الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه الإعلامى المستقل ما أضعف الروابط المشتركة وقلص مساحات الحوار
في عالم افتراضی نابض بالحياة تتشابك الأصوات والصور والتفاعلات بلا حدود، يبدو كل شيء فيه حيا ومتصلا، لكن ما إن يحاول هذا العالم ان يمد يده إلى الواقع حتى يتوقف ذلك التفاعل فجأة ليكشف فجوة آخذة في الاتساع بين الإنسان وبيئته الحقيقية.
مع التغير اليومي في مفردات الإنترنت و ظهور مصطلحات
حديثة مثل "الذكاء الاصطناعي، الشات فيسبوك
إنستجرام، والعوالم الرقمية الموازية" نشأت أجيال جديدة
من رحم التكنولوجيا تواكب تحولات سريعة في شكل
الحياة ذاتها من شوارع وقرى ذكية إلى خدمات إلكترونية
تحل محل التعامل الإنساني المباشر.
غير أن هذا التقدم المتسارع لم يمر دون ثمن؛ فقد دفع الشباب - على وجه الخصوص - إلى الانسحاب تدريجيا نحو عالم الشاشات حيث باتت الأجهزة الإلكترونية وبرامج الذكاء الاصطناعى رفيقهم الدائم ومتنفسهم الأول.
ومع الإفراط في الاستخدام تحول هذا الاندماج إلى حالة أقرب إلى "التوحد الرقمى" أثرت سلبا على الصحة النفسية والاجتماعية وأضعفت الروابط الإنسانية داخل المجتمع.
ولم تكن الأسرة بمنأى عن هذا التحول إذ تسللت آثار هذا المرض الاجتماعى "الحديث إلى داخل البيوت فتحولت الجلسات العائلية إلى مشاهد صامتة كعقد انفرطت حباته كل فرد معتكف على جهازه الخاص فى عالمه الافتراضي بعيدا عن دفء التواصل الحقيقي.
اللا عودة
لا تدعم الإحصائيات الحديثة فرضية «العودة الجماعية» من العالم الرقمي إلى العالم الواقعى، بل تشير بوضوحإلى مسار مختلف عالم افتراضی یزداد تكاملا وكفاءة ويحظى بدرجة أعلى من الثقة لا سيما لدى فئة الشباب.
فبدلا من التخلى عن الإنترنت يعيد المستخدمون تعریف علاقتهم به وينتقلون من التصفح النشط القائم على البحث والنقر إلى الاستهلاك السلبى للمحتوى عبر الملخصات والإجابات الجاهزة التى تنتجها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتكشف دراسة أجرتها شركة ماكينزي في أغسطس ٢٠٢٥ أن ٤٤% من مستخدمى البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يفضلونه على البحث التقليدي، وهو ما يعكس ميلا متزايدا للبقاء داخل البيئة الافتراضية عند اتخاذ القرارات دون الحاجة إلى مغادرتها أو التفاعل مع مصادر متعددة.
كما تشير الإحصائيات إلى تحول جوهري في بنية الإنترنت نفسها، فتحسين محركات البحث" لم يختف لكنه تطور إلى ما يعرف بـ تحسين محركات البحث التوليدي"، أى السعى للظهور داخل ملخصات الذكاء الاصطناعي ذاتها بدلا من المنافسة على الظهور ضمن أول عشرة روابط زرقاء في نتائج البحث.
وفي هذا السياق تراجعت الزيارات التقليدية للمواقع الإلكترونية، بينما ازدادت أهمية العلامات التجارية الراسخة؛ إذ أظهرت البيانات أن المستخدمين باتوا يثقون أكثر بالمصادر المعروفة عندما يقدم الذكاء الاصطناعي الإجابات نيابة عنهم.
وعلى الرغم من انخفاض إجمالي عدد النقرات فإن الزيارات المتبقية أصبحت أعلى جودة وتؤدى إلى معدلات تفاعل وتحويل أكبر.
عزلة بلا ضجيج
وفقا لدراسات أجريت خلال عامی ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥ ارتفعت نسبة ما يعرف بعمليات البحث دون نقرات - أي حصول المستخدم على الإجابة مباشرة من صفحة البحث - من ٥٦% إلى %٦٩% خلال أقل من عام فيما تشير بعض التقديرات إلى أن نحو ٦٠% من عمليات البحث تنتهى اليوم دون أي نقرة.
وأظهرت كذلك دراسة منتصف ۲۰۲۵ أن ملخصات جوجل المدعومة بالذكاء الاصطناعى تسببت في انخفاض نقرات البحث بنسبة ٣٠ خلال عام واحد فقط مع تراجع نسبة النقر إلى الظهور لأعلى رابط عضوى بنسبة ٣٤,٥
وتصف بعض المواقع هذا الواقع بما يعرف بـ "مخططات التمساح"؛ حيث ترتفع مرات الظهور والرؤية بينما تتراجع الزيارات الفعلية بشكل حاد.
في موازاة ذلك تكتسب أدوات الذكاء الاصطناعي التفاعلية مثل تشات جی بی تی وبیر بليكسيتي شعبية متزايدة؛ حيث تتوقع شركة جارتنر انخفاض حجم البحث التقليدي بنسبة %٢٥% بحلول عام ٢٠٢٦ نتيجة الاعتماد المتزايد على وكلاء الذكاء الاصطناعي.
كما أكد مركز "بيو" للأبحاث في ٢٠٢٥ أن المستخدمين الذين يشاهدون ملخصات الذكاء الاصطناعي تقل احتمالية نقرهم على الروابط التقليدية إلى النصف تقريبا.
هذه الأرقام لا تعكس تحولا تقنيا فحسب بل تكشف عن تحول اجتماعي ونفسي أعمق؛ إذ يفضل الشباب البقاء داخل فضاء رقمى يوفر لهم إجابات سريعة وتفاعلا فوريا وشعورا زائفا بالاكتفاء على حساب التواصل الإنساني المباشر، وهو ما ينمى حالة العزلة والتوحد مع الأجهزة ويجعل العالم الافتراضي ليس بديلا مؤقتا عن الواقع بل واقعا موازيا أكثر إغراء وأقل تكلفة عاطفية.
وهنا لا تشير الإحصائيات إلى هجر جماعي للتكنولوجيا أو عودة واسعة إلى العالم الواقعي بل إلى واقع هجين تتداخل فيه الحياة الرقمية والمادية مع ميل متزايد للاعتماد على الذكاء الاصطناعي بوصفه "محرك إجابات" لا "وسيط بحث".
وبينما تتطور الأدوات تتراجع العلاقات الإنسانية وتتعمق عزلة الشباب في صمت رقمى لا تصدره الشاشات بل تعكسه.
بين الواقع والعالم الافتراضي
يتعامل جيل الشباب اليوم مع مفردات عصر ما بعد الحداثة حيث لم يعد العالم الواقعى هو المجال الوحيد التشكيل الوعى وبناء العلاقات بل أصبح العالم الافتراضي فضاء بديلا بل ومفضلا لدى كثيرين.
هذا الجيل الذي نشأ في قلب الثورة الرقمية بات يكرس حضوره داخل الشاشات في مقابل تراجع واضح في التواصل الإنساني والاجتماعي سواء داخل الأسرة أو في محيطه المجتمعى الأوسع لم يعد الشباب يتواصلون مع ذويهم كما في السابق، فكل فرد أصبح أسيرا للوحة المفاتيح أو شاشة الهاتف المحمول غارقا في عالمه الخاص بعيدا عن المشاركة الاجتماعية الفعلية في عالم بلا قيود أسرية ولا سلطة أبوية ولا أعراف اجتماعية يوفر لهم مساحة للهروب من ضغوط الواقع وإن كان ذلك على حساب العلاقات الإنسانية الحقيقية.
ومع هذا التحول تراجعت الزيارات العائلية وحلت الرسائل الإلكترونية محل اللقاءات المباشرة واختزلت المشاعر في كلمات سريعة ترسل خلال ثوان
وتجدر هنا الإشارة إلى دراسة مبكرة أجراها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري كشفت أن %۷۰% من الشباب يستخدمون الإنترنت من المنزل في دلالة واضحة على نمط استخدام فردی منعزل.
ورغم أن هذه الأرقام تعود إلى ما قبل الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي فإنها تكشف جذور أزمة لا تزال تتفاقم ظاهريا يعيش أفراد الأسرة تحت سقف واحد لكن عمليا نحن أمام ما يمكن تسميته بـ"الأسر المفككة رقميا" حيث يمتلك كل فرد وسائله الاتصالية الخاصة ومصادره المنفصلة للمعلومة والترفيه.
وهو ما أشار إليه الدكتور شريف درويش اللبان أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، مؤكدا أن تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه الإعلامي المستقل ما أضعف الروابط المشتركة وقلص مساحات الحوار.
ومع تطور الأدوات الرقمية خلال العقدين الأخيرين لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة تواصل بل تحول إلى بيئة حياة كاملة ...
