أبو شوشة: تحميل الحماة وحدها مسئولية انهيار الحياة الزوجية يعد تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا طرابلسى: كثير من الأمهات يتدخلن بدافع الحب والخوف لكن النصيحة حين تتحول إلى سيطرة قد تؤدى إلى نتائج عكسية
منذ أربعينيات القرن الماضى، حضرت شخصية الحماة بقوة فى السينما المصرية، فتراوحت بين الأم الداعمة والمتدخلة فى الحياة الزوجية، كما جسدتها أفلام مثل «حماتى قنبلة ذرية» و«حماتى ملاك»، وظلت إفيهات مارى منيب، ومنها «اسألينى أنا مدوباهم اتنين»، عالقة فى الأذهان. وفيلم "صباح الخير زوجتى العزيزة" و"الشقة من حق الزوجة"، لكن يبقى السؤال: هل عكست الدراما الواقع أم كرّست صورة نمطية؟ فالحماة تظل جزءًا من الأسرة، بينما يرتبط استقرار الحياة الزوجية باحترام الخصوصية وحدود التدخل. ومع تسجيل 273 ألفًا و892 حالة طلاق فى مصر خلال عام 2024، وفق بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، يتجدد النقاش حول تأثير الأسرة الممتدة، ودور الحماة بين الدراما والواقع الذى ترصده نماذج حياتية...
قال زهير ستة، مهندس تقنى كهربائى وأحد الأزواج، إن تدخل حماته المستمر فى تفاصيل حياته الزوجية وتصميمها على فرض رأيها فى شئون ابنتها كان سببًا فى تصاعد الخلافات، ما جعله يشعر بتراجع دوره كزوج وغياب الخصوصية داخل أسرته، حتى أصبح يردد المثل الشعبى: "أعاشر إبليس ولا أعاشر حماة". وأكد أن المشكلة ليست فى وجود الحماة، بل فى تجاوز حدود التدخل.. وأضاف أن تدخل بعض أفراد العائلة قد يزيد الخلافات تعقيدًا ويقود إلى تفكك الأسرة، مشيرًا إلى أن بعض الآباء يشعرون بعدم الإنصاف بعد الطلاق، خاصة فيما يتعلق بالنفقة ورؤية الأبناء، بما يترك آثارًا نفسية واجتماعية على الجميع. ودعا إلى مراجعة آليات تنفيذ قوانين الأحوال الشخصية بما يحقق التوازن بين حقوق الأب والأم، ويضمن مصلحة الأطفال، مع تعزيز الحوار والوساطة الأسرية قبل الوصول إلى الطلاق حفاظًا على استقرار الأسرة.
من جانبه يذكر شريف سعيد –صيدلي- تفاصيل تجربته الزوجية بحسرة، مؤكدًا أن حياته مع زوجته بدأت بالحب والتفاهم، لكن تدخل أسرة الزوجة، خاصة والدتها، حوّل الخلافات إلى واقع دائم، حتى انتهى الزواج بالطلاق. ويضيف أن الألم الحقيقى لم يكن الانفصال، بل ابتعاده عن أبنائه، بعدما أصبحت لقاءاته بهم تقتصر على المحاكم، وتحولت مكالماتهم إلى طلبات مادية أكثر من كونها علاقة أبوية. ويختتم قائلًا: كنت أحلم بحياة مستقرة، لكن التدخلات غيّرت كل شيء، وأسأل الله أن يحفظ كل أسرة من خلافات تصل بها إلى نقطة لا عودة منها.
تروى كارما ياسر تجربتها قائلة: لم أتخيل يومًا أن تكون علاقتى بحماتى بهذه الصعوبة. كنت أظن أن الدراما تبالغ فى تصوير الحماة المتسلطة، لكن الواقع كان أكثر قسوة. فى بداية زواجى كانت حياتنا مستقرة، ثم بدأت حماتى تتدخل فى كل تفاصيل حياتنا، من القرارات اليومية إلى أسلوب المعيشة، حتى فقدنا خصوصيتنا، وتحولت تدخلاتها إلى سبب دائم للخلافات بينى وبين زوجى. ومع تراكم الضغوط شعرت أنه لم يعد قادرًا على اتخاذ قراره بنفسه، وانعكس ذلك على استقرارنا النفسى. حاولت الصبر حفاظًا على بيتى، لكن استمرار التدخلات وغياب الحدود بين الأسرة والحياة الزوجية دفعانى فى النهاية إلى الانفصال، بعدما أيقنت أن تدخل الآخرين قد يحول المودة إلى خلاف ويهدد استقرار أى أسرة.
عبير مجاهد -إحدى بائعات الذرة- قالت إن تدخل حماتها المستمر فى تفاصيل حياتها الزوجية كان سببًا فى تكرار الخلافات داخل المنزل، موضحة أن المشكلات تبدأ بأسباب بسيطة ثم تتفاقم بسبب التحريض وسوء الفهم. وأضافت أن حماتها كثيرًا ما تنتقدها وتحاول إثارة الخلاف بينها وبين زوجها، كما تشكك فى خروجها للعمل رغم سعيها لمساندة أسرتها. وأشارت إلى أن كون حماتها خالتها جعل الخلافات أكثر تعقيدًا، معتبرة أن زواج الأقارب قد يزيد المشكلات إذا غابت الحدود الواضحة بين الأسرتين، مؤكدة أن الحوار المباشر والاحترام بين الزوجين هما السبيل للحفاظ على استقرار الأسرة.
