أبعاد تدخلات القيادة السياسية لسد ثغرات قانون الأحوال الشخصية

د. جمال فرويز: غياب المودة والرحمة وراء زيادة معدلات الرغبة فى الانتقام الفضالى: تطبيق نظام «الاستضافة» ضمانة فاعلة لتربية الأبناء د. سامية فضل: تعديل التشريعات الأسرية ليس كافياً.. ولا بد من تفعيل مؤسسات التنشئة

في توقيت تتقاطع فيه التحديات الاجتماعية مع الضغوط الاقتصادية والتحولات الثقافية، أعادت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بسرعة تقديم مشروعات قوانين الأسرة والطفل إلى مجلس النواب فتح واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وإلحاحا على طاولة النقاش العام. فبين دعوات إصلاح قانون الأحوال الشخصية وتصاعد معدلات النزاعات الأسرية وتزايد التأثيرات النفسية على الأطفال .

في البداية أكدت المستشارة هايدى الفضالي رئيس محكمة جنايات الأحداث والأسرة سابقا

أن توجيهات القيادة السياسية بسرعة إعداد تعديلات على قانون الأحوال الشخصية جاءت استجابة لوجود قصور واضح في القانون الحالي خاصة في ظل الأزمات الاجتماعية والنفسية التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة، سواء لدى الأطفال أو الآباء أو الأمهات نتيجة بعض الثغرات التشريعية وهناك حراكا قانونيًا ومجتمعيا واسعا خلال الفترة الحالية لصياغة قانون متوازن يراعى مصلحة جميع الأطراف، وعلى رأسها الطفل، من خلال إدخال تعديلات جوهرية تعالج الإشكاليات القائمة، وتحقق قدرا أكبر من العدالة الأسرية.

وأضافت الفضالى أن من أبرز المقترحات المطروحة تطبيق نظام "الاستضافة" بما يضمن مشاركة فعلية في تربية الأبناء بين الأب والأم، من خلال تنظيم أوقات الاستضافة والمبيت بما يسمح للطفل بالتواصل الطبيعى مع الطرفين، ويحافظ على صلة الرحم مع أسرة الأب، التي قد تحرم في بعض الحالات من رؤية الأحفاد في ظل النظام الحالي مشيرة إلى أن من بين التعديلات المقترحة أيضا إعادة النظر في قضايا قائمة المنقولات، بحيث لا تعامل كجنحة تبديد أو إيصال أمانة، وإنما تحال إلى محكمة الأسرة كدعوى مدنية لاسترداد المنقولات أو قيمتها، بما يحقق التوازن دون اللجوء إلى الحبس.

وفيما يتعلق بملف الطلاق، أكدت ضرورة توثيق الطلاق بشكل رسمي، وعدم الاعتداد بالطلاق الشفهي، مشيرة إلى أهمية أن يتم الطلاق بحضور الطرفين أمام المأذون، أو من خلال دعوى قضائية تضمن علم الزوجة وإتاحة فرصة للصلح قبل إنهاء العلاقة، بما يمنع التلاعب أو وقوع الطلاق دون علم أحد الطرفين، مشيرة إلى أهمية إنشاء نظام الملف الواحد داخل محاكم الأسرة، بحيث تنظر جميع القضايا المتعلقة بالأسرة أمام قاض واحد، ما يحد من تضارب الأحكام، ويمكن القاضي من تقييم الحالة بشكل شامل، وفقا لدخل الزوج وظروف الأسرة، بما يحقق عدالة أكبر فى تقدير النفقات والالتزامات.

كما طرحت المستشارة السابقة فكرة إنشاء صندوق دعم للأسرة، يهدف إلى توفير دعم مالي عاجل للأرامل والمطلقات، على أن يتم تمويله من رسوم رمزية على خدمات مثل وثائق الزواج والميلاد، أو من خلال أدوات تمويلية أخرى، مع تولى جهة مختصة تحصيل المستحقات لاحقا من الملزمين بالسداد موضحة أن مقترح إنشاء مجلس متخصص لشؤون الأسرة، يتولى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي قبل وأثناء وبعد الزواج، ويُسهم في تسوية النزاعات

وإصدار تقارير استشارية تعرض على القاضي في القضايا المختلفة، بما يعزز من فرص الحلول الودية.

