يشهد قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في جمهورية مصر العربية تحولاً مفصلياً في عام 2025، مدفوعاً بصدور "الدليل الاسترشادي لضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي والبحث العلمي" عن المجلس الأعلى للجامعات. يمثل هذا التقرير البحثي الموسع تحليلاً نقدياً وشاملاً لهذا الدليل، ويضعه في السياق الأوسع للاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025-2030). يستكشف التقرير الأبعاد الاستراتيجية، والأخلاقية، والتقنية، والتطبيقية لدمج الذكاء الاصطناعي (AI) والجيل الجديد من الوكلاء الذكيين (Agentic AI) في البيئة الأكاديمية المصرية. كما يسلط الضوء بعمق على آليات الحوكمة المقترحة، ونماذج تقييم المخاطر، ومفاهيم "التقييم الهجين" (Hybrid Grading)، مع تحليل الفجوات المحتملة بين السياسات الطموحة وواقع التطبيق العملي في ظل تحديات البنية التحتية وجاهزية الكوادر الأكاديمية. يخلص التقرير إلى أن مصر تتبنى نهجاً تنظيمياً قائماً على إدارة المخاطر، يوازن بحذر بين ضرورة الابتكار لتعزيز التنافسية الدولية والحفاظ على النزاهة الأكاديمية والقيم الإنسانية، بهدف تحويل الجامعات المصرية إلى "جامعات ذكية" من الجيل الرابع.
لم يعد الذكاء الاصطناعي (AI) مجرد أداة تقنية مساعدة في الأروقة الأكاديمية، بل تحول إلى قوة هيكلية تعيد تشكيل جوهر العملية التعليمية والبحثية. في عام 2025، ومع نضوج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) وظهور الوكلاء الذكيين المستقلين (Agentic AI)، وجدت مؤسسات التعليم العالي نفسها أمام حتمية التكيف أو التخلف عن الركب العالمي. في هذا السياق، تبرز التجربة المصرية كنموذج لمحاولة مأسسة هذا التحول من خلال أطر تنظيمية مركزية.
يقدم "الدليل الاسترشادي المصري 2025" خارطة طريق شاملة، لا تكتفي بوضع الضوابط، بل تتعداها إلى رسم معالم "الحرم الجامعي الذكي" وتحديد أدوار الفاعلين من طلاب وباحثين وإداريين. يهدف هذا التقرير إلى تفكيك مكونات هذا الدليل، وتحليلها في ضوء الأدبيات العالمية والممارسات الفضلى، لتقديم قراءة معمقة لما يعنيه هذا التحول لمستقبل التعليم في مصر والمنطقة.
2.1 الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025-2030): الرؤية والمستهدفات
لا يمكن قراءة الدليل الاسترشادي بمعزل عن "الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي - الإصدار الثاني (2025-2030)" التي أطلقتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. تمثل هذه الاستراتيجية المظلة الكبرى التي تتحرك تحتها الجامعات، وترتكز على طموحات اقتصادية وتنموية واضحة.
تشير البيانات إلى أن مصر تستهدف رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 7.7% بحلول عام 2030، وهو ما يعكس الرهان الاقتصادي الكبير على هذه التقنيات. ولتحقيق هذا الهدف، حددت الاستراتيجية ست ركائز أساسية:
تسعى الدولة لتدريب 30,000 متخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، بالإضافة إلى محو الأمية الرقمية لقطاعات واسعة من الموظفين الحكوميين والمواطنين. هذا الهدف الكمي يضع ضغطاً مباشراً على الجامعات لتحديث مناهجها وزيادة طاقتها الاستيعابية في تخصصات علوم البيانات والحوسبة.
2.2 المواءمة مع المعايير الدولية والتشريعات المحلية
يتميز الإطار التنظيمي المصري بمحاولة جادة للمواءمة مع المعايير الدولية، وتحديداً "قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي" (EU AI Act) ومبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). يظهر ذلك جلياً في تبني الدليل لمبدأ "تصنيف المخاطر" (Risk-based approach) الذي يقسم أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى فئات (مقبولة، محدودة، عالية، محظورة)، وهو النهج المعتمد أوروبياً.
محلياً، يستند الدليل إلى قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، والميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول. هذا الربط التشريعي ضروري لأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الجامعات تعتمد بشكل كثيف على بيانات الطلاب (سجلات أكاديمية، سلوكيات تعلم، بيانات بيومترية)، مما يستدعي حماية قانونية صارمة للخصوصية ومنع الانتهاكات.
