من السقايين إلى النحاسين وسوق السلاح.. المهن ترسم ملامح الشوارع حكاية الحارات والمهن.. حين كانت الشوارع كتاب مفتوح يحكى سيرة المصريين
فى القاهرة، المدينة التى لا تنام، لا تسير فى شارع إلا وتلمح أسماء محفورة على الجدران، لا تحمل فقط تعريفا بالمكان، بل تبوح بحكاية، وتنقل تفاصيل زمن كانت فيه المهن حاضرة بقوة، تشكل وجدان الناس، وتحكم تفاصيل حياتهم اليومية.
فى قلب هذه المدينة التى تحمل ملامح العصور الإسلامية والعثمانية والمملوكية جنبا إلى جنب، تبرز أسماء الشوارع والحارات كأرشيف شعبى صامت، يحفظ سيرة الحرفيين والباعة والسقايين وصناع النحاس والسلاح والكعك والبخور. شوارع بأكملها كانت تنسب إلى مهنة بعينها، أو إلى طائفة حرفية محددة، حتى صارت كل حارة بمثابة بطاقة تعريف لهوية مصر فى لحظة من لحظات الزمن، ولعل المفارقة أن مصر لم تعرف نظام تسمية الشوارع بشكل رسمى إلا فى عهد محمد على باشا، أما قبل ذلك فكانت الأحياء تعرف بأسماء القبائل أو أرباب الحرف، أو حتى بحسب منشأة معمارية بارزة فى المكان، مثل مسجد أو قصر أو سبيل.
فى هذا الأسبوع نعرض جولة عبر بعض الحارات والشوارع التى احتفظت بأسمائها المرتبطة بالمهن، نقرأ من خلالها رواية المكان والناس معا، ثم نحكى حكاية أول حارة.
حارة السقايين
"ما تروحش تبيع الميه فى حارة السقايين"، مثل مصرى شهير يقال لمن يظن أنه يعلم أهل المهنة أصولها. لكن هذا المثل لم يأت من فراغ، بل من واقع كانت فيه مهنة "السقا" أساسا من أسس الحياة فى القاهرة.
فى منطقة السيدة زينب تقع حارة السقايين، وكانت إحدى النقاط الأربع الرئيسية التى يتجمع فيها "السقايين" لنقل الماء من النيل إلى قلب القاهرة. كلمة "السقا" تعنى ناقل الماء، وهى مهنة قديمة مارسها رجال ونساء على السواء، وكانوا يحملون قربًا مصنوعة من جلد الماعز، يملؤونها من النيل أو من الأسبلة، ثم ينقلونها إلى البيوت والمدارس والمساجد..
ولأن المهنة كانت حساسة، تتعلق بصحة الناس، فقد كانت تخضع لرقابة شديدة. لم يكن يسمح لأى شخص أن يعمل "سقا" إلا بعد اجتيازه اختبارا من وزارة الداخلية، ليمنح رخصة مزاولة المهنة، وكان عليه أن يعلق هذه الرخصة على كتفه برباط من الجلد، ليعرف بها فى الحارات.
مع ظهور شبكة المياه الحديثة فى القاهرة الخديوية، بدأت المهنة فى الانقراض، لكن بقيت الحارة شاهدة على زمن كان فيه "السقا" من الشخصيات المحورية فى حياة الناس.
شارع سوق السلاح
فى منطقة الدرب الأحمر، جنوب القاهرة، يقع شارع سوق السلاح. فى البداية كان يعرف بـ"سويقة العزى" نسبة إلى الأمير عز الدين بهادر من أمراء المماليك، لكن مع الوقت تغير الاسم ليتناسب مع واقع المكان، حيث انتشرت فيه ورش صناعة السلاح من رماح وسيوف ودروع، فكان الشارع أحد أهم مراكز التسليح فى عصر المماليك يخدم قلعة صلاح الدين، ويزودها بما تحتاجه من أدوات الحرب. ثم مع تراجع الحاجة إلى تلك الأسلحة، تحولت الورش إلى محلات إصلاح البنادق والمسدسات. ومع دخول الخمسينيات، اندثرت المهنة تماما، لكن ظل الاسم حيا.
