خبراء يرصدون.. توابع زلزال «الخطوط الحمراء» لحسم ملـف الصراع فى السودان

كانت مصر ولا تزال حريصة على تجنب التدخل فى شئون الدول، لذا التزمت الحياد فى ملف الصراع داخل أراضى السودان الشقيق، واختارت أن تفتح أبوابها لإغاثة المتضررين.. رغم ما يفرضه ذلك من عباء اقتصادية وأمنية.

 

إلتزمت الدولة المصرية الصبر.. والصمت، وانحازت فى مساعيها إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف، حرصا على الدولة ومؤسساتها الوطنية.

لكن فى ظل خروج الأوضاع عن السيطرة، وفى ضوء المعاناة القاسية التى يعيشها ملايين السودانيين، كان لابد للدولة المصرية أن تتحرك لحماية مقدرات الشعب المنكوب.

 وهذا ما دفع الرئاسة المصرية لاصدار بيان حاسم.. وخطوط حمراء تردع المتلاعبين بأمن السودان ومصر.. وفق أراء مختصين فى العلاقات الدولة.

االبداية مع رامى زهدى – خبير الشؤون الأفريقية – نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيچية، رئيس وحدة الدراسات الأفريقية، وقال: فى قراءة المشهد السودانى الراهن، وما يحيط به من تحركات دبلوماسية وتصريحات سياسية، يمكن القول إن الموقف المصرى يشهد تطورًا ملحوظًا فى درجة الوضوح والحسم الاستراتيجي، دون أن يغادر إطار الاتزان التقليدى الذى حكم السياسة المصرية تجاه السودان لعقود طويلة، فالقاهرة باتت أكثر ميلًا لإعلان خطوطها الحمراء الحاسمة، ليس بوصفها رسائل سياسية عابرة، وإنما كترجمة مباشرة لمعادلة الأمن القومى المصري–السودانى باعتبارهما مجالًا أمنيا واحدًا لا يقبل التجزئة.

وأكد رامى زهدى أن الموقف المصرى لم يتغير فى جوهره، لكنه تطور فى آليات التعبير والتوقيت، فمصر ظلت تاريخيا داعمة لوحدة واستقلال واستقرار وسيادة الدولة  السودانية، ورافضة لأى سيناريوهات تفكيك أو تقسيم أو عسكرة طويلة الأمد، ويظهر السعى المصرى الجاد لوقف إطالة أمد الصراع، ومنعه من التحول من أزمة داخلية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

وأوضح زهدى أن هذا التطور خاصة فى لغة الخطاب المصرى فى بيانها الأخير بعد زيارة الفريق ركن أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السودانية، ولقاءه بالرئيس عبد الفتاح السيسي،  يعكس هذا انتقال مصر من مرحلة الإدارة الصامتة للأزمة إلى مرحلة التأثير الوقائي، أى محاولة وقف الانزلاق قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، سواء على مستوى انهيار مؤسسات الدولة السودانية، أو تحول السودان إلى بؤرة تهديد مباشر للأمن الإقليمى والبحر الأحمر وحدود مصر الجنوبية، بل إن الحرب السودانية باتت تهدد أمن واستقرار المنطقة كلها وربما القارة الأفريقية كاملة.

ولفت زهدى  إلى أنه فيما يتعلق بالأبعاد الحاكمة للأمن القومى المصرى والسودانى المشترك، نجد أن الأمن القومى المصرى فى السودان والأمن القومى المصرى السودانى المشترك لا ينفصلا عن أربعة أبعاد رئيسية،  بداية من البعد الجغرافي–الحدودي، فالسودان هو العمق الاستراتيجى الجنوبى لمصر، وأى حالة فوضى ممتدة تعنى تهديدًا مباشرًا للحدود، وانتقال السلاح، والجماعات المسلحة، وتنامى الجريمة المنظمة والجريمة العابرة للحدود، ثم البعد المائي، حيث أن استقرار الدولة السودانية عنصر أساسى فى معادلة الأمن المائى المصري، سواء من حيث حماية منظومة النيل، أو منع توظيف الفوضى فى السودان كورقة ضغط فى ملفات المياه الإقليمية، وكذلك البعد الإقليمي، لأن تفكك السودان أو تحوله إلى ساحة نفوذ متصارعة يخل بتوازنات القرن الإفريقى والبحر الأحمر، وهى دوائر تمس الأمن القومى المصرى بصورة مباشرة، وأخيرا.. البعد السياسي–الدولة، فمصر ترى أن غياب الدولة الوطنية فى السودان سيفتح الباب لنمو نماذج خطيرة من الحكم المليشياوي، وهو سيناريو لا يمكن القبول بتكريسه أو تطبيعه.

