أروقة النور.. حكاية «الكتبخانة» وحراس ذاكرة الأمة

حلم الطهطاوى وبوابات الخديو.. حين تأسست أول دار كتب فى الشرق أصدر الخديو أمره بتأسيس الكتبخانة الخديوية المصرية بناء على اقتراح وزير المعارف على باشا مبارك فى 1870 يتألف المبنى التاريخى من طابقين رئيسين صمما بعناية لفصل الحركة العامة عن أماكن حفظ الكتب والمخطوطات النادرة عام 1961 وُضع حجر الأساس للمبنى الجديد ل «دار الكتب والوثائق القومية » بمنطقة كورنيش النيل برملة بولاق.. لتطل الدار على نهر النيل الخالد

فسحة جديدة تنطلق هذه المرة نحو أعماق الفكر وذاكرة الورق.. فسحتنا اليوم بين أروقة شهدت ميلاد النهضة الثقافية لمصر والأمة العربية بأسرها.. نتجه اليوم نحو الكتبخانة الخديوية، هذا الصرح العريق الذى لم يكن عند إنشائه مجرد مكتبة تجمع الكتب بل كان خطوة حضارية أعلنت للعالم أن مصر تعيد بناء نهضتها الحديثة على أصول علمية مؤسسية منظمة.. إن الوقوف أمام تاريخ هذا المكان يملأ النفس بالفخر؛ فهنا استقرت أمهات الكتب، وهنا حفظت المصاحف المذهبة والمخطوطات النادرة التي كتبها كبار العلماء، لتصبح الكتبخانة أول مكتبة وطنية بمفهومها الحديث في الشرق الأوسط.

تبدأ القصة التاريخية لهذه الفسحة الفكرية في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا مع عودة بعثات العلم من أوروبا، حيث ظهرت لدى رائد التنوير رفاعة الطهطاوى فكرة إنشاء مكتبة عامة كبرى تجمع المخطوطات والكتب المبعثرة فى المساجد الكبرى، مثل الأزهر ومسجد ابن طولون والسيدة زينب، لحمايتها من الضياع والتلف، وظلت الفكرة تتردد في أوساط المثقفين حتى اعتلى الخديو إسماعيل عرش مصر وهو الذي سعى لتحديث العاصمة وتطوير مؤسساتها وفي الرابع والعشرين من سبتمبر عام ۱۸۷۰، أصدر الخديو أمره بتأسيس الكتبخانة الخديوية المصرية بناء على اقتراح وزير المعارف العظيم على باشا مبارك.

ولم تكن البداية فى مبنى باب الخلق الحالي، بل اتخذ للكتبخانة مقر أول فى الطابق الأرضى من سراى مصطفى فاضل باشا بالأزبكية وجمعت فيها الدفعة الأولى من أمهات الكتب والمخطوطات التي بلغت حينها نحو ثلاثين ألف مجلد، ضمت مصاحف نادرة وكتبا في الفلك والرياضيات والتاريخ والأدب وتولى إدارة الكتبخانة فى بدايتها عالم الآثار الألماني لودفيج شتيرن، الذى وضع أول نظام فهرسة وتبويب حديث للمكتبة على النمط الأوروبى المتقدم، لتبدأ الكتبخانة في فتح أبوابها للعلماء والطلاب، وتحتضن أولى حلقات النقاش العلمي التي شكلت ملامح الثقافة المصرية الحديثة.

ومع تزايد الإهداءات والكتب وضيق المقر الأول بمقتنياته، أصبح البحث عن مبنى جديد ومستقل أمرا ضروريا .. وفى نهاية القرن التاسع عشر، في عهد الخديو عباس حلمى الثانى، تقرر تشیید مبنى فخم مخصص للكتبخانة فى ميدان باب الخلق بقلب القاهرة ليجمع بين الكتبخانة ودار الآثار العربية - المتحف الإسلامي - حاليا ووضعت الحكومة حجر الأساس لهذا المبنى عام ۱۸۹۹، وصمم على طراز معماري إسلامي بأيدي المهندس المعماري ألفونس مانسكيلو وفي الأول من يناير عام ١٩٠٤ ، افتتح المبنى رسميا في حفل كبير وتغير اسم المؤسسة لاحقا إلى الدار السلطانية ثم دار الكتب المصرية فى العهد الملكي، لتبدأ عصرها الذهبى كمنارة للفكر والتراث.

حراس الفكر وأرباب الكتب

لا يمكننا أن نمضى في جولتنا داخل تاريخ الكتبخانة دون أن نتوقف أمام هؤلاء الرجال العظام الذين كرسوا حياتهم لحراسة هذا الكنز الفكرى الخالد؛ فالمكتبات لا تعيش بالكتب والرفوف وحدها، بل العقول التي تعكف على جمعها، وتبويبها، وحمايتها من تطاول السنين.. لقد تعاقب على إدارة الكتبخانة والعمل فيها نخبة من علماء مصر وأدبائها الذين تركوا بصمات واضحة في سجل الثقافة العربية، وكان من أبرزهم أحمد زكى باشا الملقب بـ شيخ العروبة، الذي بذل جهودا كبيرة في البحث عن المخطوطات العربية النادرة المتبددة في مكتبات أوروبا وإسطنبول، وقام بنسخها وإهدائها لدار الكتب لتكون المادة العلمية متاحة للجميع.