وقالت د. منال أبو شوشة استشارى الصحة النفسية والإرشاد الأسرى والزواجى، إن تحميل الحماة وحدها مسئولية انهيار الحياة الزوجية يعد تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا. فالدراسات النفسية تؤكد أن التدخلات الخارجية تتحول إلى أزمة عندما تغيب الحدود الواضحة بين الأسرة الجديدة والأسرة الأصلية، ويضعف التواصل والثقة بين الزوجين. كما تشير نظرية الأنظمة الأسرية لـ"موراى بوين" إلى أهمية استقلال الزوجين فى اتخاذ قراراتهما مع الحفاظ على علاقة قائمة على الاحترام مع الأهل.
وتوضح أن تدخل الأمهات لا يكون دائمًا بدافع السيطرة، بل قد ينطلق من الحب والخوف على الأبناء، إلا أن يصبح سلبيًا عندما يتحول إلى فرض للآراء أو انتهاك لخصوصية الحياة الزوجية. كما تحذر من "المثلثات الأسرية"، حيث يؤدى إشراك طرف ثالث فى الخلافات إلى تعقيدها واتساعها. وتؤكد أن الاستقرار الزوجى يبدأ من الداخل، عبر الحوار والثقة ووضع حدود صحية تضمن خصوصية الأسرة الجديدة، مع استمرار صلة الرحم والاحترام المتبادل، لتبقى الأسرة الممتدة مصدرًا للدعم لا سببًا للصراع.
وترى د. مودة محمد رجب استشارية صحة نفسية وإرشاد أسرى وتربوى أن الحموات أنواع حسب شخصيتها وسبب تدخلها بين الزوجين؛ يعنى مثلاً فى حماة شخصيتها فضولية متسلطة تحب تعرف كل حاجة فى حياة الزوجين حتى أبسط الأشياء مثلا أكلوا إيه النهارده راحوا فين بيعملوا إيه طول اليوم وهكذا، وهذا النوع من الحموات لا تقصد إيذاء الزوجين أو افتعال مشاكل بل هى فضولية فقط... هناك نوع آخر مثل الحماة التى تكون متعلقة تعلقا غير آمن بابنها أو بنتها لذلك لا تسمح لأحد بأن يأخذه منها كأنها تتملك ابنها وهذه غالبًا تتسبب فى مشكلة مع الزوجين بسبب مشاكل واضطرابات فى حياتها.. ايضا أنواع كثيرة من الحموات كل نوع له شخصيته ومشاكله وأسبابه النفسية، وطبعا كل نوع له طريقة تعامل مختلفة.
وتوضح د. حنان حمادى طرابلسى -طبيبة مختصة فى علم النفس الإيجابى ومستشارة علاقات زوجية- أن الحماة تقف بين الحب والتدخل، وأن حماية الأسرة تبدأ بالحكمة لا بالصراع، مستشهدة بقول الله تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.،وتؤكد أن دور الأم لا ينتهى بزواج أبنائها، لكنه يحتاج إلى حكمة جديدة؛ فالأم تستحق التقدير والعرفان، بينما تظل الحياة الزوجية لها خصوصيتها وقراراتها التى يجب أن يحددها الزوجان.
إن المشكلة ليست فى وجود الحماة، فليست كل حماة مصدر خلاف، كما أن أسباب المشكلات الزوجية لا تعود دائمًا إلى الأهل، بل قد تكون نتيجة ضعف الحوار أو غياب الحدود الواضحة منذ بداية الزواج.. وتشير إلى أن كثيرًا من الأمهات يتدخلن بدافع الحب والخوف، لكن النصيحة حين تتحول إلى سيطرة قد تؤدى إلى نتائج عكسية. فالأفضل أن تكون الحماة مصدر دعم واحتواء، لا طرفًا فى إدارة تفاصيل حياة أبنائها.
وتوجه رسالة إلى الحموات: كونى جسرًا يجمع ولا حاجزًا يفرق، امنحى أبناءك الثقة والمساحة لبناء حياتهم، فوجودك يجب أن يكون راحة وسندًا لا ضغطًا؛ كما توجه رسالة لكل زوجين: احترموا أهل بعضكم، واحفظوا خصوصية بيتكم، فالحكمة لا تعنى القطيعة، والاحترام لا يعنى السماح بالتدخل. تعلموا الحوار ووضع الحدود بأسلوب راقٍ، وابحثوا عن الحلول بدلا من البحث عن المخطئ، موجهة رسالتها بأن الزواج شراكة تقوم على المودة والرحمة، وأن الأسرة لا تُبنى بالصراع، بل بالكلمة الطيبة والتسامح، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. فالبيت الذى تُحفظ فيه الكرامة، تبقى فيه الرحمة.
