امتحانات الثانوية العامة تنتهى بزغاريد ورقص

حياة مرسى: الاحتفال قبل ظهور النتيجة تعبير عن التخلص من ضغط نفسى طويل

في مشهد يعكس حجم الضغوط النفسية التى عاشها طلاب الثانوية العامة وأسرهم طوال فترة الامتحانات، تحولت لحظة الخروج من اللجان إلى احتفالات بالرقص والزغاريد، قبل ظهور النتيجة ومعرفة حصيلة عام دراسي كامل. وبينما يرى البعض فى هذه المظاهر فرحة بانتهاء فترة شاقة، يفسرها آخرون باعتبارها محاولة طبيعية للتنفيس عن التوتر والقلق المتراكم واستعادة الشعور بالراحة بعد أشهر من الضغط، كما ترصد مجلة "الإذاعة والتليفزيون" من الهلع إلى الفرحة .. ماذا يحدث نفسيا واجتماعيًا لطلاب الثانوية بعد انتهاء الامتحانات ؟

من بين المواقف اللافتة التي عكست حالة الاحتفال بانتهاء امتحانات الثانوية العامة، ما رواه المترجم والشاعر الكبير عبد المقصود عبد الكريم عبر صفحته على «فيسبوك»، قائلا إنه سمع أصوات زغاريد في الشارع، فظن في البداية أن هناك مناسبة سعيدة، قبل أن يكتشف أن مجموعة من الفتيات وأمهاتهن يحتفلن بانتهاء الامتحانات.

ويرى الشاعر أن هذه المشاهد تعكس تحولا في طبيعة الاحتفال؛ إذ لم تعد الفرحة مرتبطة بالنتيجة فقط، بل أصبحت لدى كثير من الطلاب وأسرهم تعبيرًا عن انتهاء فترة طويلة من المذاكرة والامتحانات والقلق والانتظار.

وأكد أن المصريين يبتكرون دائمًا طرقا مختلفة للتعبير عن فرحتهم، متمنيا التوفيق لجميع الطلاب.

وتفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع هذه الاحتفالات، معتبرين أن الفرحة في جانب كبير منها تعبير عن التخلص من الضغوط النفسية التي عاشها الطلاب وأسرهم طوال فترة الامتحانات. وشبه بعضهم انتهاء الامتحانات بنهاية بطولة طويلة، فيما رأى آخرون أن الاحتفالات ليست سوى «تنفيسة» مؤقتة، يعقبها قلق جديد في انتظار ظهور النتيجة.

كما أشار عدد من أولياء الأمور إلى أن حجم الاحتفال يعكس، في جانب منه، شدة الضغوط النفسية المرتبطة بمرحلة الثانوية، ويفتح نقاشا أوسع حول تأثير نظام التعليم في الطلاب وأسرهم.

ومن بين المواقف التى تداولها رواد مواقع التواصل ما روته رباب عن اتصال بإحدى زميلاتها التي ذهبت لاستقبال ابنتها، لتخبرها بأن الشوارع امتلأت بالموسيقى والغناء وباقات الورد، متسائلة بدهشة: «إذا كان هذا الاحتفال كله بعد انتهاء الامتحانات، فماذا سيفعل الأهالي عندما تظهر النتيجة؟».

حياة محمد مرسى مدرسة جغرافيا: تقول إن مشاهد رقص بعض الطلاب واحتفالهم عقب خروجهم من لجان امتحانات الثانوية العامة قد تعكس، في بعض الحالات تغيرا في نظرة الطلاب إلى التعليم وما صاحب ذلك من تحولات نفسية واجتماعية وتربوية خلال السنوات الأخيرة.