وفي هذه المسيرة الحافلة، يتجلى اسم العلامة أحمد تيمور باشا، أحد أكبر عاشقى الكتب والمخطوطات في تاريخنا المعاصر.. عاش تيمور باشا يبحث عن النسخ النادرة فى الفقه واللغة، والتاريخ، حتى نجح في تكوين مكتبة خاصة فريدة.. وقبل وفاته، أوصى بإهداء هذه الخزانة الثمينة بالكامل إلى دار الكتب المصرية، وهى المجموعة التي تعرف حتى اليوم بـ الخزانة التيمورية؛ إذ تضم آلاف المخطوطات والكتب النادرة التي لا توجد لها نسخة ثانية في العالم، وإلى جانب هذه القامة، أهدى علماء وأدباء آخرون مكتباتهم الخاصة للدار، مثل الشيخ محمد عبده، وأحمد فاروق باشا، لتتحول الكتبخانة إلى ملتقى الأثمن الخزائن الفكرية في البلد.

ومع امتداد سنوات القرن العشرين، أصبحت دار الكتب المصدر الأول لمشروعات التنوير والتحقيق العلمي فمن تحت سقفها خرجت أمهات الكتب المحققة، وعلى طاولاتها جلس عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين والشاعر أحمد شوقي، ومفكرون مثل عباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي، يقرأون في أمهات الكتب ويستخرجون كنوز التراث ليعيدوا نشرها للناس بصورة علمية دقيقة لم تكن الدار مجرد قاعة للمطالعة بل كانت مركزا فكريا حيا يصنع الثقافة ويضع قواعد التعامل مع النص التاريخي والمخطوط القديم.

ولم تسلم هذه المقتنيات الثمينة من المخاطر والأزمات التي مرت بها البلاد في فترة الحربين العالميتين والأحداث السياسية والعسكرية، جرى وضع خطط حاسمة لحماية أمهات المخطوطات والمصاحف المذهبة وتم تخزين أندر المقتنيات داخل صناديق خشبية محكمة، ونقلها إلى أماكن وآبار سرية آمنة تحت الأرض لضمان عدم تعرضها للتلف أو الدمار، هذه الجهود الصامتة التي بذلها أبناء الدار تعكس حجم الوعى والشغف الذي أداروا به هذا المرفق التنويري مؤكدين أن الكتاب فى مصر هو الروح الوطنية التي يحميها الأبناء لتبقى مشعل نور يضيء للعالم أجمع.

نوادر المخطوطات وخزائن الذهب

نخطو بأقدامنا داخل هذا المبنى التاريخي في ميدان باب الخلق بقلب القاهرة، حيث يلتقى جمال المعمار الإسلامي بهيبة المعرفة وصمت المخطوطات.. بمجرد اقترابك من المبنى، تستقبلك الواجهة الضخمة المبنية من الحجر الصلب، والتي تتزين بالنوافذ المزدوجة والأشكال الهندسية المستوحاة من العصرين المملوكي والفرعوني، ويعلوها شرفات ودلايات معمارية تمنحالمكان هيبة خاصة عند عبورك من الباب الرئيسي المصنوع من الخشب والحديد المشغول، تدخل إلى اليهو الرئيسى الشاهق يغمرك إحساس فورى بجمال المكان وعراقة تاريخه.

يتألف المبنى التاريخي من طابقين رئيسيين صمما بعناية الفصل الحركة العامة عن أماكن حفظ الكتب والمخطوطات النادرة في الطابق الأرضي، تتوزع قاعات القراءة الرئيسية، وتتزين أسقفها الخشبية بالنقوش والألوان وتنتشر في هذه القاعات طاولات القراءة المتينة والمقاعد الخشبية الكلاسيكية، تعلوها وحدات إضاءة برونزية تمنح المكان هدوءا كبيرا، كما يضم الطابق الأرضى خزائن زجاجية تعرض فيها أوائل المطبوعات التي خرجت من مطبعة بولاق التاريخية في عهد محمد على باشا بيتطها العربي العريض وأوراقها الكلاسيكية التي تحمل عبق التاريخ.

أما إذا صعدت درجات السلم الرخامي إلى الطابق الثاني فإنك تصل إلى القلب النابض للكتبخانة وبيت الكنوز الحقيقية حيث تقع قاعة المخطوطات والمصاحف النادرة، وهي قاعة محكمة الحراسة والتأمين مزودة باليات حديثة لضبط الحرارة والرطوبة لحماية الأوراق والجلود من التلف وفي هذه القاعة، يقف الزائر إجلالا أمام المصاحف المملوكية الضخمة المكتوبة بماء الذهب على رقوق الغزال والورق القديم، والتي تتميز ببراعة الخط العربي والزخارف الذهبية على الهوامش والفواصل، وفى مقدمتها المصاحف المنسوبة للسلاطين المماليك مثل برقوق وقايتباي.

وفي الجناح المجاور بالطابق الثاني، تستقبلك الخزانة التيمورية وخزانة أحمد زكي باشا، وهما قاعتان تحافظان على طابعهما المكتبى الأثري، تتراص على أرففها الخشبية العالية آلاف المخطوطات في علوم الفلك، والطب والجغرافيا والتاريخ، ومن بين أندر هذه المقتنيات مخطوطات بخط يد كبار العلماء والمفكرين مثل أجزاء أصلية من مؤلفات ابن خلدون ومخطوطات في الطب لأبي بكر الرازي و ابن سينا إلى جانب أطلسيات جغرافية وخرائط قديمة رس...مها الإدريسي والمقريزي والعديد من البرديات العربية واليونانية النادرة التي جعلت من المبنى مقصدا رئيسيا للباحثين والمؤرخين من مختلف دول العالم.

الشريان الجديد على ضفاف النيل

مع اتساع الحركة الفكرية والبحثية في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتزايد أعداد الكتب المودعة والرسائل الجامعية والمطبوعات الحديثة حتى ضاق بها مبنى باب الخلق التاريخي، أصبحت الحاجة ملحة لبناء صرح جديد وعصري يستوعب هذا الامتداد المعرفي الكبير وفي عام ١٩٦١، وضع حجر الأساس المبنى الجديد لـ "دار الكتب والوثائق القومية" بمنطقة كورنيش النيل برملة بولاق لتطل الدار على نهر النيل الخالد الذي كان دائما الشريان الحقيقي للحضارة المصرية، وافتتح هذا الصرح رسميا في نوفمبر عام ۱۹۷۷، ليكون مقرا رئيسيا يضم أحدث وسائل الحفظ والمعامل وقاعات المطالعة المتخصصة، بينما بقى مبنى باب الخلق التاريخي متحفا حيا ونواة مركزية التوادر المخطوطات والمسكوكات والبرديات.

ولم يتوقف هذا التطور عند حدود المباني الخرسانية. بل امتد ليشمل خطة رقمية وتكنولوجية شاملة لحماية هذا التراث العظيم. فقد شهدت دار الكتب والوثائق القومية مشروعا .... رقمنة المخطوطات والوثائق جرى خلاله تصوير ومسح ملايين الصفحات الأثرية والمصاحف النادرة بأحدث الماسحات الضوئية عالية الدقة، وتوفيرها على قواعد بيانات إلكترونية تتيح للباحثين الاطلاع عليها في ثوان معدودة دون الحاجة للمس الأوراق الأصلية شديدة الحساسية كما توجت هذه الجهود بتحديث شامل المعامل ترميم المخطوطات حيث يعمل الخبراء والأثريون على إنقاذ الأوراق التاريخية المتآكلة باستخدام تقنيات حديثة ومواد عضوية آمنة، ليجتمع العقل المصرى المعاصر مع تراث الأجداد في ملحمة صيانة وفخار لا تنتهى.

كيف يمكنك زيارة هذا الصرح التنويري الاستثنائي والتجول في أروقته؟

أبواب الفكر مفتوحة دائما أمام الجميع .. يقع المبنى التاريخي للكتيخانة في ميدان باب الخلق بقلب القاهرة بجوار المتحف الإسلامي، بينما يقع المبنى الحديث بكورنيش النيل بمنطقة رملة بولاق بالقرب من شبرا وتستقبل الدار زوارها والباحثين يوميا من الساعة التاسعة صباحا وحتى الساعة الثالثة عصرا، فيما عدا يومي الجمعة والسبت والعطلات الرسمية، وتتيح الدار استخراج اشتراكات سنوية وشهرية للباحثين والطلاب والجمهور العام بأسعار رمزية وتسهيلات بسيطة تستخرج بموجب بطاقة الرقم القومي وصورتين شخصيتين لتفتح القاعات الكبرى للمطالعة والاطلاع على أمهات المطبوعات والرسائل العلمية.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

تقويم أسنان الأطفال.. ابتسامة وصحة وثقة بالنفس

التشوه يحدث لأسباب وراثية وسلوكية

أروقة النور.. حكاية «الكتبخانة» وحراس ذاكرة الأمة

حلم الطهطاوى وبوابات الخديو.. حين تأسست أول دار كتب فى الشرق أصدر الخديو أمره بتأسيس الكتبخانة الخديوية المصرية بناء على...

هندسة العقول في عصر الخوارزميات.. كيف تبرمج الشاشات حياتنا وتسرق انتباهنا

الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة نستخدمها، بل أصبح مخرجاً خفياً يتلاعب بسلوكياتنا ويصنع إدماننا الرقمي

أسباب «زلزال نتائج الثانوية العامة».. وأثرها على التنسيق الجامعى

زلطة: صدمة المتفوقين وأولياء أمورهم نتاج طبيعى ل «الإهمال الانتقائى» عبد العاطى: البرلمان لن يتهاون فى المحاباة أو الغش الجماعى