الرقائق الإلكترونية ترسم ملامـح اقتصاد العالم الجديد

أشعلت حربًا «باردة» بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين عمرو صبحى: تايوان وحدها تنتج أكثر من 60% من الرقائق المتقدمة عالميًّا محمد عزام: من يمتلك هذه التكنولوجيا المتقدمة سيقود الاقتصاد العالمى إسلام شوقى: مجمع مصانـــع كــفر الشيــخ باستثمارات 4 مليارات جنيه.. وهـو الأول مــن نوعــه فى استخـــدام تكنولوجــيا التعــدين المتقدمة

"واشنطن تعتقل مواطنين صينيين لتهريبهما رقائق "إنفيديا" إلى بكين"، "نجاح باحثين صينيين فى تطوير رقائق ذكاء اصطناعى ضوئية قادرة نظريا على التفوق على معالجات الرسومات المتقدمة من "انفيديا" بأكثر من 100 ضعف من حيث السرعة وكفاءة استهلاك الطاقة فى مهام محددة بعينها". كل يوم خبر جديد عن اكتشاف يتفوق على سابقه فى مجال الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعى، أخبار متلاحقة عن تقنيات جديدة اكتشفتها الصين ومحاولات أمريكية لكبح جماح الماراثون الصينى لاستقطاب الجانب الشرق أسيوى المنتج للرقائق الإلكترونية، ودور تايوان - المُصنِع الأكبر لهذه التكنولوجيا -فى هذه الحرب، حيث تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، فى حين تعتبرها الصين جزءا منها، مما يشير إلى أننا سنشهد حربا من نوع جديد بين القوى العظمى لم يعهدها العالم من قبل هى حرب الرقائق الإلكترونية أو نفط المستقبل  كما يطلق عليها والتى باتت تمثل أمنا قوميا لهذه الدول.

من ناحية أخرى تسعى مصر لمواكبة التطورات العالمية فى هذا المجال لتوطين صناعة الرقائق الإلكترونية بها، خاصة أنها تحتوى على كنوز استراتيجية من الرمال البيضاء والسوداء والمعادن النادرة.

فى الموضوع التالى يكشف لنا المتخصصون أبعاد هذه الحرب التنافسية وإلى أين ستذهب بالعالم وخطة مصر لتوطين هذه التكنولوجيا خاصة بعد إنشاء المجلس الوطنى لتوطين تكنولوجيا تصنيع الرقائق الإلكترونية والخلايا الشمسية.

 هل باتت الرقائق الإلكترونية سلاح العصر الجديد؟

يقول الدكتور عمرو صبحى – خبير أمن المعلومات والتحول الرقمى: فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها العالم الرقمى، برزت قضية لم تكن فى دائرة الاهتمام العام قبل سنوات قليلة وهى "الرقائق الإلكترونية"، فجأة أصبحت هذه القطع الدقيقة محور صراع بين القوى العظمى، وسببًا فى توقف خطوط إنتاج السيارات، وعاملًا فى ارتفاع أسعار الأجهزة الذكية، لكن ما الذى جعل "الحرب على الرقائق" بهذا الشكل فى السنوات الأخيرة؟ وهل كانت موجودة من قبل تحت سطح الصراعات التكنولوجية الصامتة؟

يقول الخبير التكنولوجى: إنها لا تكمن فقط فى التقنية، بل فى الجغرافيا الاقتصادية والجيوسياسية. فرغم أن المنافسة على تصنيع أشباه الموصلات تمتد جذورها إلى عقود، فإن التسارع الحالى ناتج عن عوامل مركبة: تحوّل كل قطاع - من الرعاية الصحية إلى الدفاع - إلى نماذج تعتمد على معالجات متطورة، واعتماد الذكاء الاصطناعى على رقائق مخصصة عالية الأداء، فضلاً عن الصدمات المتكررة فى سلاسل التوريد العالمية وكان ذلك بسبب كورونا (Covid 19). كل ذلك حوّل الرقاقة من مكوّن تقنى إلى سلعة استراتيجية بامتياز.