وفيما يخص الحضانة، أوضحت الفضالي أنها ترى ضرورة استمرار سن الحضانة حتى ١٥ عاما على الأقل، مع إمكانية من بعض الحقوق مثل السكن حتى سن الزواج أو العمل، مؤكدة رفضها خفض سن الحضانة إلى ٧ سنوات، لعدم ملاءمته من الناحية العملية والاجتماعية.

وأضافت أن من المقترحات أيضا تقديم الأب في ترتيب الحضانة مباشرة بعد الأم، خاصة في حالة وفاة الأم، مع منح القاضى سلطة تقديرية وفقا المصلحة الطفل، مشددة على أهمية الحفاظ على الاستقرار النفسي والاجتماعي للأبناء، مشددة على أن الهدف من هذه التعديلات هو الوصول إلى قانون متوازن يراعى مصلحة الطفل أولا، ويحقق العدالة بين الطرفين، ويحد من النزاعات القضائية الممتدة بما يضمن استقرار الأسرة المصرية.

في السياق ذاته، أكد الدكتور جمال فريز استشارى الطب النفسي، أن القوانين المنظمة للأحوال الشخصية ليست السبب الرئيسي في تفكك الأسرة، مشيرًا إلى أن جوهر الأزمة يعود إلى تزايد اضطرابات الشخصية والسلوك داخل المجتمع، في ظل ما وصفه بـ الانهيار الثقافي الذي انعكس على العلاقات الأسرية بشكل واضح، كما أن نسب اضطرابات الشخصية شهدت ارتفاعا ملحوظا عالميا حيث تجاوزت في بعض الدول ٤٠%، بينما تتراوح في مصر ما بين ٣١ إلى ٣٦، وهذه الاضطرابات تمثل عاملا رئيسيًا فى تصاعد المشكلات الأسرية، وليس النصوص القانونية في حد ذاتها.

وأضاف فرويز أن القوانين كانت موجودة عبر فترات زمنية مختلفة، سواء فى ظل المحاكم الشرعية أو المدنية، ولم تكن تمثل عائقا أمام استقرار الأسرة لكن التغيرات الثقافية والاجتماعية، إلى جانب استغلال بعض الأفراد لثغرات القوانين، ساهمت في تفاقم النزاعات، مشيرًا إلى أن غياب مفاهيم المودة والرحمة داخل الأسرة، والتي تعد أساس العلاقة الزوجية، أدى إلى تصاعد سلوكيات سلبية، من بينها العنف والرغبة في الانتقام، بدلا من اللجوء إلى الحلول القانونية المتاحة مثل الطلاق أو الخلع، وهو ما يفاقم الأزمات ويؤثر بشكل مباشر على الأبناء.

وأوضح استشارى الطب النفسي أن الأطفال هم الضحية الأكبر لهذه النزاعات، حيث يتعرضون لاضطرابات نفسية وسلوكية، قد تمتد إلى اضطرابات أكثر تعقيدا، نتيجة غياب الاستقرار الأسرى وفقدان الشعور بالأمان، لافتًا إلى أنه يلاحظ في عيادته ارتفاعا في معدلات الاضطرابات بين المراهقين بما في ذلك اضطرابات سلوكية وجنسية وانشغال الأب والأم بخلافاتهما الشخصية يؤدى إلى إهمال الأبناء ما ينعكس في سلوكيات مثل السرقة أو العنف أو اللجوء إلى مصادر غير آمنة عبر الإنترنت، مؤكدًا أن غياب الحوار داخل الأسرة يمثل أحد أبرز أسباب هذه الظواهر.

وشدد فريز على أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدى إلى تفاقم الأزمة في المستقبل، حيث سينعكس ذلك على الأجيال القادمة التي ستدخل في علاقات زوجية غير مستقرة، ما قد يجعل أي قانون جديد غير كاف بمفرده لمعالجة الأزمة، مؤكدًا أن الحل لا يقتصر على تعديل القوانين، بل يتطلب استعادة الهوية الثقافية للمجتمع، من خلال تكامل أدوار مؤسسات الدولة المختلفة، بما في ذلك الإعلام ودور العبادة، ووزارات التعليم والشباب، بهدف تعزيز القيم الأسرية وبناء وعى مجتمعی قادر على حماية الأسرة من التفكك.