وتوضح أن الاحتفال قبل ظهور النتيجة قد يفهم أحيانا باعتباره تعبيرا عن التخلص من ضغط نفسي طويل عاشه الطلاب وأسرهم، إلا أن بعض مظاهر الاحتفال المبالغ فيها قد تعكس أيضا حالة من عدم المسئولية أو الاستهتار لدى بعض الطلاب، خاصة مع اختلاف ردود الأفعال من أسرة إلى أخرى وفقا لاختلاف أنماط التربية والمستويات الاجتماعية والثقافية.. وتضيف أن التحول في سلوك الطلاب لا يمكن فصله عن التغيرات التي طرأت على منظومة التعليم والمجتمع السنوات الماضية، مشيرة إلى أن المعلم والتعليم كانا يتمتعان بهيبة أكبر فى بداية الألفية، كما كان الاعتماد على نظام الامتحانات المقالية بنسبة أكبر يفرض على الطالب قدرًا أكبر من المذاكرة والالتزام، بينما أسهمت محدودية انتشار الجامعات الخاصة وعدم قدرة كثير من الأسر على تحمل تكاليفها فى زيادة الضغط على الطلاب للحصول على مجموع مرتفع، كما ترى أن تغير طبيعة الامتحانات وانتشار وسائل الغش، رغم الجهود المبذولة للحد منها وتوقيع العقوبات على المخالفين، إلى جانب تراجع احترام بعض الطلاب للمعلم أو المراقب، كلها عوامل أثرت فى صورة العملية التعليمية وهيبتها لدى بعض الطلاب.

كما تشير حياة على المستوى الاجتماعي، إلى أن معايير التربية والمبادئ داخل بعض الأسر شهدت تغيرا ملحوظا خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، موضحة أن بعض السلوكيات التي كانت تعد في الماضي غير لائقة أو «عيبا» أصبحت اليوم تقدم أحيانا باعتبارها «تريند» ما يدفع بعض الشباب إلى تقليدها والانخراط فيها دون وعى كاف بحدود ما هو مقبول اجتماعيا أو مناسب للموقف، وتؤكد في الوقت نفسه أن اختلاف مظاهر الاحتفال بين الطلاب لا يعنى بالضرورة أن جميعهم يفتقدون الإحساس بالمسئولية، فبعض هذه المظاهر قد يكون تعبيرا تلقائيًا عن الفرح بانتهاء مرحلة طويلة من الضغط والقلق، بينما تظل المبالغة في السلوك أو تجاوز حدود الآداب العامة مرتبطة بعوامل متعددة، من بينها التربية الأسرية، وتأثير الأصدقاء والبيئة الاجتماعية وطبيعة الشخصية.

كما أوضحت دكتورة جهاد جمال معالج نفسي ولايف كوتش: أن احتفال طلاب الثانوية العامة عقب أداء الامتحان الأخير يمثل استجابة نفسية طبيعية للضغوط التي مروا بها طوال فترة الامتحانات، موضحة أن الإنسان عندما يقضى فترة طويلة في حالة من الضغط والتركيز والاستنفار يصبح جسده وعقله في حاجة إلى لحظة يشعر خلالها بانتهاء المهمة، وكان الرسالة الداخلية تقول: «خلاص، المهمة انتهت»، كما تؤكد أن هذا الاحتفال لا يعنى بالضرورة أن الطالب يضمن النتيجة أو يشعر بالاطمئنان الكامل بشأنها، لكنه يعكس حاجته إلى استعادة إحساسه بالحياة الطبيعية بعد شهور طويلة كانت معظم قراراته وتفاصيل يومه مرتبطة بالمذاكرة والامتحانات والقلق من المستقبل.