2.3 الاستثمار في البنية التحتية الرقمية
أعلنت وزارة التعليم العالي عن استثمارات ضخمة تقدر بـ 10 مليارات جنيه مصري (مع إشارات سابقة لمبلغ 4.7 مليار جنيه لميكنة الجامعات) لدعم التحول الرقمي ومبادرة الحرم الجامعي الذكي. تشمل هذه الاستثمارات تحديث مراكز البيانات، وربط الجامعات بشبكات ألياف ضوئية فائقة السرعة، وإنشاء مراكز اختبارات إلكترونية. هذه البنية التحتية ليست مجرد "تحديث"، بل هي "شرط مسبق" لتمكين تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تتطلب قدرات حوسبة عالية وزمن استجابة منخفض.
3.1 المفهوم والمرجعية المعمارية (SURA)
تتبنى مصر نموذجاً معيارياً للحرم الجامعي الذكي يُعرف بـ SURA (Smart University Reference Architecture)، والذي طورته هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (ITIDA). يهدف هذا النموذج إلى توحيد معايير التحول الرقمي في الجامعات المصرية لضمان قابلية التشغيل البيني (Interoperability). يتكون نموذج SURA من ست ركائز أساسية:
3.2 تطبيقات عملية في الجامعات المصرية
بدأت بعض الجامعات المصرية بالفعل في ترجمة هذه الرؤية إلى واقع. على سبيل المثال:
جدول 1: مقارنة بين البنية التقليدية والبنية الذكية للحرم الجامعي في مصر
المكون
الحرم الجامعي التقليدي
الحرم الجامعي الذكي (SURA Model)
الأثر المتوقع
إدارة البيانات
صوامع بيانات منعزلة (Silos)
بحيرات بيانات موحدة (Data Lakes) وتحليلات فورية
اتخاذ قرارات استراتيجية دقيقة وسريعة
الخدمات الطلابية
نوافذ خدمة فعلية، طوابير، ورق
بوابات ذاتية الخدمة، تطبيقات جوال، وكلاء ذكيون
تحسين رضا الطلاب وكفاءة التشغيل
التقييم والامتحانات
اختبارات ورقية، تصحيح يدوي
مراكز اختبارات إلكترونية، تصحيح آلي وهجين
عدالة التقييم وسرعة إعلان النتائج
إدارة المرافق
صيانة تفاعلية (عند العطل)
صيانة تنبؤية قائمة على IoT ومراقبة الطاقة
خفض تكاليف التشغيل وتحقيق الاستدامة
3.3 تحديات الاستدامة والتقييم
رغم التقدم، تواجه مبادرات الحرم الذكي تحديات في "الاستدامة" و"التقييم". تشير دراسات نقدية إلى غياب إطار شامل لتقييم مدى "ذكاء" الحرم الجامعي يغطي كافة الأبعاد (البيئية، الاجتماعية، الاقتصادية). فمعظم التركيز ينصب على الجانب التقني، بينما قد يتم إغفال جوانب مثل "رفاهية الطالب" أو "الأثر البيئي" للخوادم ومراكز البيانات. لذلك، يقترح الباحثون دمج مؤشرات أداء (KPIs) تركز على الاستدامة ضمن منظومة تقييم الجامعات الذكية.
4.1 لجان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (AI Ethics Committees)
يعد البند الخاص بتشكيل لجان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الجامعات من أهم الإضافات المؤسسية في الدليل. لا يترك الدليل هذه اللجان ككيانات صورية، بل يحدد لها مهام واضحة:
هذه الخطوة تنقل النقاش الأخلاقي من المستوى النظري إلى المستوى الإجرائي الملزم داخل المؤسسات.
4.2 النزاهة الأكاديمية في عصر التوليد الآلي
يواجه المجتمع الأكاديمي تحدياً وجودياً يتمثل في سهولة توليد النصوص والأبحاث باستخدام أدوات مثل ChatGPT و Gemini. يعالج الدليل هذه المعضلة عبر سياسات محددة:
4.3 سياسات البيانات والخصوصية
نظراً لأن نماذج الذكاء الاصطناعي تتدرب وتعمل على البيانات، يربط الدليل بشكل وثيق بين استخدام AI وقانون حماية البيانات المصري. يحظر الدليل إدخال بيانات حساسة (مثل السجلات الطبية للطلاب أو بياناتهم المالية) في نماذج ذكاء اصطناعي عامة أو غير مؤمنة، ويشترط وجود "موافقة مستنيرة" من أصحاب البيانات قبل أي عملية معالجة.
5.1 التعلم المخصص والتكيفي (Personalized & Adaptive Learning)
يمثل التعلم التكيفي قمة سنام التطبيقات التعليمية في الدليل. تعتمد هذه الأنظمة على خوارزميات معقدة (مثل Bayesian Knowledge Tracing) لتحليل نمط تعلم الطالب لحظياً. بدلاً من تقديم محتوى موحد لجميع الطلاب، يقوم النظام بتكييف المسار التعليمي:
5.2 الوكلاء الذكيون (Agentic AI): القفزة النوعية القادمة
يخصص الدليل قسماً هاماً للحديث عن "الوكلاء الذكيين" (Agentic AI)، مميزاً إياهم عن الذكاء الاصطناعي التوليدي التقليدي.
تشير التوقعات إلى أن عام 2025 سيشهد دمج هؤلاء الوكلاء في منصات التعليم (LMS) بشكل واسع، مما سيحدث ثورة في تجربة الطالب والموظف.
5.3 هندسة الأوامر (Prompt Engineering) كمهارة أساسية
يعترف الدليل بأن جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل كلي على جودة المدخلات. لذا، يخصص قسماً لتعليم "هندسة الأوامر" (Prompt Engineering) للطلاب والباحثين. يغطي هذا القسم استراتيجيات متقدمة مثل:
6.1 أدوات البحث ودورة العمل
يستعرض الدليل كيف يتغلغل الذكاء الاصطناعي في كل مرحلة من مراحل البحث العلمي:
6.2 المحظورات والخطوط الحمراء
رغم الفوائد، يضع الدليل خطوطاً حمراء واضحة للحفاظ على نزاهة العلم:
7.1 تصنيف المخاطر (Risk Classification)
يتبنى الدليل نموذجاً لإدارة المخاطر يتوافق مع المعايير الأوروبية، مقسماً الأنظمة إلى أربعة مستويات:
7.2 التقييم الهجين (Hybrid Grading): الحل الأمثل
في مجال تقييم الطلاب، يطرح الدليل مفهوم "التقييم الهجين" (Hybrid Grading) كحل يجمع بين كفاءة الآلة وحكمة البشر.
أثبتت الدراسات أن هذا النموذج يقلل من وقت التصحيح بنسبة تصل إلى 40%، مع الحفاظ على مستويات عالية من العدالة والرضا الطلابي.
8.1 جاهزية أعضاء هيئة التدريس (Faculty Readiness)
يظل العنصر البشري هو التحدي الأكبر. تشير الدراسات إلى تفاوت كبير في جاهزية أعضاء هيئة التدريس في مصر والمنطقة لتبني هذه التقنيات. العوائق لا تقتصر على نقص المهارات التقنية، بل تشمل المقاومة الثقافية، والخوف من الاستبدال، والقلق بشأن النزاهة الأكاديمية.
تظهر الأبحاث أن "توقع الأداء" (Performance Expectancy) و"توقع الجهد" (Effort Expectancy) هما المحركان الرئيسيان لقبول الأساتذة للتقنية. لذا، فإن نجاح الدليل مرهون بتوفير برامج تدريب فعالة تبسط التكنولوجيا وتبرز فوائدها المباشرة للأستاذ (مثل تقليل عبء التصحيح).
8.2 الفجوة الرقمية والبنية التحتية
رغم الاستثمارات الكبيرة، لا تزال هناك مخاوف من "الفجوة الرقمية" (Digital Divide).
8.3 السيادة الرقمية واللغة العربية
معظم نماذج الذكاء الاصطناعي (مثل GPT-4) مدربة على بيانات غربية وباللغة الإنجليزية. يثير هذا مخاوف بشأن "الاستعمار الرقمي" وتحيز النماذج ضد السياق الثقافي واللغوي العربي والمصري.\يؤكد الخبراء على ضرورة الاستثمار في تطوير نماذج لغوية عربية (Arabic LLMs) وتدريبها على بيانات محلية لضمان دقة وملاءمة المخرجات التعليمية والبحثية.\
يمثل "الدليل الاسترشادي لعام 2025" وثيقة مرجعية ناضجة تضع الجامعات المصرية على أعتاب مرحلة جديدة. من خلال الموازنة بين الحوكمة والتمكين، وتبني مفاهيم متقدمة مثل الوكلاء الذكيين والتقييم الهجين، تظهر مصر جدية في التعامل مع ملف الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإن العبرة تكمن في التنفيذ. ولضمان نجاح هذه الرؤية، يوصي التقرير بما يلي:
إن مستقبل التعليم العالي في مصر مرهون بمدى القدرة على تحويل هذه النصوص التنظيمية إلى ممارسات يومية داخل قاعات المحاضرات ومعامل البحث، وخلق بيئة يكون فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً للإنسان في رحلة البحث عن المعرفة.
كاتب السطور :
* احمد محمد احمد عبد الشافى
"حاصل على ماجستير اداره الاعمال و مدير إدارة التعليم عن بعد، ورئيس فريق المشروعات بالأكاديمية العربية، ومدير التعليم الإلكتروني (معتمد من اتحاد الجامعات العربية والأكاديمية البريطانية للتعليم الإلكتروني)."
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...
السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...
أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة
عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...