وفي سياق متصل أكدت الدكتورة سامية فضل أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن التعديلات المرتقبة على قانون الأحوال الشخصية تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها لن تكون كافية بمفردها لإعادة استقرار وترابط الأسرة المصرية، مشددة على أن الأزمة أعمق من مجرد نصوص قانونية وتحقيق الاستقرار الأسرى يرتبط في المقام الأول بمنظومة القيم والتنشئة الاجتماعية، التي تراجعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن الأجيال السابقة نشأت على نماذج إيجابية عززت مفهوم الترابط الأسرى والمسؤولية، في حين يواجه الجيل الحالي محتوى إعلاميا لا يدعم هذه القيم بالقدر الكافي.

وأضافت فضل أن بعض الأعمال الدرامية والبرامج الحالية تسهم في تشويه صورة الأسرة والعلاقات الإنسانية، من خلال تقديم نماذج قائمة على الصراع وعدم الثقة, وهو ما ينعكس سلبا على وعى الشباب خاصة في مراحل التكوين الأولى، لافتة إلى أن غياب النماذج الإيجابية في الإعلام يمثل أحد أسباب تراجع الثقة بين الجنسين

وأكدت أن القانون وحده لا يستطيع إصلاح ما أفسدته التنشئة غير السليمة، موضحة أن بناء الأسرة يبدأ من غرس قيم الثقة والاحترام المتبادل منذ الصفر، وليس فقط من خلال فرض قواعد قانونية تنظم العلاقة بين الزوجين بعد حدوث الخلاف.

وأشارت أستاذ علم الاجتماع إلى أن تراجع الثقة أصبح سمة بارزة في العلاقات بين الشباب، حيث يتردد الكثيرون في الإقدام على الزواج بسبب مخاوف متبادلة، ما يعكس أزمة عميقة في بنية العلاقات الإنسانية داخل المجتمع، مضيفة أن هذه الحالة من عدم الثقة تمتد أثارها إلى الأطفال، الذين ينشأون في بيئة مضطربة، ما قد يؤدى إلى ظهور مشکلات اجتماعية خطيرة، مثل التفكك الأسرى وأطفال الشوارع، مؤكدة أن التعامل مع هذه الظواهر يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول التشريعية.

وشددت فضل على أهمية إعادة بناء منظومة القيم من خلال تفعيل دور مؤسسات التنشئة. وعلى رأسها الأسرة والمدرسة، والإعلام، داعية إلى تقديم محتوى هادف للأطفال والشباب يعزز مفاهيم التعاون والاحترام والمسؤولية، و إصلاحالأسرة المصرية يتطلب تكاملا بين التشريع والتربية والثقافة، موضحة أن القانون يمكن أن يكون أداة مساندة، لكنه لن ينجح دون بيئة اجتماعية داعمة تعيد إحياء الثقة والعلاقات الإنسانية السليمة داخل المجتمع.

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ايجار

المزيد من تحقيقات

خطة الحكومة لمواجهة الإدمان الرقمى وحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت

حماية للأمن القومى.. المهندس عمرو صبحى: «شريحة الطفل» خطوة استباقية لخلق بيئة رقمية آمنة للنشء محمد عزام: الاستخدام المفرط للأدوات...

أبعاد تدخلات القيادة السياسية لسد ثغرات قانون الأحوال الشخصية

د. جمال فرويز: غياب المودة والرحمة وراء زيادة معدلات الرغبة فى الانتقام الفضالى: تطبيق نظام «الاستضافة» ضمانة فاعلة لتربية الأبناء...

10 آلاف مخالفة على مستوى الجمهورية خلال شهر

حملات مكثفة لل «الداخلية» على محال ومنشآت لم تلتزم بقرار الغلق محافطتا الوادى الجديد ومرسى مطروح أكثر المحافظات التزامًا بالتعليمات...

من الأورمان للدقى.. حكاية معرض الزهور

بمشاركة 100 عارض يدشن نسخته الـ 93 معرض الزهور يزين المتحف الزراعى بالدقى أعمال تطوير المقتنيات وتحديث أساليب العرض أتاحت...