ونبه زهدى إلى أن اللجنة الرباعية الدولية المعنية بالسودان، تحاول الموازنة بين البعد الأنسانى والأزمة التى تواجه الشعب السودانى من جوع ومرض وقتل وتشريد ونزوح.. وما بين محاولة فرض مسار سياسى مقبول،  إلا أن المساواة بين طرفى الصراع هو أمر غير مقبول،  فلا يمكن المساواة بين المؤسسة الوطنية الرسمية وهى الجيش السودانى وبين ميليشيات وعصابات خارجة عن النظام والشرعية وتعمل على هدم أمن واستقرار الدولة السودانية.

وأضاف: إن أن تطورات الأوضاع فى السودان بعد مرور أكثر من 1000 يوم على الحرب السودانية.. واقترابها من العام الثالث، فإن المشهد السودانى يتجه نحو حرب استنزاف مفتوحة، مع تفكك متزايد فى البنية الاجتماعية، وانهيار اقتصادى حاد، وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها الأساسية، والأخطر هو تصاعد النزعة نحو الجماعات المسلحة، بما ينذر بإعادة إنتاج صراعات ممتدة حتى فى حال توقف القتال الرئيسي، لذلك وفى هذا السياق، تبدو الرؤية المصرية أكثر واقعية من كثير من الطروحات الدولية، لأنها تنطلق من أولوية استعادة الدولة السودانية أولًا، ثم الانطلاق نحو مسار سياسى جامع، لا يقصى أحدا، ولا يسمح فى الوقت ذاته بفرض الأمر الواقع بقوة السلاح،  وفرضت مصر خطوط حمراء صارمة ترفض تقسيم الدولة السودانية أو السماح بكيانات موازية أو حمل السلاح لغير المؤسسات الوطنية الشرعية او المساس بالأمن المائى لكلا من مصر والسودان.

وشدد زهدى على أن تطور الموقف المصرى يعبر عن إدراك استراتيجى عميق بأن السودان لم يعد ملفا خارجيا تقليديا، بل جزء لا يتجزأ من معادلة الأمن القومى المصرى والعربى والإفريقي، كما يؤكد أن أى حلول تتجاوز دور مصر أو تتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ، ستظل حلولا ناقصة، قابلة للانهيار، مهما حظيت بدعم دولى أو إقليمى مؤقت.

فى السياق ذاته يقول د.محمد عثمان خبير العلاقات الدولية: إن موقف مصر إلى مرحلة جديدة فى تعاطيه مع القضية السودانية.. يتزامن مع تدهور الأوضاع بشكل حاد داخل السودان، وتقدم قوات الدعم السريع بدارفور وكوردفان، وظهور ملامح أولية لمشاريع تفتيت وتقسيم، وهو ما جعل من استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسى لنظيره السودانى القريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السودانى حدثا مختلفا، أكد خلاله الجانب المصرى أن القاهرة ترفض إقامة كيانات موازية.. فى إشارة للحكومة غير الشرعية التى أقامها زعيم مليشيا الدعم السريع حميدتي، كما أكدت مصر أن المساس بوحدة الدولة السودانية خط أحمر، وأنها قد تتخذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع هذا الأمر وفقا لنصوص القانون الدولى واتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان. ويعد هذا تطور كبير فى الخطاب المصرى حيال السودان يعكس مدى خطورة الأوضاع التى بلغتها حالة الصراع هناك وأيضا مدى استعداد مصر للتحرك بشكل حاسم وصارم من أجل مواجهة هذه التطورات بالغة الخطورة، حيث تعد هذه المرة الأولى التى تلوح فيها مصر بتدخل مباشر فى النزاع المسلح بالسودان منذ أن اندلع فى ربيع ٢٠٢٣، فمصر منذ بداية الصراع تسعى لتسوية الأزمة سياسياً مع التأكيد على انحيازها الكامل للقوات المسلحة السودانية والسلطة الشرعية فى السودان ومؤسسات الدولة، ولكن خلال الفترة الماضية مثل التدهور المستمر للاوضاع فى السودان تهديداً مباشراً للأمن القومى المصري، وشكل أيضا عبئ اقتصادى على القاهرة، نظرا لتدفق أعداد هائلة من اللاجئين، ولعل التطور الأخطر هو تقارير تم تداولها حول قيام إثيوبيا بالسماح بإقامة معسكرات لمليشيا الدعم السريع على أراضيها، لتكون منصة انطلاق لفتح جبهة جديدة داخل السودان هذه المرة فى الولايات الواقعة جنوب شرقى البلاد بالقرب من الحدود السودانية الإثيوبي، ومصر ترى هذه التحركات كمساعى لتوسيع رقعة الصراع فى السودان، مما قد يفتح الباب للدفع نحو تقسيم البلاد، وهو الأمر الذى ترفضه مصر، وبوادر الخطر ظهرت مع محاولات سيطرة مليشيا الدعم السريع تسيطر على إقليم دارفور بالكامل.. وعلى أجزاء من منطقة كردفان، أى على غرب السودان بالكامل تقريبا، وفتح جبهة فى جنوب شرق البلاد نحو ولاية القدارف أو النيل الأزرق قد يؤدى إلى تأجيج الصراع بشكل أكبر وتعزيز النفوذ الإثيوبى داخل السودان، بل قد يفتح الباب لتحقيق أطماع توسعية إثيوبية داخل مناطق سودانية مثل منطقة الفشقة وغيرها، وهو الأمر الذى تعتبره مصر تهديد لوحدة السودان وسيادته، وأيضا توسع عدوانى إثيوبى يهدد استقرار وأمن القرن الأفريقى ووادى النيل.

