عندما انتفض الأهالى للدفاع عن المدينة.. بدعوة من النقيب حسن أسامة

ملاحم وبطولات رجال الشرطة فى السويس محمد عبدالسلام: بعد قطع الاتصالات عن المدينة.. أصبحت الشبكة اللاسلكية الخاصة بشرطة النجدة حلقة الاتصال الوحيدة مع القاهرة عماد جاد: العدو طالب مدير الأمن بالاستسلام.. ففتح مخازن السلاح أمام المقاومة الشعبية

لا تخفى على أحد أهمية الشرطة والدور الرئيسي الذي تلعبه في تشكيل واقع مجتمعاتنا، لتأمين الجبهة الداخلية للبلاد. وسطرت الشرطة المصرية دورها بأحرف من نور في حرب 6 أكتوبر 1973، فلم تكن الحرب على الضفة الشرقية لقناة السويس فحسب، بل كانت هناك حرب أخرى تدار من مقار جهاز الشرطة عامة، والأمن المركزي خاصة.. حرب شراستها لا تقل عما يدور في الجبهة. وستظل محافظة السويس طوال تاريخها علامة ناصعة في تاريخ المقاومة الشعبية المصرية، وتجلت هذه البطولات في ملحمة 24 أكتوبر 1973، التي كانت حجر الزاوية في الانتصار على العدو الإسرائيلي، تمهيدا لطرده من الأراضي المصرية، بعدما تكبد من الخسائر ما لم يستطع بعده التقدم خطوة للأمام.

اللواء عماد جاد، مساعد وزير الداخلية الأسبق، كشف عن دور رجال الشرطة في حرب أكتوبر المجيدة قائلا: "تعتبر هذه الملحمة الوطنية رمزا خالدا، حيث سطرها رجال القوات المسلحة ورجال الشرطة لتتناقلها الأجيال وليعلم الجميع أن هؤلاء الرجال شعارهم النصر أو الشهادة في سبيل الوطن ورفع رايات الوطن الغالي دائما والحفاظ على مقدرات شعبه العظيم، ولن ينسى دور مدير أمن السويس اللواء محيى خفاجي في حرب أكتوبر المجيدة عندما اقترب العدو الإسرائيلي من مدينة السويس خلال الفترة بداية من يوم ١٥ أكتوبر وحتى يوم ٢٣ أكتوبر، وقيام العدو بمخالفة الاتفاق الذي كان بين مصر وإسرائيل بوقف إطلاق النيران طبقا للاتفاق الدولي بينهم والاتصال بالضابط رفعت شتا مدير شرطة النجدة في السويس بالآتي: "حضور كل من المحافظ ومدير الأمن على سيارة عليها علم أبيض لتسليم نفسيهما للعدو الإسرائيلي وما معهما من سلاح هما وكل القوات الموجودة في السويس ولجان المقاومة الشعبية خلال نصف ساعة وإلا سوف يتم ضرب مدينة السويس بالكامل بالطائرات الإسرائيلية"، فقام اللواء محيى خفاجي مدير أمن السويس بتكلفته بالاتصال بنبوى إسماعيل مدير المكتب الفنى للواء ممدوح سالم وزير الداخلية وقتها، وقد كلف مدير الأمن والمحافظ بأن يقوما بمشاركة القوات ولجان المقاومة الشعبية بالدفاع عن مدينة السويس حتى آخر فرد، ولذلك قام مدير الأمن بفتح مخازن السلاحوتسليم أفراد المقاومة الشعبية السلاحووقفوا أمام العدو صامدين، ولذلك لم يتمكن العدو من دخول السويس، وقد وضع المقدم فتحى عفیفی رئیس قسم الدفاع المدنى والحريق - بتعليمات من اللواء محيى خفاجي مدير الأمن - نظاما يكفل اشتراك جميع أبناء المدينة الأصحاء في عملية التفريغ والتحميل التي تجرى يوميا عند نقطة المثلثة بصفة دورية على أن يتولى جنود الإطفاء ومتطوعو الدفاع المدنى عمليات تفريغ المؤن من السيارات داخل السويس ونقلها إلى المخازن التي حددتها المحافظة.

وأصدر المحافظ من أجل السيطرة على عملية التسليم والتخزين أمرا عسكريا بتشكيل لجنة كانت تضم ممثلين عن القوات المسلحة والشرطة ومديرية التموين والاتحاد الاشتراكي، ونظرا لأن المياه كانت متوافرة داخل المدينة بعد الإجراءات التي اتخذها المحافظ ومعاونوه، فقد طلب المحافظ من القاهرة عدم إرسال عربات فناطيس مياه، وكان ذلك عقب وصول عشر عربات فناطيس مياه، ضمن قافلة الإمدادات التي وصلت السويس يوم ١٨ نوفمبر. وعلى الرغم من وصول كميات ضخمة من المواد التموينية من القاهرة قدرت في نهاية مدة الحصار بما لا يقل عن ٣٥ ألف طن، فإن المحافظ بدوى الخولى ظل متمسكا بقراره الذي تم فيه تحديد المقدار الذي يصرف لكل فرد في المدينة من المواد التموينية مجانا بدون مقابل على أساس أن هذا المقدار يكفى لإعاشة الفرد دون إسراف.

بينما قال اللواء يحيى عبد الكريم الخبير الأمنى إن رجال الشرطة في السويس فتحوا مخازن الأسلحة والذخائر ووزعوا السلاح على كل قادر على حمله من المواطنين، وبدأوا في تنظيم خطط الدفاع والتصدى للدبابات الإسرائيلية المتقدمة. ورغم نجاح بعض الوحدات الإسرائيلية في اختراق الشوارع ودخول السويس، فإن المقاومة التي شاركت فيها الشرطة كانت عنيفة، ودفعت العدو إلى التراجع بعد اشتباكات شرسة.

أوقعت الشرطة بالتعاون مع القوات الشعبية والعسكرية أضرارا جسيمة بالقوات الإسرائيلية، حيث تم تدمير الدبابات والمجنزرات الإسرائيلية وأوقعت بها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

في شهادة اللواء محيي الدين خفاجة مدير أمن السويس في أكتوبر ۱۹۷۳، التي توثق دور الشرطة خلال هذه الأحداث يتضح أن رجال الشرطة كانوا في قلب المعركة، لم يتراجعوا أو ينسحبوا رغم النيران الكثيفة.

قاد الضباط العمليات بحنكة وشجاعة. ومن أبرز الأبطال الذين استشهدوا في هذه المعركة الرائد نبيل شرف والنقيب محمد عاصم أحمد حمودة، اللذان واجها العدو ببسالة حتى استشهدا أثناء التصدى للهجوم الإسرائيلي على قسم شرطة الأربعين.

استشهد الرائد نبيل شرف بعد إصابته برصاصة في رأسه، خلال قيادته قوة من الشرطة لمواجهة العدو الذي حاول الاستيلاء على قسم الأربعين، لكنه تمكن من إجبار العدو على الانسحاب، كما استشهد النقيب محمد عاصم أحمد حمودة أثناء محاولته اقتحام مبنى القسم التحرير الجنود المحاصرين هؤلاء الأبطال، إلى جانب الجنود والعرفاء ورجال المقاومة الشعبية الذين قدموا أرواحهم فداء للمدينة، كانوا رمزا للفداء والشجاعة.

وقال اللواء محمد عبد السلام مساعد وزير الداخلية الأسبق، إن قوات الشرطة استعدت بأقسامها ووحداتها للمعركة وأصبحت غرفة عمليات الدفاع المدنى بميدان الأربعين مقرا لأعمال قيادة الدفاع الشعبي. وبذلت أجهزة الإطفاء والإنقاذ جهودا جبارة خلال الغارات الجوية، كما فتحت الشرطة مخازن السلاح الإمداد المتطوعين بالأسلحة والذخائر وعندما قام العدو يوم ٢٣ أكتوبر بقطع الاتصالات السلكية مع القاهرة، أصبحت الشبكة اللاسلكية الخاصة بشرطة النجدة هي حلقة الاتصال الوحيدة بين السويس والقاهرة. وكان الرائد محمد رفعت شتا يتولى قيادة هذه الوحدة اللاسلكية ويعاونه الملازم أول عبد الرحمن غنيفة ضابط الاتصال وتحت قيادته ۲۷ ضابط صف وعسكريا. وكان قيام الوحدة اللاسلكية بعملها في هذه الظروف الصعبة فيه مخاطرة كبرى ويدل على شجاعة عظيمة من رجال الشرطة فقد كان مقرها في مكان منعزل غرب السويس ويقع على طريق ناصر الذي يصل بين مدخل السويس عند منطقة المثلث وبين الطريق الرئيسي المؤدى الى الزيتية. وقد مرت عبر هذا الطريق في المساء الدبابات الإسرائيلية في الوقت الذي لا يوجد فيه لدى قوة الدورية أي تسليح سوى طبنجتين للدفاع الشخصي.