حارة النحاسين
منطقة النحاسين هى جزء من شارع المعز لدين الله، وتعد واحدة من أجمل المناطق الشعبية فى القاهرة. ارتبطت منذ العصر الفاطمى بصناعة النحاس، وكانت المركز الرئيسى لتجار وصناع أدوات المطبخ، والنجف، وقدور الفول، وصوانى الطعام، وأباريق المياه.. كان الحرفيون هناك فنانين بالفطرة، يحولون النحاس الأصفر إلى لوحات فنية، بنقوش دقيقة وأشكال زخرفية تعكس الذوق الرفيع. وبالرغم من اندثار الاستخدام اليومى للنحاس، إلا أن بعض الورش ما زالت تعمل، لصناعة أدوات ديكور تراثية.
حارة الصناديقية
تتفرع حارة الصناديقية من شارع المعز، وسميت بهذا الاسم لأنها كانت سوقا لصناعة وبيع الصناديق الخشبية الخاصة بجهاز العروس. كانت الصناديق تستخدم بدلا من الدواليب، وكانت تصنع بزخارف يدوية مذهلة.. إلى جانب ذلك، اشتهرت الحارة ببيع البخور والعطور والتوابل، خاصة السمن الدسم الذى كان يخزن فى براميل كبيرة. ومن أشهر من سكن الحارة كان المؤرخ عبد الرحمن الجبرتى.
حارة الكحكيين
فى قلب منطقة الغورية، توجد حارة الكحكيين، وكانت تعرف قديما بـ"رحبة الكعكيين"، حيث اشتهرت بصناعة الكعك. كان فيها فرن كبير يتوافد إليه الناس بصاجات الكحك لتسويته..
اليوم، لم يتبق من الحارة سوى اسمها، فقد تحولت بالكامل إلى سوق لبيع الأقمشة والمفروشات، واختفت معالم المهنة التى أعطتها هويتها.
حارة التمبكشية
من حارات حى الجمالية، وتتفرع من شارع المعز، وسميت باسم "التمبكشية" نسبة إلى بائعى التمباك أو التبغ. كانت تضم سوقا لبيع الدخان والنشوق، وبعض أنواع العطور الشرقية.
حارة القربية
حارة القربية ذكرها المقريزى كجزء من حارة المنصورية بالدرب الأحمر، وترجع تسميتها إلى صناعة القرب من جلود الماعز ليحمل السقا فيها المياه. اندثر بريق الحارة مع التحولات التى طرأت على حرفة السقا.. ولمنطقة القربية تاريخ عريق؛ فقد كانت أهم أسواق بيع «سقط المواشى» وكان بها سوق السقطيين، وأول وحدة صحية فى الدرب الأحمر وأول مدرسة أهلية فى القاهرة «القريبة» أنشأها على باشا مبارك سنة 1284هـ، على مبنى بيت تابع للأوقاف.
أما زاوية رضوان بك فتقع فى نفس حارة القربية، والزاوية أنشأها الأمير رضــوان بن عبدالله الفقارى، عام 1650 م، محل زاوية قديمة للشيخ عويطى، وبها قبره، وعرفت بالغربية لتمييزها عن الزاوية الشرقية التى أقامها وسط قصبته بشارع الخيامية الحالى، والتى خصصها لبيع أخفاف الحريم وبعض المصنوعات الجلدية، ويذكر أن رضوان بك كان أمير الحج فى عهد الوالى العثمانى أحمد باشا الأرنؤود، وكان صالحا ملازما للصوم والعبادة، حسن السيرة خصوصا فى بر الحجاز، فكان يرسل لأهله صرر المال، وكل من له حاجة بمصر قضاها.
وأوقف هو وزوجته أمينة خاتون على الزاويتين الأوقاف الكثيرة، ولما توفى عام 1656م، دفن بشارع الإمام الليث بين تربتى آمنة قادن، وعثمان كتخدا القازدوغلى.
بداية ظهور مهنة السقا
فى العصور الإسلامية، لم تكن مياه الآبار داخل القاهرة صالحة للشرب، إذ كانت تميل إلى الملوحة. لذلك، كان اعتماد السكان الأساسى على ماء النيل، وهنا ظهر دور "السقايين".
كان السقا رجلا (وأحيانا امرأة) يحمل قربة من جلد الماعز على ظهره، يجول الحارات، وتُملأ القربة من النيل أو الأسبلة. وتعطر بالمستكة أو ماء الورد، وأحيانا بالنعناع، وكان السقا يرتدى زيا معروفا عبارة عن سروال أزرق قصير، وقربة على الظهر، وأغنية يدندن بها: "يا عطشان الله سبيل، المغفرة والجنة" ويصعد السقا الطوابق، ويسكب الماء، ثم ينقش علامة على لوح خشبى معلق على باب المنزل، بعدد القرب التى أوصلها، أو يستخدم عقدا من الخرز، كل خرزة مقابل قربة، وعندما تنتهى حبات العقد، يحسب الحساب.
وكانت المهنة ذات طابع دينى أيضا، إذ كان السقاة يعتبرون عملهم صدقة جارية. المؤرخ إدوارد لين كتب عنهم قائلا إن السقا كان يحمل القربة لمسافة ميلين مقابل قرش، وبعضهم كان يروى عطش المارة بالمجان.
والرحالة الفارسى ناصر خسرو الذى زار القاهرة فى العصر الفاطمى قبل ألف عام، قال إن بها 52 ألف جمل يحمل روايا السقايين وسكن السقايين فى أماكن مختلفة، منها كفر الشيخ ريحان، الذى أُطلق عليه لاحقا حارة السقايين، لكنهم توزعوا أيضا بين أربع طوائف، لكل واحدة شيخ ومقر، فهناك حاملو المياه على الحمير مقرهم عند باب البحر وباب الشعرية، ومجموعة باب اللوق، ومجموعة حارة السقايين، ومجموعة قناطر السباع.. كما لعب "السقايين" دورا آخر غير توزيع المياه، فقد كانوا يشاركون فى إخماد الحرائق فى أى وقت. بالإضافة إلى توصيل جزء كبير من الماء إلى الأسبلة التى خصصت للفقراء وعابرى السبيل.
وكانت المهنة تخضع لإشراف المحتسب، الذى ألزمهم بنظافة القرب، وجلى الكيزان النحاسية، وتغطية الأزيار، ومنعهم من استخدام نفس الأكواب لأصحاب الأمراض المعدية.
وفى كثير من كتب الحسبة نجد ذكر الشروط الأخلاقية للسقا أن يكون أمينا، عفيفا، محترما لحرمة البيوت، لا ينظر لأبعد من قدميه، ولا يملأ القرب من مياه عكرة، ولا يسمح له بالعمل ليلا، وكان عليه أن يعلق أجراسا فى عنق الحيوانات التى تحمل الماء، لتنبيه المارة.
وبقى "السقايين" فى مواقعهم حتى منتصف القرن التاسع عشر، حين أنشأ الخديو إسماعيل أول شبكة مياه حديثة سنة 1865، وأسند إدارتها لشركة أوروبية، فبدأت المواسير تجرى تحت الشوارع، واندثرت المهنة تدريجيا..
لكن ظلت المنطقة متمسكة بصناعات أخرى للجلود.. ومنها تجفيف جلود الأضاحى وتجهيزها للتصنيع، وكذلك صناعة الأحذية والشنط لتكون قلعة من قلاع تصنيع الجلود بالقاهرة.
سوق «سقط المواشى»
تاريخ عريق وأحداث كثيرة شهدها شارع «القربية»، فى منطقة الدرب الأحمر، ومن بينها سوق سقط المواشي، لبيع لحمة الرأس والكرشة والفشة والكوارع (لما كنا أطفال زمان كان فيه سوق بتاع كرشة وفشة وكان حوالى 50 واحد بييجى يفرشوا هنا)، بحسب ما رواه لنا بعض سكان الشارع.
وقال على باشا مبارك عنها فى الخطط التوفيقية، "ابتداؤه من شارع باب زويلة وانتهاؤه شارع الحمزية وطوله 156 مترا به حوانيت معدة لبيع القرب والدلاء".
فى الحلقات القادمة من "فسحة وحكاية"، نواصل السير فى دروب الحارات والمهن المصرية التى صنعت ذاكرة المكان.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تخيل أنك طالب تبحث عن معلومة محددة ذُكرت في ندوة تعليمية مدتها ثلاث ساعات. في الوضع التقليدي، ستضطر لقضاء وقت...
هناك العديد من العادات الضارة التى يفعلها الصائم بشكل روتينى وتؤثر سلبيا على صحته، وقد تهدد حياته أحيانا دون أن...
مر نصف شهر رمضان الكريم بكل ما يحويه من أجواء روحانية تعلو فيها قيم التسامح والود بين الناس، يحرص الجميع...
قضى الطاعون على أصحابه.. وظل البيت شاهداً مسجل أثر برقم 72 وكان فترة من الوقت مقرا لنقابة الأثريين