ويعلّق خبير أمن المعلومات والتحول الرقمى: الرقائق الإلكترونية لم تعد مجرد عنصر داخل جهازك الذكى، بل أصبحت عملة اقتصادية وعسكرية جديدة. الدول التى لا تُدرك هذا التحوّل الآن، ستُجبر لاحقًا على دفع فاتورة باهظة من سيادتها الرقمية وصناعتها الوطنية. وعلى الدول العربية أن تستثمر فى بناء سلاسل توريد رقمية مرنة، وتنمية الكوادر فى هندسة أشباه الموصلات، حتى لو بدأنا من مراكز بحث وتطوير متواضعة. التحوّل الرقمى الحقيقى لا يبدأ بالتطبيقات، بل بالقدرة على صناعة الأدوات التى تُشغّل هذه التطبيقات".

ويضيف: "الجميع يتحدث عن الذكاء الاصطناعى، لكن قلة من يدركون أن وقوده الأساسى هو رقائق مصممة خصيصًا لهذا الغرض- مثل وحدات معالجة الموترات (TPUs) وهو معالج متخصص طورته شركة جوجل خصيصا لتسريع عمليات التعليم الآلى والذكاء الاصطناعى أو رقائق NVIDIA H100. من يتحكم فى إنتاج هذه الرقائق، يتحكم فى مستقبل الابتكار نفسه".

 إعادة تشكيل خريطة القوى الاقتصادية

يقول الدكتور صبحى: تايوان وحدها تنتج أكثر من 60% من الرقائق المتقدمة عالميًّا عبر شركة TSMC. وكوريا الجنوبية-من خلال سامسونج وSK Hynix—تسيطر على سوق الذاكرة. أما الولايات المتحدة، فقد أدركت متأخرة أن اعتمادها شبه الكلى على آسيا يشكّل ثغرة استراتيجية، فسارعت لإقرار قانون CHIPS بتمويل 52 مليار دولار لاستعادة جزء من سيادتها التصنيعية. وفى المقابل، تضخّ الصين أكثر من 150 مليار دولار فى محاولة لتجاوز الحصار التكنولوجى، رغم العقوبات الغربية.

و على صعيد المستهلك، وتأثير هذه الحرب على أسعار الهواتف المحمولة يوضح "صبحى" أن الأسعار تتأرجح بين عاملين، هما ارتفاع تكاليف الرقائق فى ظل الندرة، وانخفاضها بفعل الابتكار فى تقنيات التصنيع (مثل الانتقال إلى العُقد الأصغر: 3 نانومتر فما دون). ومع ذلك، لا يوجد ما يشير إلى أن العالم سيتجه للاستغناء عن الهواتف المحمولة- بل على العكس، ستزداد اندماجًا مع أنظمة ذكية تعتمد على رقائق أكثر تطورًا.

لكن السؤال الأهم يبقى: أين تقف مصر والدول العربية من هذا السباق؟

ويجيب: الحقيقة المؤلمة أننا لا ننتج رقاقة واحدة على أرض عربية. جهودنا تتركّز على الاستهلاك والدمج، لا على الابتكار أو التصنيع من المصدر. ورغم وجود مبادرات واعدة فى الإمارات والسعودية لبناء مراكز بحثية متخصصة، فإن غياب استراتيجية عربية موحدة-وميزانيات مستدامة-يجعلنا فى ذيل القائمة، وهذا لغلاء تكاليف تصنيع مثل هذه الرقائق، وأيضاً نقص الخبرات فى هذا المجال.

ويختتم الدكتور عمرو صبحى- تحذيره بقوله:  "التحول الرقمى الذى لا يستند إلى قدرة وطنية على فهم وتصميم المكوّنات الأساسية- مثل الرقائق- يظل هشًّا، قابلًا للانهيار بأى تغيّر فى السوق أو قرار جيوسياسى. الوقت ليس متأخرًا، لكنه يضيق، آمل أن نشهد قريبًا رقائق تحمل عبارة «صنع فى مصر»، وأنا على يقين بأن القيادة المصرية الحكيمة تدرك تمامًا البُعد الاستراتيجى لهذه الصناعة. إن الاستثمار فى صناعة أشباه الموصلات ليس خيارًا تقنيًّا فحسب، بل مسألة وطنية من أعلى درجات الأهمية.

فيما يؤكد محمد عزام خبير تكنولوجيا المعلومات: أن صناعة الرقائق الإلكترونية هى الصناعة الأهم فى القرن الحادى والعشرين، ويضيف: الرقائق الإلكترونية أو الإلكترونيات عامة هى العمود الفقرى لأى قطاع من القطاعات الإقتصادية؛ فهى المسئولة عن تشغيل الأجهزة المنزلية وحتى محطة الفضاء الدولية مرورا بصناعة السيارات والصناعات الدفاعية والزراعة والصناعات المتقدمة، فالإلكترونيات دخلت فى كل شىء حولنا وبدونه نعود إلى عصر الكهوف، فهذه الصناعة حجمها العالمى ٦٥٠ مليار دولار وهو رقم ضخم جدا ويرتفع حوالى ١٥% سنويا.