لم تنم المدينة الباسلة وظل جميع أبنائها ساهرين طوال الليل في انتظار وصول الأعداء. وعندما نادى المؤذن لصلاة الفجر اكتظت المساجد بالناس. وفي مسجد الشهداء بجوار مبنى المحافظة أم المصلين الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الإسلامية.. وعقب الصلاة ألقى المحافظ بدوى الخولى كلمة قصيرة وأوضح فيها للناس أن العدو يستعد لدخول السويس، وطالبهم بالهدوء وضبط الأعصاب، وأن يسهم كل فرد بما يستطيعه واختتم كلمته بالهتاف "الله أكبر" وارتفع الدعاء من أعماق القلوب إلى السماء.

وفى يوم ٢٣ أكتوبر ۱۹۷۳ م عقد ضباط الشرطة اجتماعا بمبنى قسم شرطة الأربعين لمناقشة وسائل التصدى، إذا ما حاول العدو اقتحام المدينة بالدبابات واقترح وقتها أحد ضباط قسم الأربعين أن يذوب رجال الشرطة بين أفراد الشعب مشاركين إياهم المقاومة الشعبية، ثم حث الجميع على التبرع بدمائهم والعمل على جمع القادرين على حمل السلاح وأقسم الجميع على الفداء.

وفي الساعة السادسة والربع من صباحاليوم التالي بدأت طائرات العدو في قصف السويس بكثافة الإرهاب الناس وبذر بذور اليأس في نفوس المواطنين تمهيدا لاقتحام المدينة.. واتجه العديد من المواطنين إلى مسجد الشهداء يلوذون ببيت الله فما كان من النقيب حسن أسامة إلا أن دخل المسجد، واعتلى المنبر، ليشيد بأهل السويس، ويخاطبهم بحماس ويحثهم ويدعوهم إلى المزيد من العطاء، فتسابق الجميع للخروج حاملين أسلحتهم متوجهين إلى منافذ المدينة للمشاركة في القتال، أما من لم يكن يحمل سلاحا فقد شارك في إطفاء

الحرائق، كما راح المسنون يرشدون المواطنين إلى الملاجئ ويساعدون في إخلاء الأحياء من المواقع التي كان يقذفها العدو، وغير ذلك من الجهود التي كانت مثلا رائعا للتناسق والتلاحم بين الشرطة والشعب.

-وفى هذا الإطار، يقول اللواء عادل الزنكلوني مساعد وزير الداخلية الأسبق إن الشرطة كان لها دور بارز في حرب أكتوبر، حيث وضع اللواء ممدوح سالم وزير الداخلية - وقتها - خطة تأمين الجبهة الداخلية لخوض حرب أكتوبر بالتدريبات القتالية لسرايا الأمن المركزي وتشمل التدريب على عمليات الكمين والإغارة وتمييز طائرات العدو ومقاومة الهابطين بالمظلات والدوريات الجبلية والصحراوية، وقبل الحرب بأربعة أيام عقد اجتماعا مع المسؤولين بمديريات الأمن لوضع خطط ثابتة لتأمين البلاد إذا اندلعت الحرب وكانت الأهمية لمدن القناة. وقدم رجال الشرطة والشعب المصرى واحدة من ملاحم كثيرة ومتعددة قام بها رجال مصر البواسل وسطروا على جبين الوطن شعارهم الدائم النصر أو الشهادة"، فكل جندى وفرد وضابط كان يشكل ملحمة وأنشودة وطنية تتناقلها الأجيال.

Katen Doe

سمير العبد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مشاركة الشباب الواسعة فى انتخابات النواب.. دليل الوعى السياسى
حركة تنقلات ضباط الشرطة
وزارة الداخلية تستعيد بريقها الشعبى بالخدمات والمبادرات الإنسانية
سيد
توفيق

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص