينتقد أداءها. كانت تعود إلى برامجها بعين المشاهد والناقدة معًا، تفتش عن الهفوة الصغيرة، وتعيد النظر في التفاصيل، وكأن النجاح بالنسبة لها لم يكن محطة وصول، بل مسؤولية دائمة.وعنها كتب الشاعر الكبير صالح جودت كلمات موجعة ظل صداها يتردد عبر السنين، حين تحدث عن إحساسها الداخلي المبكر بأن الموت يقترب منها، رغم ابتسامتها الوادعة التي عرفها الملايين.لكن المدهش أن الموت لم ينتصر عليها.أخذ الجسد، وترك الحضور.أغلق الصفحة، وأبقى الحكاية مفتوحة.ربما أخطأ كثيرون حين اختزلوا سلوى حجازي في صورة المذيعة الجميلة التي رحلت مبكرًا. كانت أكبر من صورة، وأوسع من شاشة، وأبعد من حادثة مأساوية. كانت مشروعًا ثقافيًا متكاملًا إعلامية تعرف قيمة الكلمة، وشاعرة تؤمن بأن اللغة قادرة على ترميم ما تكسره الحياة، وإنسانة أدركت أن التأثير الحقيقي لا يصنعه الصخب، بل ذلك الضوء الهادئ الذي يظل معلقًا في الأرواح طويلًا بعد انطفاء المصابيحلهذا سلوى حجازي اليوم ليست مجرد إعلامية رائدة أو شاعرة موهوبة أو شهيدة حادثة مأساوية. هي أقرب لشاهد عيان على زمن كامل زمن كانت فيه الكلمة مسؤولية، والثقافة رسالة، والإعلام فعل بناء لا استعراض.نصف قرن مر وما زال مقعدها شاغرا. فبعض المقاعد لا تحمل أسماء أصحابها فقط إنما تحمل بصمتهم أيضا.وسلوى حجازي كانت من أولئك النادرين الذين يتركون بصمة لا يشبهها أحد
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أتمنى الترويج لبرامج ماسبيرو على السوشيال ميديا حققت حلم والدى بالعمل مذيعة.. وأفتخر أنى ابنة ماسبيرو
تقدم قنوات وإذاعات الهيئة الوطنية للإعلام بماسبيرو خطة برامجية لتغطية مباريات كأس العالم 2026 التي تقام في أمريكا والمكسيك وكندا...
في إطار خطة "عودة ماسبيرو" إلى ريادته ومكانته الإعلامية التي تليق بتاريخه العريق جاء انطلاق برنامج " من "ماسبيرو" ليكون...
ثمة أشخاص يمرون في الحياة كحدث، وثمة آخرون يتحولون إلى معنى. سلوى حجازي كانت من أولئك الذين يغادرون أجسادهم ويتركون...