فى اليوم العالمى لـ«القهوة» محمصة الغورية 200 سنة قهوة.. السادات وعادل إمام وأحمد السقا أشهر زبائنها محمصة طنطا 120 سنة من المزاج.. وأبرز روادها النقشبندى والحصرى ومصطفى إسماعيل وأم كلثوم
من أجمل ما أنجز الجنس البشرى، حتى بات إرثا للإنسانية، تعشق رائحته الأنوف، وتتوق إلى تذوقه القلوب، يتحدث لغة واحدة، وإن اختلفت اللهجات، فهناك من يعتبره رمزا للتحضر، وآخر للكرم، وثالث للضيافة.. كل حسب ثقافته ومزاجه، لكن الضمير الإنسانى استقر على أن هذا الإناء الصغير هو مصدر للسعادة.. عن فنجان القهوة نتحدث فى يومها العالمى.
فى رحلة البحث عن فنجان قهوة، يحمل رائحة وعبق التاريخ، قادتنى أقدامى إلى مكانين؛ الأول فى قلب القاهرة الفاطمية، ولا عجب، فالمكان سجل تاريخى يحمل بين طياته حكايات تتوارثها الأجيال، كما يتوارثون المهنة والمكان. فى إحدى حارات الغورية القديمة، حارة "الكحكيين"، والتى سميت بهذا الاسم لأنها كانت مكان صناعة الكحك فى العصر الفاطمى، وتغيرت بتغير الزمن، ولم يبق منها إلا اسمها، لكن هناك مكان احتفظ بنوع تجارته منذ مائتى سنة، ولم يغير اسمه أو نشاطه، مطحنة "بن الغورية".
عندما تدخل المكان تشعر بأن عقارب الزمن عادت للخلف، بسبب الاحتفاظ والعناية بشكل المكان؛ من أثاث قديم، وصور معلقة، بداية من الشيخ "عبد السلام البنان"، أول تاجر للبن ومؤسس المكان، مرورا بالأجيال التالية، وشهادات شكر من شخصيات مشهورة، حتى أطلق على البن الذى يقدمه هذا المكان "بن الرؤساء"، لأن رئاسة الجمهورية فى عهد الرئيس السادات ومبارك كانت تأخذ البن من الغورية.
المكان مجهز للضيافة، وتناول فنجان قهوة فى حضن التاريخ، فالفنجان فى المكان يشغل الحواس فى إطالة النظر إلى ديكورات المكان القديم، والصور التى لا تبدو ملامح أصحابها، ولكن كلها تكنى "بالبنان"، المكان يضم أدوات صناعة القهوة منذ تأسيس المطحنة، إضافة إلى ركن يضم أريكة وطاولة لاحتساء القهوة.
محمد البنان، ابن الجيل الخامس الذى يدير مطحنة بن الغورية يقول: المطحنة تأسست من حوالى مائتى سنة، وكما توارثناها، فإننا توارثنا حواديت المكان، فالأجداد كانوا حريصين على سرد الحكايات، بحيث يسلمها كل جيل للجيل الذى يليه، وكما حكوا لنا أن الجد الأكبر عبدالسلام البنان، وهذا لقب اكتسبه من تجارة البن، كان أول من أدخل تجارة البن فى القاهرة، وكان يوزع البن على التجار فى الأقليم، وكان لكل تاجر حصة محددة يتسلمها كل شهر، ثم جاءت فكرة إنشاء محمصة فى مكان البيع لتخدم تجار الوكالات الأخرى وتكون فى متناول يد المترددين على المكان، الذى كان سوقا كبيرا للتجارة. وبعدها جاءت فكرة إضافة بعض التوابل إلى البن، ليصبح ما نعرفه الآن بـ"البن المحوج". المكان يحتفظ بالطابع العثمانى منذ تأسيسه على يد الجد الأكبر، وله مرتادوه من ذواقة القهوة وكان أشهرهم الرئيس السادات، فى عهده كانت الرئاسة تأخذ البن المخصوص من مطحنة الغورية. والفنان عادل إمام يرسل من يأخذ له، وأحمد السقا والكابتن محمود الخطيب، وكثير من السائحين يأتون ليشربوا القهوة ويلتقطون صورا تذكارية، فهو مزار سياحى لا يقل فى أهميته عن الأماكن التى تقاربه فى عمر إنشائها.
من الغورية إلى طنطا، وفى رحاب المقام الأحمدى "سيدى احمد البدوى، فى شارع عتيق، يلفت الأنظار بالأسماء التى توجد على لافتات البيوت، يوجد منزل الشيخ الحصرى، وبعده بعدة أمتار لافتة منزل النقشبندى.