ففي دراسة سويسرية حول إدمان الإنترنت تبين أن الاستخدام المكثف لمواقع التواصل وغرف الدردشة والمنصات الرقمية أدى إلى تقليص الوقت المخصص للأنشطة الاجتماعية وقطع الصلة بالعالم الواقعي ودفع المستخدمين للعيش في عالم افتراضي خيالي يفتقر إلى الوجود الحقيقي.
ويبرز مثال "الحياة الثانية " كدلالة صارخة على هذا التوجه حيث لجأ عدد من الشباب الخليجي إلى العيش داخل جزيرة افتراضية شهدت معدلات زيارة مرتفعة خلال فترة قصيرة.
في هذا القضاء الرقمي مارس الشباب أنشطة واحتفالات يعجزون عن ممارستها في الواقع في ظل القيود الاجتماعية والثقافية، وهو ما يكشف عن فجوة متزايدة بين الواقع المعيش والرغبات المكبوتة خاصة لدى الفتيات اللواتي شكان نسبة كبيرة من الزوار.
الخصوصية للأغراب
مفارقة أخرى تزيد من حدة العزلة تتمثل في أن الشباب وهم يتغلقون على أسرهم ينفتحون بشكل واسع على الغرباء عبر الإنترنت يشاركون تفاصيل حياتهم وصورهم ومعلوماتهم الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي بينما يضعون حدودا صارمة تمنع الأهل من الاقتراب من هذا العالم الرقمي الخاص.
هذه المساحة المحرمة" على الأسرة قد التضمن محتوى خطيرا من مواقع إباحية أو أفكار متطرفة أو سلوكيات منحرفة ما يفتح الباب أمام مخاطر نفسية وأخلاقية واجتماعية جسيمة.
وتشير تقارير بحثية إلى أن الأطفال والمراهقين قد يصلون إلى محتويات غير ملائمة عن طريق الخطأ أو غیر روابط مضللة فيما وثقت دراسات حالات استدراج المراهقين عبر غرف الدردشة التهت بأضرار جسدية ونفسية بالغة.
وتصق هذه الفجوة عوامل أخرى ابرزها تراجع دور مؤسسات التنشئة التقليدية - كالأسرة والمدرسة ودور العبادة - مقابل صعود مؤسسات رقمية أكثر قدرة على جذب الشباب
و تشير دراسة المعهد الوارف للدراسات الإنسانية إلى أن الفضائيات ومواقع الإنترنت تجحت في فرض منظومة قيم جديدة لتعلق بالمظهر والموسيقى ونمط الحياة ما خلق صداما ثقافيا داخل الأسرة ودفع الشباب إلى الاجتماء بعالمهم الخاص.
ويضاف إلى ذلك جهل كثير من الآباء بمفردات العصر الرقمي إذ أظهرت استطلاعات أن نسبة كبيرة من الأسر. تنظر إلى الإنترنت بوصفه أداة إيجابية فقط دون إدراك كامل التأثيراته السلبية أو لما يدور فعليا داخل عالم أبنائهم. الافتراضي.
كما ساهم ظهور لغة رقمية موازية" يستخدمها الشباب. في المحادثات الإلكترونية في تعزيز شعور الاغتراب وخلق حاجز القوي ونفسى بينهم وبين المجتمع، وهو ما فسره باحثون بأنه شكل من أشكال التمرد وتكوين هوية مستقلة بعيدا عن الرقابة الاجتماعية.
أمام هذا الواقع لم يعد السؤال المطروح هو هل تراجع التواصل الاجتماعي؟ بل... كيف يمكن إعادة بناء هذا التواصل في عصر لا يمكن فيه الغاء العالم الرقمي ؟ فالحلول التقليدية مثل شغل وقت الفراغ أو التحذير من مخاطر الإنترنت لبدو قاصرة عن معالجة أزمة معقدة ومتعددة الأبعاد
ما يحتاجه الشباب اليوم ليس الانفصال عن التكنولوجيا بل إعادة توجيه العلاقة معها من خلال فهم طبيعة الأدوات الرقمية وتأثير الذكاء الاصطناعي وبناء جسور تواصل حقيقية بين الأسرة والشباب داخل هذا العالم لا خارجه
فالعالم الافتراضي لم يعد هامنا الحياة بل جزءا أصيلا منها، والتحدى الحقيقي يكمن في ألا يتحول هذا الجزء إلى بديل كامل عن الإنسان والمجتمع.
المحرر : رباب سعفان
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل
الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...
فى كل أحواله تتعدد الحكايات وتختلف طرق احتفال المصريين به
تشير الدراسات أن المصريين احتفلوا بشم النسيم منذ 2700 سنة قبل الميلاد وكان اسمه فى اللغة المصرية القديمة «شمو» وتعنى...