وفى عام ٢٠٢١ عندما حدثت أزمة عالمية فى صناعة الرقائق الإلكترونية اهتز العالم كله لأكثر من سبب، فقد أدت أزمة كورونا إلى ضغط على هذه الصناعة نتيجة زيادة حجم الطلب لأن الناس وقت جائحة كورونا مكثوا فى المنازل وكذلك الطلبة والموظفين وبالتالى احتاجوا أجهزة إلكترونية حتى يتمكنوا من إنجاز العمل والدراسة  والتعامل عن بعد، مما أدى إلى ضغط كبير على الطلب بشكل كبير، وفى نفس الوقت خرج مصنعان رئيسيان للرقائق الإلكترونية من الإنتاج، أحدهما فى تكساس نتيجة حريق، والثانى فى اليابان نتيجة عاصفة استوائية فأصبح العالم فى أزمة كبيرة وتضاعفت أسعار الإلكترونيات وتأخر تسليم الطلبيات الخاصة بالرقائق الإلكترونية، فمثلا صناعة السيارات أصبحت صناعة إلكترونية، فالسيارات التقليدية تعتمد على الإلكترونيات بنسبة  ٣٥ % على الأقل، وخسرت صناعة السيارات وحدها ٢٢٠ مليار دولار فى السنة؛ لأنها لم تتمكن من تصنيع ٧.٧ مليون سيارة نتيجة نقص الرقائق والمكونات الإلكترونية، وبالتالى أيقن العالم أن هناك خللا فى سلاسل الإمداد العالمية.

ويوضح "عزام" أن دول شرق آسيا تنتج ٦٠% على الأقل من صناعة الرقائق الإلكترونية نتكلم عن الصين وتايوان واليابان وكوريا، ودخل لاعبون جدد فى هذه الصناعة مثل فيتنام وكمبوديا والفلبين، والولايات المتحدة الأمريكية لا تنتج أكثر من ١٠%، فى حين أن سوقها ٨٠%، فبالتالى الحكومات بدأت تتدخل فى الموضوع وتضخ مبالغ مالية كبيرة جدا، فتم ضخ ما يزيد على ٥٠٠ مليار دولار على مدار عامين كنوع من التعويض لزيادة حجم الطلب وبناء مصانع جديدة لمواجهة زيادة الطلب ومعالجة النقص الذى حدث، فالولايات المتحدة الأمريكية وضعت مائة مليار دولار، أما الصين فوضعت مائتى مليار دولار، ووضعت اليابان وكوريا مائتى مليار دولار.

فالولايات المتحدة الأمريكية - وهى الاقتصاد الأول فى العالم - أيقنت أنها لابد أن تعيد توطين هذه الصناعة فى الولايات المتحدة، وهذا ما لمسناه فى أواخر عهد بايدن، والآن مع الرئيس ترامب فهو يجبر حتى الشركات الضخمة والكبيرة خارج الولايات المتحدة مثل سامسونج والشركة التايوانية لإنتاج أشباه الموصلات، كى يستثمروا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وأكد أنه لن تخرج هذه الصناعة من أمريكا، رغم أن الأمر ليس بهذه السهولة لأن المصنع الواحد من مصانع الرقائق الإلكترونية يستغرق بناؤه من سنتين إلى ثلاث سنوات، ويستغرق ستة أشهر لإنتاج رقيقة إلكترونية، كما أن تجهيزات مصنع الرقائق الإلكترونية معقدة جدا، ويحتاج استثمارات تتراوح بين ١٠ إلى ٢٠ مليار دولار حسب تعقيد نوعية الرقائق الإلكترونية التى ينتجها، فهى صناعة معقدة، ولذلك فالشركات المحكمة فى هذه الصناعة شركات ضخمة جدا  مثل انفيديا وسامسونج وهواوى وانتل والشركة التايوانية لصناعة أشباه الموصلات "تايوان سيميكوندوكتور مانوفاكتشورينغ"، وغيرها.