وأكد د.محمد عثمان أن هناك بوادر لتحالف مصرى إريترى للتحرك نحو دعم الدولة السودانية، وربما قد يؤدى هذا التحرك المهم إلى الضغظ نحو خفض التصعيد والتعاطى بشكل فعال مع مبادرات التسوية السلمية المطروحة ضمن الآلية الرباعية.. والتى تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، على نحو يحفظ وحدة وسيادة السودان، ولكن إذا فشل مسار الضغط نحو التهدئة قد تضطر مصر لاتخاذ إجراءات أكثر تشدداً لدعم الأشقاء فى السودان المنكوب.

وشدد د. محمد عثمان على أن دور مصر الفاعل فى احلال السلام فى المنطقة، مشيرا إلى أن الخط الأحمر المصرى انهى الحرب الأهلية فى ليبيا، واوقف حمام الدم هناك منذ نحو ٥ سنوات، والخط الأحمر المصرى أيضا قطع الطريق على مخططات التهجير الإسرائيلية المدعومة أمريكياً.. وبدد فرص تطبيقها الى حد كبير، وربما من الممكن أن نعقد الآمال على الخط الأحمر المصرى ليكون عمالاً رادعاً ومحفزاً للعدول عن مخططات تفتيت السودان، والعودة لمسار التهدئة ورأب الصدع، والحفاظ على وحدة وسيادة البلاد.

فى سياق متصل، تقول د. أمانى الطويل، الخبيرة بالشأن الإفريقى فى مركز الأهرام للدراسات: إن التطورات الأخيرة فى السودان، ولاسيما تغول ميليشيا الدعم السريع وتجاوزها لإقليم دارفور، تمثل تهديدًا خطيرًا لاستقرار الدولة السودانية والمنطقة بأكملها، مضيفة أن البيان المصرى بشأن السودان جاء بنبرة محسوبة، فقد إستخدم صيغة مغايرة لما اعتدنا عليه منذ بداية الحرب السودانية، وهو التلويح باستخدام اتفاقية الدفاع المشترك، ومنها الحديث عن الخطوط الحمراء المصرية بشأن السودان، منها رفض كل الكيانات الذاهبة إلى تقسيم السودان، منبهة ممعتبرة أن المجهود المصرى فى اطار مجهودات الللجنة الرباعية الدولية لا يمكن اغفاله، وهو مجهود منسق فى إطار إقليمى ودولى وطبعا تصريحات وزير الخارجية المصرى مكملة للبيان.

وشددت د. أمانى الطويل على أن الموقف المصرى يهدف إلى حماية السودان واستقراره، وليس المساس بسيادته أو التدخل فى شؤونه الداخلية، مشيرة إلى أن  الوضع فى السودان رهن قوة واصرار الأطراف الفاعلة ومدى رغبتها فى انهاء الأزمة فى السودان، وكلها مؤشرات أن هناك حركة قادمة، ولكن هناك تصميم دولى على انهاء الحرب السودانية، وهو مرتبط ايضا بمدى استجابة الاطراف الداخلية لهذه الجهود، ولدينا اتفاقات عسكرية مع السودان.. كان هناك اتفاق تاريخى فى اطار التكامل، وكان وقت النميرى والرئيس السادات، ثم رفضه الصادق المهدى فيما بعد، ولكن البرلمان السودانى قاوم هذا الاعتراض من رئيس الوزراء، وهناك اتفاقات عسكرية آخرى منذ ما يقرب من خمس سنوات، ويجرى فى اطارها المناورات العسكرية وما يسمى نسور النيل.. وهدفها ضبط الحدود.

من جانبه، قال د.محمد شاكر أستاذ العلوم السياسية: مصر تعلن مجموعة من الخطوط الحمراء، ولا تقبل بتجاوز هذه الخطوط، فالرئاسة المصرية أو قمة الهرم السياسى فى مصر، يعلن بشكل صريح أن مصر تقف بكامل أدواتها مع وحدة السودان وسلامة أراضيه، ونحن وفقا للبيان هدف مصر حماية الأمن القومى السودانى.. بإعتباره جزء من الأمن القومى المصرى، وهى ضد تقسيم السودان أو إقامة حكومة موازية، وبالتالى لاول مرة منذ اشتعال الأزمة السودانية تعلن مصر أنها تتخذ كل اجراء من أجل وحدة السودان، ومصر لا تعمل بمفردها، وإنما فى اطار القانون الدولى.. وفى اطار عمل الرباعية الدولية، فمصر والسودان هما امتداد طبيعى، ومصر والسودان جزء لا يتجزأ وأى مساس بالأمن القومى السودانى هو مساس بمصر وأمنها.

Katen Doe

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص