فى عام 1828 أصدر محمد على قرارًا بإنشائها باسم «الدفترخانة المصرية»
تبدأ فسحتنا اليوم من تجربة شخصية بسيطة، لكنها أخذتني إلى قلب تاريخ مصر الحديثة. كانت البداية عندما احتجت إلى استخراج وثيقة رسمية قديمة، تخص جدي لأبي، نصحني مسؤول في إحدى المصالح الحكومية، بعد الفشل في العثور عليها، بالتوجه إلى مكان عند قلعة صلاح الدين، يدعى "دار المحفوظات العمومية". وهناك، بين جدران ذلك المبنى العتيق وأوراقه الصفراء، لم أجد وثيقة جدي فحسب، بل وجدت ذاكرة الأمة بأكملها، ولذلك أخذكم معي في هذه الفسحة الاستثنائية، لنكتشف معا حكاية هذا الصرح الذي يحفظ تاريخ المصريين وأنسابهم وأملاكهم ورسائلهم، عبر مئات السنين.
تبدأ القصة التاريخية لتأسيس الدار في أوائل القرن التاسع عشر، وتحديدا في عهد مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا. في ذلك الوقت، كانت المعاملات الحكومية وسجلات الضرائب والأملاك تحفظ بطرق بدائية، موزعة بين دواوين الوالي ومنازل الموظفين والكتاب، مما يعرضها للتلف والضياع. وكانت الشرارة الحقيقية التي عجلت بفكرة التأسيس هي وقوع حريق كبير في القلعة عام 1820، التهم عددا كبيرا من الدفاتر والمستندات الرسمية، التي تدين بملكية الأراضي والضرائب، مما تسبب في إرباك شديد لإدارة الدولة المالية والإدارية.
أدرك محمد علي باشا، حينها، أن بناء دولة حديثة وقوية يتطلب أولا حماية وثائقها ومستنداتها في مكان واحد، آمن ومحصن. وفي عام 1828، أصدر أمرا بإنشاء صرح جديد يسمى "الدفترخانة المصرية"، والتي تعرف اليوم بدار المحفوظات العمومية. واختار الباشا موقعا استراتيجيا لبنائها، عند كورنيش القلعة في باب العزب، ليكون المبنى محصنا وقريبا من مقر الحكم والدواوين العسكرية، وليكون بعيدا عن أخطار فيضان النيل، الذي كان يهدد المباني في قلب القاهرة.
ولم تكن الدفترخانة المصرية مجرد مخزن للورق، بل كانت ثاني أقدم دار محفوظات وتوثيق حكومي في العالم بعد دار المحفوظات الوطنية الفرنسية. أنشئت الدار على طراز معماري متين وقوي للغاية، بجدران حجرية سميكة وخزائن خشبية متينة، ووضعت لها لوائح تنظيمية صارمة تحدد كيفية تسليم الدفاتر من المديريات والأقاليم إلى المقر الرئيسي بالقاهرة، واستحداث وظائف متخصصة، مثل أمين الدفترخانة، والمحررين، للتحقق من أصل كل مستند وتصنيفه، لتصبح الدار منذ لحظة إنشائها الخزانة التي تحفظ حقوق الدولة والمواطنين على حد سواء، وتتبع الدار حاليا مصلحة الضرائب العقارية، إحدى مصالح وزارة المالية.
وتحتوي على نحو 150 مليون مستند رسمي وبها مكتبة نادرة تضم 10833 كتابا وجامع معاهدات مصر أيام الدولة العثمانية و27500 خريطة نادرة لمصر والعالم.
خبايا الدفاتر العتيقة
يعد مبنى دار المحفوظات بالقلعة تحفة معمارية هندسية، صممت بأقصى درجات الصلابة والأمان، لتستمر عبر العصور. جرى تشييد المبنى من الحجر النحيت الصلب، بجدران سميكة جدا، يصل سمك بعضها إلى متر ونصف المتر، لعزل الحرارة والرطوبة وحماية الأوراق من الحريق.
يستقبلك باب خشبي أثري ضخم، مصنوع من الخشب الزان، والمصفح بالحديد، يعلوه مدخل عقدي، مستوحى من المعمار العثماني والمملوكي. يتكون المبنى من طابقين رئيسيين، يتوسطهما بهو كبير، وممرات واسعة تتوزع عليها القاعات. وتتميز الأسقف بأنها مبنية بنظام الأقبيات والمقرنصات الحجرية، لتتحمل الأوزان الهائلة لملايين الدفاتر والرفوف. وتضم الدار عدة أقسام رئيسية، مصممة وفق أساليب حفظ دقيقة. كذلك توجد المكتبة التاريخية الملحقة بدار المحفوظات، والتي تعد واحدة من أندر المكتبات المتخصصة في مصر، إذ أنشئت لتكون مرجعا مساندا للوثائق والدفاتر.
تضم المكتبة المئات من أمهات الكتب النادرة، والأطالس الجغرافية القديمة، والخرائط المساحية الأولى لمصر، إلى جانب المجموعات الكاملة لـ"الوقائع المصرية"، أول جريدة رسمية في الشرق الأوسط منذ عددها الأول الصادر عام 1828. كما يوجد بها سجلات القوانين والفرمانات. وتحتفظ المكتبة بالفرمانات الهيكلية الصادرة من الأستانة للولاة والخديويين، والأوامر العالية، والدساتير والقوانين المصرية المتعاقبة.
التجول داخل أروقة دار المحفوظات بالقلعة، يجعلك ترى أنك داخل خزينة ضخمة، تحفظ مدونات ومستندات لا تقدر بثمن، فالدار لا تضم مجرد أوراق قديمة، بل تحفظ بأدق تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمصريين على مدى قرنين من الزمان، وتتوزع محتويات الدار على قاعات وأقسام ضخمة، تضم ملايين الدفاتر والملفات والسجلات، التي تم ترتيبها وتصنيفها بنظام دقيق، يسهل الوصول إلى أي معلومة فيها.
من أهم وأبرز الكنوز التي تحتضنها الدار، سجلات ملكية الأراضي الزراعية والعقارات، هذه السجلات يرجع تاريخ بعضها إلى عصر محمد علي باشا، وتحديدًا مسح الأراضي الشهير عام 1813، وصولا إلى الصكوك الملكية والجمهورية. وتعد هذه الدفاتر المرجع الأول والأخير لإثبات ملكيات الأراضي والبيوت والمباني الأثرية، في مختلف محافظات وقرى مصر، حيث تسجل اسم المالك الأصلي، ومساحة الأرض وحدودها، والضرائب مربوطة عليها، وهو ما يحل آلاف النزاعات القضائية المعقدة حتى يومنا هذا.
تحتفظ الدار بأرشيف متكامل لسجلات المواليد والوفيات، وتعداد السكان، ففي قاعاتها دفاتر المواليد القديمة التي تسجل تاريخ ميلاد أجدادنا، وأسماء الآباء، والمهن، وأماكن الإقامة منذ بداية التنظيم الإداري الحديث في منتصف القرن التاسع عشر، إلى جانب دفاتر التعداد السكاني الشامل الذي أجرته مصر في سنوات كبرى، مثل تعداد عام 1882 وتعداد 1907، والتي تكشف عن طبيعة المجتمع المصري، وتوزيعه الجغرافي والمهني، في تلك العهود.
ولا تتوقف ثروة الدار عند الملكيات والأنساب، بل تمتاد لتشمل حسابات الحكومة ودواوين الدولة، إذ تضم دفاتر الميزانيات القديمة للوزارات، وسجلات معاشات كبار موظفي الدولة والضباط والعلماء، إضافة إلى قرارات التعيين الصادرة في العصور الخديوية والملكية. وتكتمل هذه الثروة الأرشيفية بمجموعة الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الشرعية والمختلطة، وهي سجلات توثق حصر التركات، وإعلامات الوراثة، وحالات الوقف الخيري والإهداءات، مما يجعل الدار بحق خزانة جامعة، تحكي كيف عاش المصريون وكيف أداروا حياتهم ودولتهم عبر العصور.
الأهمية البحثية والقومية
لا تقتصر أهمية دار المحفوظات العمومية على كونها أرشيفا حكوميا لتوثيق الأوراق الرسمية وحل النزاعات الإدارية، بل تعد واحدا من أهم المراكز التراثية والبحثية، التي تعتمد عليها حركة التدوين والتاريخ في مصر والشرق الأوسط. كل دفتر داخل هذه الدار يروي قصة إنسانية واجتماعية كاملة، فهو لا يعرض فقط أرقام وأسماء، بل يكشف طبيعة التحولات الاقتصادية والطبقية التي شهدها المجتمع المصري عبر العقود.