ويكمل: الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن الصين هى المنافس الحقيقى لها فى مجال الرقائق الإلكترونية، واقتصادها ينمو بدرجة كبيرة وحاليا هى الاقتصاد الثانى عالميا؛ فالصين قررت منذ عشر سنوات أن تتحول من اقتصاد قائم على التصنيع غير المعقد إلى أن تمتلك تكنولوجيات متقدمة جدا وعلى رأسها أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والكمبيوترات العملاقة والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعى والأجيال الجديدة من الإنترنت، فالصين بالنسبة لهم منافس كبير جدا. وإذا نظرنا إلى الرقائق الإلكترونية من الناحية الجيوسياسية سندرك أن جزءا من التوتر بين الصين وتايوان يرجع إلى أن التايوانيين يمتلكون تكنولوجيا متقدمة جدا قد تكون التكنولوجيا الأكثر تعقيدا فى صناعة أشباه الموصلات.

ويشير "عزام" إلى أن إجمالى إنتاج شرق آسيا من الرقائق الإلكترونية حوالى٦٠% وهو ما جعل دولا صغيرة مثل كمبوديا وفيتنام تدخل فى إنتاج الرقائق الإلكترونية وتوطين بعض الصناعات الإلكترونية فيها؛ لقربها من الصين واستخدامها كساحة خلفية بعيدا عن العقوبات الأمريكية على الصين ليبتعدوا عن الضغط الذى يمارسه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فيما يتعلق بصناعة أشباه الموصلات، ففى النهاية من يمتلك هذه الصناعة يمكنه التحكم فى  كل شىء.

ويلفت عزام إلى أهمية صناعة الرقائق الإلكترونية ويقول:- هذه الصناعة تنقسم إلى جزءين، جزء يتعلق بتصميم الإلكترونيات، فقد يصل عدد الترانزستورات فى الرقيقة الإلكترونية الواحدة إلى عشرة مليارات ترانزستور، وهو ما يوضح إلى أى مدى هذه الصناعة معقدة جدا، أما الجزء الثانى فيتعلق بالتصنيع وهو معقد أيضا ويحتاج استثمارات ضخمة جدا ووقتا لبدء التصنيع وكذلك مستويات عالية فى التصنيع، فعلى سبيل المثال  شركة "انفيديا"وهى أغنى شركة  فى العالم فى مجال الرقائق الإلكترونية اقتربت قيمتها التسويقية من خمسة تريليونات دولار، أصبحت أجهزتها ومعالجاتها هى المستخدمة فى خوارزميات ونماذج تعلم الذكاء الاصطناعى؛ وفى النهاية لن يتبرع أحد بالتكنولوجيا الفائقة للآخرين، فالرئيس ترامب صرح أنه يريد أن يوطن هذه التكنولوجيا والاستثمارات فى بلاده ويعلم أن هذا الأمر يتطلب سنوات، فهذه الصناعة تحتاج مهندسين وفنيين على درجة عالية من الكفاءة لبناء القوى العاملة فى هذه الصناعة.

ويؤكد "عزام" أن الصراع مستمر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، لأن من يمتلك هذه التكنولوجيا المتقدمة سيقود الاقتصاد العالمى، فالصين تنفق ما يفوق ٥٥٠ مليار دولار فى السنة على الأبحاث والتطوير، أما الأمريكان فينفقون حوالى ٧٥٠ مليار دولار فى السنة، فمن سينفق أكثر على الأبحاث والتطوير سيكون قادرا على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، وصناعة الإلكترونيات منها لكنها ليست الوحيدة؛ فهى تمتد إلى الحاسبات فائقة السرعة والأجيال الجديدة من الإنترنت  وتكنولوجيا النقل والفضاء، والتكنولوجيا الحيوية كلها مرتبطة ببعضها البعض؛ فالتطور فى الذكاء الاصطناعى يساعد التكنولوجيا الحيوية، والأخيرة مع الذكاء الاصطناعى تتطلب أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة وإنترنت مختلفا تماما ويتطلب تأمين معلومات، وعلوم المواد من الأشياء المهمة جدا.. لكى نصل إلى إلكترونيات ذات قدرات  مختلفة يحدث إعادة اكتشاف مواد جديدة، فعندما نضع عشرة مليار ترانزستور فى شريحة مساحتها ٢سم ×٢سم فهذا يعنى أننا نحتاج نوعا جديدا ومختلفا من المواد؛ إذن  البحث العلمى هو الذى يمكن أى دولة من امتلاك التكنولوجيا، وكل يوم نسمع عن تطور مرعب فوق التخيل فى موضوع الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعى وحجم الاستثمارات  فى هذا المجال فوق التخيل أيضا، والدول التى تمتلك تكنولوجيات متقدمة تدرك جيدا أن الاستثمار فى البحث العلمى هو سبيلها الوحيد لأن تصبح الأولى عالميا فى مجال تكنولوجيا الرقائق الإلكترونية، وبدون بحث علمى الدول التى لن تواكب التطور ستختفى.. 

ويشير محمد عزام خبير تكنولوجيا المعلومات إلى أن مصر لديها تجمع لصناعة أشباه الموصلات فيما يتعلق بالتصميم، وأن هناك شركات مصرية تعمل منذ أكثر من ثلاثين سنة فى مجال تصميم الإلكترونيات، وتم الاستحواذ عليها من شركات عالمية، أما فيما يتعلق بالتصنيع فهناك دراسة لجذب الاستثمارات فى هذا الاتجاه، وفى النهاية هذه الصناعة متقدمة وتحتاج أيدى عاملة بتجهيزات وقدرات مختلفة نتيجة طبيعتها المعقدة، ولدينا فى مصر فرصة إذا نظرنا للموضوع بشكل أكثر جدية، فكما ذكرت أن سلاسل الإمداد ٦٠% من حجم إنتاج الرقائق الإلكترونية تنتجه شرق آسيا ويذهب للولايات المتحدة التى بها ١٠% إنتاجا و٨٠% سوقا، وعندنا السوق الأوروبى وهو سوق كبير وغنى فلابد أن نجذب هذه الصناعة، ولايمكن أن يحدث ذلك إلا بشراكات حقيقية مع  شركات كبيرة تقوم بالتصنيع وليس نقل الخبرات وتكتيك هذه الصناعة، لأن هذا ما يجعل قيمتها التسويقية خمسة تريليونات دولار وتصدر رقائق بقيمة مائة مليار دولار فى السنة، فالدول التى تستحوذ على هذه الصناعة بنت قدراتها داخليا سواء الصين أو كوريا وتايوان واليابان، والأخيرة  بدأت فى مجال الإلكترونيات من الخمسينيات.. والأمريكيون اخترعوا الترانزستور سنة ١٩٤٧. فيجب أن نهتم بالتعليم والبحث العلمى حتى يمكننا جذب شركات عملاقة فى مجال الإلكترونيات، والأهم أن يكون لدينا خبرات من مهندسين وفنيين مؤهلين للعمل حتى لا تتجه هذه الشركات إلى منافسين آخرين.

ويؤكد إسلام جمال الدين شوقى خبير الاقتصاد ومحلل أسواق المال وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى: أن الرقائق الإلكترونية تؤثر بالفعل على الاقتصاد العالمى اليوم، ومن المتوقع أن يكون لها تأثير أكبر فى 2026، فنحن نتحدث عن صناعة وصلت قيمتها إلى 630.5 مليار دولار فى 2024، ومن المتوقع أن تقفز إلى 701 مليار دولار فى 2025، ثم قد تصل قريبًا لحاجز الـتريليون دولار فى 2026. الأرقام مذهلة، لكن الأهم من ذلك هو أن هذه الصناعة أصبحت العمود الفقرى لكل التقنيات الحديثة من الذكاء الاصطناعى إلى السيارات الكهربائية.

وعن سبب تفاقم الأزمة مؤخرًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين يقول: السبب الرئيسى فى ذلك هو الطلب المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعى. نتحدث هنا عن رقائق الذكاء الاصطناعى وحدها التى يتوقع أن تولد 150 مليار دولار من المبيعات بنهاية 2025. ويمكن أن نتخيل حجم الضغط على سلاسل التوريد، والمشكلة الأخرى أن الشركات استثمرت بكثافة فى التقنيات المتقدمة جدًا مثل 3 نانومتر و5 نانومتر، لكنها أهملت التقنيات الأقدم من 40 نانومتر فأكثر، والتى مازالت مطلوبة بشدة فى صناعات كثيرة مثل السيارات. ونتيجة لذلك، يتوقع استمرار النقص الحاد فى الرقائق لمدة سنتين إلى ثلاث سنوات مقبلة.