كان أول استفسار لى من الحاج "احمد شديد"، صاحب مطحنة "بن شديد": أهذه بيوت هؤلاء المشايخ أم هى للتبرك أم تشابه أسماء؟ فقال لى: أزيدك من الشعر بيتا منزل الشيخ على جمعة فى الحارة المجاورة، والشيخ مصطفى إسماعيل كان دائم المقام هنا، وسبب اجتماعهم فى هذا المكان هو دراستهم فى معهد طنطا الازهرى، ثم بقاؤهم وسكنهم فى رحاب السيد البدوى، وكلهم كانوا أئمة المسجد، وسمعت أن أم كلثوم كانت تأتى هنا، وتجلس مع المشايخ، وتأخذ البن الخاص بها من عندنا، والمطحنة من عمر المكان، فقد شهدت هؤلاء وهم طلبة، كانوا يأتون بحسب روايات الأب والجد ليحتسوا القهوة هنا، وياخذوا المونة الخاصة بهم من هذا المطحن، الذى لم يدخل التكنولوحيا فى عملية التحميص، فهى المطحنة الوحيدة على حد معرفتى التى مازالت تحتفظ بطريقة التحميص اليدوى، ولم تدخل أفران الغاز أو الكهرباء، فهى تعمل بالفخم، ولذلك مذاق البن هنا مختلف، أو بالأحرى هو المذاق الأصلى للبن القديم، مثل خبز الفرن البلدى القديم والأفران الحديثة، المطحنة القديمة التى نستخدمها تعمل بالفحم، وتأخذ وقتا أطول ومجهودا أكبر، فالبن يحمص على مهل، فيخرج الزيوت الطيارة التى تنعش حاسة الشم، وتؤهل حاسة التذوق للاستمتاع، وهو ما يفرق بين مطحنة وأخرى.
وعن طرق الغش التى انتشرت الآن بشكل لا يستطيع الكثيرون كشفه، فقام الحاج أحمد شديد بتجربة عملية، بأن وضع ملعقة بن وأوقد فيه النار فاشتعلت، بما يشبه البخور، وظلت مشتعلة حتى احترق البن تماما، وقال لى: البن المغشوش لا يشتعل وينطفئ بسرعة، اما الأصلى إذا اشتعل فلا ينطفئ حتى تحترق كل الكمية، وارتفاع أسعار التوابل جعل الغش طريقا للتربح، ولكن المطاحن التى تخاف على سمعتها، ولها تاريخ، لا تقدم أو تغامر بهذا الفعل، فاللعب فى مزاج العميل خطر جدا، وغش البن مثل غش الدواء، وأسوأ ما يضاف للبن فى طحنه هو الورد، لأنه يجعل القهوة "تكرف"، والمستكة يجب أن توضع بعد الطحن، لأنها تجعل البن مثل العجين ورطبا لو وضعناها أثناء الطحن، كل هذه أصول وقواعد تتوارثها المطاحن التى صنعت اسما، وهو ما يميز كل مطحنة عن الأخرى فيما يعرف بسر الصنعة.
طالما كانت القهوة عنوانا للضيافة والكرم، ورفض تناولها فى الذائقة الشعبية طريقة للعتاب والغضب من المضيف، فالمثل الشعبى "قهوتكم المشروبة ووشوشكم المقلوبة"، تعبير عن رفض تناول القهوة لعدم حسن المقابلة، كما وصل العشق للقهوة بأن قالوا "دلق القهوة خير"، وهو شىء من الغرابة وصل إلى حد التبرك بها، والفأل الحسن حتى فى وقوعها على الأرض. وهناك مثل آخر يقول "فوت رحلة مصر ولا تفوت قهوة العصر" وهو وقت الجلوس مع الأصدقاء فى حضور القهوة والحديث، وما ترخيه هذه الحبة من راحة، وتزيد من أواصر العلاقات الاجتماعية.
وللقهوة فى حياة الكتاب والشعراء مكانة الملهمة، ويأتى الشاعر محمود درويش على رأس هؤلاء الذين جعلوا من القهوة رمزا للوطن فى قصيدته الأشهر "قهوة أمى". وفى كتاباته النثرية كانت القهوة حاضرة بكلمات الغزل، فهى عنده: "القهوة الأولى يفسدها الكلام، فهى عذراء الصباح الصامت. القهوة لا تشرب على عجل، القهوة أخت الوقت، تحتسى على مهل، القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة، القهوة تأمل وتغلغل فى النفس، وفى الذاكرة، القهوة هى هذا الصمت الصباحى الباكر".
هذه الحبة قصرت المسافات بين الشعوب، وكانت لغة تواصل جعل لها اليونسكو يوما عالميا للاحتفال بها، وهو الأول من أكتوبر كل عام، فيا عاشقى القهوة هنيئا لكم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جميلة: الأمانة أفضل من مال قارون
أبو شوشة: تحميل الحماة وحدها مسئولية انهيار الحياة الزوجية يعد تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا طرابلسى: كثير من الأمهات يتدخلن بدافع...
فى اليوم العالمى لـ«القهوة» محمصة الغورية 200 سنة قهوة.. السادات وعادل إمام وأحمد السقا أشهر زبائنها محمصة طنطا 120 سنة...
مع انطلاق العام الدراسى الجديد، تواصل وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى تنفيذ خطة واسعة لتطوير المناهج الدراسية بمختلف الصفوف والمراحل...