من جانبها تشير د. نادية جمال الدين استشارى العلاقات الأسرية والإرشاد النفسى إلى أن الحموات لسن السبب الوحيد فى الأزمات الزوجية، فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما يغيب الحوار بين الزوجين وتختفى القدرة على وضع حدود واضحة للعلاقة مع الأسرة. وتؤكد أن تدخل الأهل ليس ظاهرة جديدة، لكن نجاح الزواج يرتبط بوعى الزوجين وقدرتهما على إدارة الخلافات واتخاذ قراراتهما بشكل مشترك بعيدًا عن تأثير أى طرف ثالث، كما توضح أن العلاقة الزوجية الناجحة تقوم على الاحترام والثقة والاتفاق منذ الخطوبة على أسلوب التعامل مع المشكلات، مشيرة إلى أن الخلافات البسيطة قد تتحول إلى أزمات عندما تدخل الأسرة بدافع الانحياز الطبيعى لأحد الطرفين، وتؤكد أن الحل ليس فى إقصاء دور الأهل، فهم مصدر دعم وخبرة، لكن يجب أن يكون اللجوء إليهم فى حدود ضيقة وبعد استنفاد الحوار بين الزوجين، مع بقاء القرار النهائى نابعًا من قناعتهما المشتركة. إلا أن المشكلة تتفاقم عندما يصبح أحد الزوجين أكثر ارتباطًا برأى والدته أو أسرته، فيتراجع الحوار داخل البيت وتضعف الثقة تدريجيًا. كما تحذر من اختزال أسباب الخلافات فى تدخل الحموات فقط، فهناك عوامل أخرى مثل الضغوط الاقتصادية، ومتطلبات الحياة، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعى، وضعف مهارات الحوار وتحمل المسئولية.
وتضيف أن أغلب تدخلات الأهل تكون بدافع الخوف والحرص على الأبناء، لكن الأزمة تحدث عندما يفقد الزوجان استقلاليتهما فى اتخاذ القرارات. فالحفاظ على الأسرة يبدأ بالوعى، والحدود الواضحة، والحوار الصادق بين الزوجين.
وتضيف د. هناء أبو مسلم، باحث ماجستير فى التربية الخاصة واستشارى علاقات أسرية وتعديل سلوك، أن عبارة "حماتى خربت بيتي" من أكثر الجمل تكرارًا فى عيادات الاستشارات الزوجية، لكنها تؤكد أن الحماة ليست دائمًا السبب الوحيد فى انهيار العلاقات، بل قد تكون أحيانًا جزءًا من مشكلة أعمق.
وتوضح أن تدخل الحماة لم يختفِ، لكنه أصبح أكثر تأثيرًا مع سرعة إيقاع الحياة وزيادة الضغوط النفسية والاقتصادية. فعندما يسمح الزوجان بدخول طرف ثالث فى تفاصيل حياتهما، تتحول العلاقة من شراكة بين اثنين إلى مساحة مفتوحة للتدخل، ما يؤدى إلى ضعف الثقة واتساع الخلافات، كما تشير إلى أن تدخل الحماة غالبًا يكون عرضًا وليس أصل المشكلة؛ فهناك عوامل أخرى مثل غياب النضج العاطفى، وضعف قدرة الزوجين على وضع حدود واضحة، ونقل أسرار البيت للخارج، وغياب الحوار بينهما، وتضيف أن دوافع تدخل بعض الأمهات قد تبدأ من الخوف والحرص والرغبة فى الحماية، لكنها قد تتحول دون وعى إلى رغبة فى السيطرة، خاصة عندما تجد الأم صعوبة فى تقبل استقلال أبنائها بعد الزواج.، وتؤكد أن الحل لا يكمن فى القطيعة أو الصدام، وإنما فى وضع حدود صحية وذكية؛ من خلال اتفاق الزوجين على الحفاظ على خصوصية بيتهما، وأن يتولى كل طرف مسئولية إدارة علاقته بأسرته بحكمة واحترام، كما تنصح بالتعامل مع الحماة بالتقدير والكلمة الطيبة، والاستماع للنصيحة دون أن يعنى ذلك تنفيذ كل ما يُقال، فاختيار ما يناسب حياة الزوجين يجب أن يظل قرارهما وحدهما. بأن البيوت تُبنى بالاحتواء والحكمة، فالحماة ليست عدوًا، بل أمًا تحتاج للشعور بالتقدير، وفى المقابل يحتاج الزوجان إلى الحفاظ على حقهما فى إدارة حياتهما باستقلالية وتوازن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جميلة: الأمانة أفضل من مال قارون
أبو شوشة: تحميل الحماة وحدها مسئولية انهيار الحياة الزوجية يعد تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا طرابلسى: كثير من الأمهات يتدخلن بدافع...
فى اليوم العالمى لـ«القهوة» محمصة الغورية 200 سنة قهوة.. السادات وعادل إمام وأحمد السقا أشهر زبائنها محمصة طنطا 120 سنة...
مع انطلاق العام الدراسى الجديد، تواصل وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى تنفيذ خطة واسعة لتطوير المناهج الدراسية بمختلف الصفوف والمراحل...