الطريق إلى الله «5» الصبر قوة المؤمن حين يضعف الجميع

"الطريق إلى الله ليس مجرد كلمات أو سطور، بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله في حياة المسلم، وفهم غاية وجودنا. وممارسة العبادة بصدق وإخلاص. فهو دعوة للتأمل في النفس. والتفكر في الخلق، والتوجه القلبي والسلوكي نحو الله. لنعيش حياة تتسم بالسكينة. والطاعة، والقيم النبيلة.

 

أسعى في هذه السطور إلى إضاءة الطريق أمام القارئ نحو الإيمان الحق، والإخلاص في العبادة وذكر الله الذي يطمئن به القلب، والصلاة على النبي التي تزيد الروح صفاء وقربا من رب العالمين.

وإذ نخوض في هذا الطريق، نتذكر قول الله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (الرعد: (۲۸).

فكل خطوة في طريق الله تبدأ بالذكر، وتثمر بالقلب الطيب، والسلوك المستقيم، والنية الخالصة.

اسأل الله أن يجعل هذه السطور نورا يهدى القلوب وسبيلا للثبات على الحق، وأداة لتقوية العلاقة بين العبد وربه، وأن ينفع بها كل من يقرأها ويعمل بما فيها من تعاليم وقيم ...

الصبر من أعظم الخطوات في طريق العبد إلى الله وهو من أرفع مقامات الإيمان وأجلها قدرا. وليس الصبر مجرد تحمل للبلاء أو احتمال للألم، بل هو عبادة قلبية عظيمة، يظهر فيها صدق التوكل وكمال التسليم، وحسن الظن بالله.

فالصبر وسيلة لنيل رضا الله، ومفتاح لكل فرج فلا يكاد يفتح باب من أبواب الخير إلا وكان الصبر مفتاحه الأول. وقد بشر الله الصابرين بأعظم البشارات، فقال سبحانه

إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)....

وليس هذا فحسب، بل رفع قدرهم أكثر فقال:

وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)...

فالصابر في معية الله، ومحاط بمحبة الله، وهل بعد ذلك فضل ؟

ثم وعدهم الله بأجر عظيم لا يقاس، فقال:

إِنَّمَا يُوَفِّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)

أي أن أجرهم فوق كل تقدير، وعطاؤهم بلا حدود ولا حساب، وهذا يدل على عظمة هذه العبادة ورفعة مكانتها.

ولعل من أعظم ما يميز الصبر في القرآن أن الله كثيرا ما وصفه بأنه الصبر الجميل، فقال:

فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)

وقال أيضا:

فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا)

وهو الصبر الذى لا شكوى فيه للخلق، ولا تبرم فيه من القضاء، ولا يأس فيه من تأخر الفرج، بل هو صبر هادئ مطمئن يعلم صاحبه أن الله هو المدبر وأن كل أمر يجرى بحكمة.

وحين أمر الله بالصبر، قرنه بالاستعانة به سبحانه

فقال:

واصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ).

ليعلمنا أن الصبر الحقيقى لا يكون إلا بعون الله، وأن الصابر ليس وحده، بل هو في معية الله وتأييده.

وعند الابتلاء، بين الله حال الصابرين، فقال:

وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).

فهؤلاء هم الذين أدركوا حقيقة الدنيا، فسلموا أمرهم لله، واطمأنت قلوبهم بقضائه، فلم يجزعوا ولم يعترضوا، بل رجعوا إلى الله في كل حال.

والصبر ليس نوعًا واحدا، بل هو مراتب يجمعها معنى واحد، وهو الثبات مع الله. فهناك صبر على الطاعة، بأن يثبت العبد على عباداته مهما وجد من مشقة، وصبر عن المعصية، بأن يمنع نفسه مما لا يرضي الله، وصبر على البلاء، وهو أعلاها وأشدها، لأنه يأتي بغير اختيار الإنسان.

فالصابر يعيش مع الله فى كل حال، يرى تدبيره في البلاء، ويثق بحكمته فى التأخير، ويطمئن لوعده في الفرج. ولذلك فإن الصبر ليس ضعفا، بل هو قوة خفية، وثبات عظيم، ودليل على رسوخ الإيمان وعمق اليقين.

والصبر الجميل هو ثمرة هذا التسليم، وهو الدليل الحقيقي على قوة المؤمن، لأنه يعكس يقينا داخليا بأن الله هو المدبر، وأن كل تأخير وراءه حكمة، وكل بلاء وراءه عطاء، وأن الفرج قد يأتي في اللحظة التي لا يتوقعها العبد.

ومن هنا كان الصبر طريقا مختصرا إلى الله، لأنه يطهر القلب من الجزع، ويربطه بخالقه، ويملؤه طمأنينة وثقة في وعد الله. فكلما صبر العبد، ازداد قربا، وكلما ثبت، فتح الله له من أبواب الفرج ما لم يكن في الحسبان.

فإذا أراد المؤمن أن يسير إلى الله بثبات، فليتزود بالصبر، وليجاهد نفسه عليه، وليدع الله أن يرزقه الصبر الجميل، فإنه من أعظم العطايا، ومن أسرع الطرق إلى السكينة واليقين.

 	أحمد الحضري

أحمد الحضري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الطريق إلى الله «4» التسليم لله .. حين يتحرر القلب من الخلق ..!

المزيد من تحقيقات

حكاية «الكلب هول».. أول كابتن فى تاريخ البوليس المصرى

"فشر الكلب هول". ترفض الذائقة الشعبية التشبيه بالكلب، والراسخ فى المعتقد هو الحط من قدر الشخص وتوجيه أبشع الإهانات له...

التاريخ يتنفس من جديد.. سور مجرى العيون يفتح أبوابه للحياة

خطوة لتحويل القاهرة التاريخية إلى متحف مفتوح تأهيل المسار العلوى للمجرى المائى وتز ويد امتداد السور بأحدث تقنيات الإضاءة

رمضان أحمد.. من عامل فى مسجد إلى حاصل على الماجستير

ابن الأقصر عمل سائق ميكروباص لينفق على تعليمه

تسجيل الخطوط الهاتفية يكشف تطور العقيدة الرصدية للأجهزة الأمنية

من الشاشات الرقمية إلى قفص الاتهام.. كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل مسرح الجريمة والأدلة فى مصر؟