وتشير جهاد إلى أن طريقة التعبير عن الفرحة تختلف من طالب إلى آخر، وفقا لشخصيته، وطريقة تربيته وطبيعة الضغوط التي تعرض لها خلال الفترة الماضية فهناك من يفضل الخروج مع أصدقائه والاحتفال، بينما يختار آخرون النوم والراحة، وقد يفضل البعض العزلة لأن القلق بشأن النتيجة لا يزال حاضرًا لديهم. وتؤكد أن هذه الاستجابات المختلفة يمكن أن تكون طبيعية، طالما لم تتضمن سلوكا مؤذيًا أو يتجاوز حدود الآخرين.. بالنسبه أولياء الأمور، توضح أن كثيرًا منهم يظلون في حالة من «الانتظار»؛ إذ يرون أن رحلة الثانوية العامة لم تنته فعليا إلا بإعلان النتيجة، بينما يشعر الطالب بأن الجزء الأكبر من الرحلة الذي كان يملك السيطرة عليه قد انتهى، وأن النتيجة أصبحت خارج إرادته، وهو ما يدفعه إلى التقاط أنفاسه والبحث عن لحظة للراحة بعد فترة طويلة من الضغط.

وتضيف أن الإنسان قد يحتاج أحيانا إلى الاحتفال لأنه بذل أقصى ما لديه، وليس لأنه ضمن النتيجة مسبقا، موضحة أن تقدير الجهد والرحلة لا يقل أهمية عن الاحتفال بالنتائج، لأن ربط السعادة بالنتيجة وحدها قد يجعل الإنسان يتجاهل قيمة ما بذله من جهد وصبر ومثابرة.

من ناحية أخرى يقول دكتور أحمد حسين السهولي استشاري الصحة النفسية والأسرية: من المنظور النفسي مشهد فرحة طلاب الثانوية بعد فترة من الخوف و الضغط لا يفهم كـ ( قلة احترام ) بقدر ما يفهم كتنفيس انفعالی طبیعى بعد توتر طويل، فبالتالي تباعا الطالب حين ينتقل من الكبت والقلق إلى الشعور بالأمان وهو انتهاء العامل الضاغط عليه قد يعبر عن فرحته بطريقة جماعية صاخبة مثل التصفيق والطبل والرقص، وهي سلوكيات تعكس الحاجة إلى تفريغ الشحنة النفسية وإثبات الانتماء والنجاة من لحظة شديدة الحساسية لكن في الوقت نفسه، من المهم أن تنظم هذه الفرحة في إطار يحافظ على الذوق العام واحترام المكان والناس فالاحتفال ليس خطأ في ذاته، إنما المعيار الحقيقي هو كيفية التعبير عن ذلك الاحتفال ودورنا ككبار وأولياء أمور وتربويين ليس إدانة الفرح، بل احتواءه، وفهم أن بعض السلوكيات الصاخبة هي أحيانا لغة نفس كانت خائفة ثم اطمأنت...

كما أجد أن من منظور علم النفس والاجتماع التربوي فإن الاحتفال بعد انتهاء الثانوية العامة يحمل أكثر من معنى في الوقت نفسه ولا يمكن اختزاله في سبب واحد فهو أولا يمثل تنفيسا انفعاليا؛ إذ يخرج الطالب من أشهر طويلة من القلق والضغوط والخوف من الفشل والتوقعات المرتفعة، فتكون لحظة إعلان النتيجة بمثابة نهاية لحالة استنفار نفسى استمرت لفترة طويلة.

ويعود هذا الاختلاف إلى تباين الخبرات والأجيال وطرق التعبير عن المشاعر، وليس بالضرورة إلى اختلاف في قيمة الفرح نفسها؛ لذلك فإن الرسالة التربوية الأهم ليست منع الاحتفال، وإنما ترسيخ ثقافة الاحتفال المسئول بحيث يعبر الشباب عن سعادتهم بحرية، وفى الوقت نفسه يحافظون على احترام الآخرين والذوق العام والممتلكات العامة؛ فالتوازن بين التعبير عن المشاعر والالتزام بالمسئولية هو ما يعكس النضج النفسي والاجتماعي.

نوهت د. إلهام حلمى الشرباصي دكتوراه علم الاجتماع واستشارية أسرة وطفولة : إلى أن احتفال طلاب الثانوية العامة بعد انتهاء الامتحانات، رغم عدم ظهور النتيجة، هو أمر طبيعي جدا، لأنه يعبر عن شعورهم بالراحة بعد شهور طويلة من الضغط النفسي والخوف والقلق، فالاحتفال هنا ليس لأنهم ضمنوا النجاح، وإنما لأنه يمثل نهاية مرحلة صعبة بذلوا فيها جهدًا كبيرًا؛ كما أن هذه الاحتفالات أصبحت وسيلة يشارك بها

الطلاب فرحتهم مع أصدقائهم، ويصنعون ذكرى جميلة بعد رحلة دراسية شاقة، لكن في الوقت نفسه، يجب أن تكون الفرحة في إطار من الاحترام والالتزام بقيم المجتمع والآداب العامة، دون إزعاج الآخرين أو القيام بأي تصرفات غير لائقة.

أما اختلاف ردود أفعال الطلاب وأولياء الأمور فهو أمر طبیعی، فبعض الأسر ترى أن مجرد انتهاء الامتحانات يستحق الاحتفال، بينما يفضل آخرون انتظار النتيجة أولا، وفي النهاية، تظل الفرحة حقا لكل طالب، بشرط أن يعبر عنها بطريقة حضارية تعكس وعيه واحترامه للمجتمع.

كما أضاف د. سعد أبو نار دكتوراه في علم الاجتماع أن فرحة طلاب الثانوية العامة بعد انتهاء الامتحانات تأتى بوصفها رد فعل طبيعيًا على مرحلة طويلة من الضغط والقلق والاضطراب النفسي، مؤكدًا أن المصريين بطبيعتهم يميلون إلى صناعة البهجة والاحتفال الجماعي، حتى من أبسط المواقف.

ويشير إلى أن الفرح لدى المصريين ليس مجرد احتفال بالحدث، بل وسيلة للتعبير عن الصمود واستعادة الطاقة وبناء الروابط الاجتماعية، موضحًا أن المشاعر الإيجابية تساعد الإنسان على تعزيز قدرته على مواجهة الضغوط، بينما يخلق الاحتفال الجماعي شعورًا بالانتماء والتماسك، مؤكدا أن المبالغة في الفرح جزء من طبيعة المصريين وثقافتهم المتجذرة منذ آلاف السنين، قائلا إن المصريين يعيشون بقلوبهم؛ فعندما يفرحون يسعدون بقلوبهم، وعندما يحزنون يحزنون بصدق». لذلك، فإن فرحة الطلاب بعد انتهاء الامتحانات تعكس شعورًا جماعيا بالتحرر من الضغط، ورغبة في استعادة الحياة والاحتفال بعبور مرحلة صعبة.

 	انجى صبحى

انجى صبحى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

التفاصيل الكاملة لمواصفات الأسئلة وتوزيع الدرجات فى امتحانات الثانوية

المزيد من تحقيقات

امتحانات الثانوية العامة تنتهى بزغاريد ورقص

حياة مرسى: الاحتفال قبل ظهور النتيجة تعبير عن التخلص من ضغط نفسى طويل

التعليم الفنى التكنولوجى.. قاطرة الجمهورية الجديدة لتوطين الصناعة

خارطة طريق يرسمها الخبراء والمتخصصون.. د.مجدى حمزة: الدولة تنفذ خطة واضحة لتحويل جميع المدارس الفنية التقليدية لتكنولوجية حديثة د.عصام حجازى:...

روشتة نواب البرلمان لضمان نجاح الدعم النقدى

أجابوا على مخاوف المواطنين من المنظومة الجديدة.. محمد العكارى: المنظومة الجديدة تستهدف تقليل الهدر ومحاصرة فساد الدعم العينى أمير الجزار:...

من وابور الفحم إلى القطار الكهربائى.. 175 سنة س ح م

تعاقد الخديو عباس الأول مع المهندس البريطانى روبرت ستيفنسون لإنشاء مبنى السكة الحديد عام 1851 .. واستغرقت عملية البناء عامين...