وبالنسبة للباحثين والمؤرخين، تعتبر الدار كنزا لا ينضب لإعداد الرسائل الجامعية والأبحاث التاريخية والاقتصادية، فمن خلال سجلاتها، يستطيع الباحث دراسة حركة تطور الملكية العقارية في قرى الصعيد والدلتا، أو تتبع تاريخ تأسيس المؤسسات الخدمية والصحية، أو تحليل التطور الديموغرافي والمهني للطبقة الوسطى المصرية في القرن التاسع عشر، كما تقدم وثائق المحاكم الشرعية لحصر التركات مادة غنية ومباشرة لدراسة تاريخ الأسر، وعادات الزواج والتجارة، وأنماط الحياة المعيشية في القاهرة والأقاليم.
وإلى جانب قيمتها العلمية، تلعب الدار دورا قوميا وحيويا في حفظ الأنساب والأملاك والهوية القومية، فكم من عائلة استطاعت إثبات جذورها وتاريخ أجدادها من خلال الرجوع إلى سجلات المواليد والوفيات العتيقة بها، وكم من قضايا استرداد أملاك وأوقاف خيرية حسمت بفضل مستند في دفتر يعود لعام 1850. ولهذا، تعتبر الدار الخط الدفاعي الأول لإثبات الحقوق التاريخية للدولة والمواطنين، وتؤكد بوضوح مدى دقة ووعي الإدارة المصرية منذ بداية عهدها الحديث. ومع تطور العلوم الأرشيفية، شهدت دار المحفوظات في السنوات الأخيرة جهودا كبيرة لتطوير آليات التوثيق بها، حيث يجري العمل على ترميم الدفاتر القديمة وحمايتها من التلف، وإدخال نظم الرقمنة، والمسح الضوئي لأمهات السجلات، لإنشاء أرشفة إلكترونية تضمن بقاء هذه الثروة الوثائقية للأجيال القادمة، وتسهل عملية البحث واستخراج المستندات للجمهور والباحثين، في وقت قياسي وبأعلى درجات الأمان.
إذا قادتك الظروف -مثلي- لاستخراج وثيقة قديمة، أو لإجراء بحث تاريخي داخل دار المحفوظات العمومية، ستجد أن الرحلة سهلة وميسرة للغاية، حيث تبدأ العملية بتقديم طلب رسمي في صالة استقبال المواطنين، يحدد نوع الوثيقة المطلوبة سواء شهادة ميلاد قديمة، إعلام وراثة، أو ملكية أرض، مع تقديم كافة البيانات المتوفرة لديك، مثل الاسم ثلاثيا، التاريخ التقريبي، واسم الناحية أو المحافظة، ثم يبحث الموظفون المختصون في الدفاتر المفهرسة لاستخراج أصل السجل، ثم يصرح للزائر بالحصول على صورة رسمية طبق الأصل، معتمدة ومختومة بختم الدولة.
تقع دار المحفوظات العمومية في منطقة ميدان القلعة، شارع باب العزب، بجوار كورنيش القلعة ومسجد السلطان حسن. ويمكن الوصول إليها بسهولة عبر وسائل النقل العام المتجهة إلى ميدان القلعة أو السيدة عائشة، أو بالنزول في محطة مترو الملك الصالح أو السيدة زينب، واستقلال سيارة أجرة صغيرة لدقائق معدودة حتى باب الدار. وتستقبل الدار المواطنين والباحثين يوميا من التاسعة صباحا وحتى الثانية ظهرا، فيما عدا يومي الجمعة والسبت والعطلات الرسمية.
الأوراق المطلوبة للحصول على الخدمات بداخل الدار: بطاقة الرقم القومي سارية، أي وثائق أو مستندات قديمة تساعد في الاستدلال على السجل المطلوب، وتوكيل رسمي في حال كان المتقدم ينوب عن أشخاص آخرين، في مسألة إثبات الملكيات أو إعلامات الوراثة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
من الشاشات الرقمية إلى قفص الاتهام.. كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل مسرح الجريمة والأدلة فى مصر؟
مشاركتى فى قوافل طبية لتخفيف آلام الفقراء ساهم فى فوزى باللقب
نحات المستقبل يعيد تشكيل الوجوه بالمجسمات والفن ثلاثى الأبعاد