ويكمل: بالنسبة لمصر، سنتحدث بلغة الأرقام حيث بلغت وارداتنا من المعدات الكهربائية والإلكترونية لـ 6.24 مليار دولار فى 2024. أما سوق أشباه الموصلات المحلى فمن المتوقع أن يصل ل ـ1.60 مليار دولار فى 2025، وينمو بمعدل 5.6% سنويًا ليصل لـ 2.10 مليار دولار فى 2030. وفيما يخص الدوائر المتكاملة فإنها تمثل حوالى 84% من السوق المصرى، ويعكس هذا مدى اعتمادنا على الاستيراد فى الوقت الحالى.

ويشير "شوقى" إلى أنه يجب علينا أن نكون واقعيين، لأن التأثير لن يكون بسيطا، فبالنسبة للهواتف، رقائق الذاكرة وأجهزة التخزين تمثل من 10% لـ 25% من تكلفة المكونات. وفى حال زيادة الأسعار فى هذه المكونات 20-30%، ستزيد التكلفة الإجمالية للهواتف بحوالى 5-10%. وستواجه شركات كبرى مثل شركة آبل وسامسونج صعوبة فى تلبية طلب المستهلكين، وسيؤدى ذلك لارتفاع الأسعار وتأخيرات فى الإنتاج.

أما بالنسبة لصناعة السيارات، فيُعد التأثير أكثر عمقًا وتعقيدًا مقارنةً بقطاع الهواتف المحمولة، لأن السيارات الحديثة أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الرقائق الإلكترونية فى تشغيل الأنظمة الأساسية، من وحدات التحكم فى المحركات وأنظمة الأمان، وصولًا إلى أنظمة القيادة المساعدة والترفيه. ولقد جعل هذا الاعتماد المتزايد صناعة السيارات أكثر حساسية لأى اضطراب فى سلاسل توريد الرقائق، خاصةً الرقائق التقليدية ذات التقنيات الناضجة، التى لا تزال تستخدم على نطاق واسع فى السيارات رغم تركيز الاستثمارات العالمية على الرقائق المتقدمة.

وتزداد حدة هذا التحدى مع التحول العالمى نحو السيارات الكهربائية، التى تحتاج إلى عدد أكبر من الرقائق مقارنةً بالسيارات التقليدية، سواء لإدارة البطاريات أو التحكم فى أنظمة الطاقة والبرمجيات، ومع استمرار التوترات الجيوسياسية والقيود التجارية بين القوى الكبرى، أصبحت شركات السيارات مضطرة لإعادة التفكير فى استراتيجيات التوريد، وتنويع مصادر الرقائق، وحتى الدخول فى شراكات مباشرة مع شركات أشباه الموصلات، لتقليل مخاطر توقف الإنتاج أو ارتفاع التكاليف خلال السنوات المقبلة.

 ويؤكد شوقى أن  رئيس الوزراء مصطفى مدبولى كشف فى يونيو 2024، عن خطة مصر للاستفادة من ثروتها المعدنية فى تصنيع الرقائق وأشباه الموصلات. ومن وجهة نظرى فإن الاستراتيجية المصرية ذكية، لأنها لن تخوض فى التكاليف الباهظة لبناء مصانع التصنيع الضخمة، لكنها سوف تركز على التصميم والتكامل النظامى، وتتميز مصر فى هذا المجال بميزة تنافسية بسبب توافر الكوادر البشرية المتاحة.ولقد شهدت مصر تحركًا متسارعًا فى قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) كجزء من استراتيجية وطنية لتعزيز دور الاقتصاد الرقمى فى الناتج المحلى. ففى عامى (2023-2024) ارتفعت مساهمة هذا القطاع إلى حوالى 5.8% من الناتج المحلى الإجمالى، بعد أن كانت نحو 3.2% قبل خمس سنوات، وتستهدف الحكومة زيادتها إلى 8% بحلول عام 2030 ضمن خطة التطوير الوطنى للمجال الرقمى.

وتجدر الإشارة إلى أن عدة شركات عالمية ضخمة قد بدأت الاستثمار فى مصر بمجالات البحث والتطوير. على سبيل المثال افتتحت شركة  STMicroelectronics، المتخصصة عالميًا فى تصنيع وتصميم أشباه الموصلات والإلكترونيات، مركزًا للبحث والتطوير فى المنطقة التكنولوجية بالمعادى، يعمل به مهندسون متخصصون فى تصميم الإلكترونيات والبرمجيات، ضمن جهود لتوطين قدرات تصميم الرقائق فى مصر.

كما يوجد فى القاهرة كيان لشركة Goodix Egypt التابعة لشركة Shenzhen Goodix Technology الصينية، وهى شركة عالمية فى مجال حلول أشباه الموصلات والتصميم للهواتف الذكية وإنترنت الأشياء والأجهزة الذكية، وتهدف إلى تطوير فرق هندسية محلية فى هذه المجالات.

وتأتى هذه التحركات فى سياق جهود الحكومة لجذب مزيد من الشركات التقنية الدولية وتعزيز القدرات المحلية فى التصميم والبحث فى الإلكترونيات والرقاقات والتطبيقات الذكية، تماشيًا مع الطموحات لرفع مساهمة التكنولوجيا فى الاقتصاد وخلق فرص وظيفية ذات قيمة عالية.

 الرمال السوداء

يلفت "شوقى" إلى أنه عندما نتحدث عن الرمال السوداء فإنها كنز استراتيجى حقيقى؛ فمصر لديها 11 موقعا للرمال السوداء والمعادن الثقيلة، باحتياطى جيولوجى يصل لـ 1.3 مليار متر مكعب، وبعض التقديرات تشير إلى أن الاحتياطى الفعلى حوالى 5 مليارات طن تكفى لمدة 200 سنة. فالرمال السوداء المصرية ليست مجرد رمال عادية، بل هى كنز يحتوى على 41 عنصرا معدنيا يدخل فى 49 صناعة استراتيجية.ولنتحدث عن معادن مثل الإلمينيت والزركون والماجنتيت والروتيل والجارنت والموناسيت. ولا تقتصر هذه المعادن على وجودها فى صناعة أشباه الموصلات، لكن هناك أيضًا طلب عليها فى الحديد والصلب والسيراميك والطلاء، والمفاعلات النووية، ومحركات السيارات، والطائرات. فعنصر الموناسيت مثلاً واحد من أهم المعادن فى تصنيع الإلكترونيات، والزركون يستخدم فى المفاعلات النووية ومحركات السيارات، والتيتانيوم الذى ينبثق من الإلمينيت والروتيل يدخل فى محركات الطائرات والبلاستيك والمطاط.

وفيما يخص العائد الاقتصادى فإنه هناك دراسة جدوى أسترالية أظهرت أن العائد من موقع واحد فقط من الـ 11 موقعا ممكن يصل لأكثر من 255 مليون جنيه سنويًا، وسعر الطن من بعض هذه المعادن من الممكن أن يصل لـ 3200 دولار. ولقد افتتح الرئيس السيسى فى 2022، مجمع مصانع فى كفر الشيخ باستثمارات تفوق الـ 4 مليارات جنيه، ويعتبر الأول من نوعه عالميًا فى استخدام تكنولوجيا التعدين المتقدمة، ويقوم هذا المجمع بالتصدير حاليًا لأكثر من 9 دول.

وفى نهاية الأمر يجب علينا توضيح أن مصر واقفة على فرصة ذهبية، وذلك لأننا نمتلك المواد الخام الاستراتيجية، ولدينا الكوادر البشرية، ولقد بدأت الحكومة بالتحرك فى الاتجاه الصحيح بالتركيز على التصميم والتكامل بدلاً من محاولة منافسة تايوان أو كوريا فى التصنيع المتقدم. ولن يكون النجاح مضمونا فى هذه الحالة، وبالتالى فهناك احتياج لاستثمار ضخم فى التعليم والبحث والتطوير، ونحتاج سياسات واضحة لجذب الشركات العالمية وتشجيع الشراكات التكنولوجية. الفرصة موجودة، والسؤال هو: هل سنقوم باستغلالها بشكل صحيح؟.

Katen Doe

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...

الطالب زياد عباس: محمد عبد الوهاب قدوتى الفنية

حصل على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية

تعرف على أسباب الفشل الكلوى

أسباب الفشل الكلوى متنوعة، وتُقسم بين أسباب حادة ومزمنة، وأبرزها أمراض مزمنة مثل السكرى وارتفاع ضغط الدم، والتى تتلف الكلى...

أسيوط اول محافظة تقوم بإنشاء نادى للذكاء الاصطناعى

مبادرة حياة كريمة من أعظم المشروعات القومية فى تاريخ مصر.. تحسين لأحوال المواطنين وإعادة بناء للرييف المصرى


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص