مسجد أحمد المهمندار.. أيقــونة الــدرب الأحـمــر

يجمع بين جماليات العصرين العثمانى والمملوكى المهمندار لفظ فارسى يعنى الأمير المسئول عن استقبال ضيوف الدولة وتدبير إقامتهم من مسكن وغذاء وتنقلات

خلال تجولك فى شارع الدرب الأحمر لا تكاد تمر على مكان أثرى وتنبهر به وبروعة تصميمه حتى يشدك أثر آخر بجمال عمارته، فالمكان يزخر بالعديد من المنشآت الأثرية البديعة، والتى لن تجد مثيلا لها فى أى مكان سوى فى القاهرة الفاطمية، وخاصة منطقة الدرب الأحمر التى تتراص فيها المنشآت الأثرية جنبا إلى جنب فى لوحة فنية رائعة.

بعد خطوات قليلة من باب زويلة تتوالى على ناظريك العديد من المساجد والوكالات والأسبلة، فيستقبلك أولا الجانب الخلفى لمسجد الصالح طلائع، بعدها تشاهد من مسافة ليست بعيدة سكة «بير المش» الملاصقة لمسجد قجماس الاسحاقى الشهير بمسجد أبو حريبة، وعلى الجانب الآخر توجد وكالة الفحم وبعدها سبيل وكتاب محمد كتخدا مستحفظان والمعروف باسم يوسف أغا الحبشى، والذى تضرر نتيجة الحريق الذى اشتعل منذ خمسة أعوام فى ورش الأحذية الموجودة بأرض الفحامين.

ما أن تنتقل عيناك من أثر حتى تجذبك صورة أروع من سابقتها لأثر آخر، المسجد الذى نستعرض حكايته فى السطور التالية هو مسجد الأمير أحمد المهمندار والذى يقع فى شارع التبانة بالدرب الأحمر ويحمل رقم ١١٥، وينتمى للعصر الملوكى ويتبع المسجد منطقة آثار جنوب القاهرة، وأنشأه الأمير المملوكى شهاب الدين أحمد بن أقوش العزيزى المهمندار، نقيب الجيوش المصرية أثناء الفترة الثالثة لسلطنة الناصر محمد بن قلاوون سنة 725هـ /1324م، وجدده الأمير سليمان أغا القازدوغلى عام 1135 هجرية/ 1722م فى العصر العثمانى وحوله لمسجد وبنى له مئذنة ومنبرا.

 والمسجد له واجهتان، يطل بواجهته الشمالية الشرقية -وهى الواجهة الرئيسية- على شارع التبانة وله واجهة جنوبية غربية فى حارة درب الأنسية. وقد ذكر على باشا مبارك المسجد، أنه زاوية لها بابان أحدهما على الشارع والثانى داخل حارة الأنسية.

وفى الطرف الشمالى من الواجهة تقع القبة الضريحية، ويزين واجهة المسجد شريط كتابى يحمل آية الكرسى مكتوبة بخط الثلث المملوكى، وكذلك ألقاب الأمير أحمد المهمندار، وعلى واجهته الشرقية يقرأ النص الإنشائى: "بسم الله الرحمن الرحيم... أمر ببناء هذه التربة والمسجد المبارك بخالص ماله مما أفاء الله عليه وطيبه لجماعة المسلمين ابتغاء رضوان الله والدار الآخرة والرغبة فى عمارة بيوت الله وأداء فرضه وتلاوة كتابه ومداومة ذكره العبد الفقير على الله تعالى أحمد المهمندار ونقيب نقباء الجيوش المنصورة الناصرية؛ إذ يقول تقدس وتعالى فى بيوت ما عملوا، وذلك فى شهر المحرم سنة خمس وعشرين وسبعمائة صلى الله على محمد وآله" كما نقشت على مدخل الواجهة الرئيسية للمسجد الآية القرآنية "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين".

وقد ذكر المقريزى أن الأمير أحمد المهمندار أنشأ هذا المسجد ليكون مدرسة وخانقاه، وجعل طلبة الدرس فيها من فقهاء الحنفية وخانقاه لرعاية الصوفية، لكن الخلاوى التى كان يقيم فيها الصوفية تخربت.

 أما مئذنة المسجد التى توجد على يسار المدخل الرئيسى فقد ذكر حسام الدين إسماعيل أستاذ الآثار الإسلامية جامعة عين شمس أنها تتكون من ثلاثة طوابق قاعدة والبدن مثمن حتى شرفة المؤذن (وهذا الجزء مملوكي) والجزء الثالث وهو المجدد فى القرن الثامن عشر الميلادى، وتتخذ قمته شكلا مخروطيا يتبع نمط هذا العصر. وقد سقطت قمة المئذنة ولم يبق منها غير البدن الاسطوانى والشرفة الخاصة للمؤذن.

وتقع الواجهة الرئيسية للمسجد فى الجهة الجنوبية الشرقية تطل على شارع التبانة، وتشمل مدخلا رأسيا يؤدى إلى الباب الرئيسى، الذى يؤدى مباشرةً لدور قاعة المسجد، يتبع التصميم الداخلى التخطيط النموذجى للمدارس، التى تتكون من 4 إيوانات، وتقع القبة فى الركن الشمالى الشرقى، وهى مبنية من الطوب. وكلمة مهمندار لفظ فارسى تتكون من كلمتين: "مهمن" وتعنى  الضيف و"دار" ومعناها "مسئول"، أى المهيمن على الدار، وهو الأمير المسئول عن استقبال ضيوف الدولة وتدبير إقامتهم من مسكن وغذاء وتنقلات.

يحتفظ أحد سكان المنطقة بذكريات خاصة عن المسجد وحادثة لاتزال عالقة فى ذهنه رغم مرور عشرات السنين، عندما اقتربت من المسجد كان يجلس على مقهى بسيط فى شارع اسمه "زرع النوى الكبير"، جاء مسرعا ولم يكمل تناول إفطاره الذى وضعه على منضدة بجانب كوب من الشاى وألقى السلام وهو ينظف يديه من بقايا الإفطار وسألنى عن المعلومات التى أبحث عنها، وأبدى معرفته بالكثير من الحكايات عن المنطقة فقال اسمى "سعيد"، وقبل أن يتحدث عن المسجد بادرنى قائلا: "أنا مولود هنا وعندى كوم عيال وفى منهم مطلقين، وأكمل: هذا المسجد اسمه أحمد المهمندار، زمان كان فى حرب فى الستينات أو السبعينات وشافوه بالطائرات اعتقدوا أنه القلعة فضربوه بالصواريخ وسقطت مئذنته، وأذكر أن والدتى كانت تمسكنى من يدى وتجرى بى فى الشوارع والناس تقول الغارة، طفوا النور، وهو مفتوح للصلاة وبعد خطوات يوجد مسجد الست فاطمة النبوية".

أنهى عم سعيد كلامه وكانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ظهرا وجاء العامل ليفتح أبواب المسجد للمصلين.

 	إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات

دار كسوة الكعبة
  • السبت، 28 فبراير 2026 09:00 ص
إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م