أرسلت مصر «كسوة الكعبة» منذ عهد عمر بن الخطاب وعرفت أقمشتها بأسم «القباطى»

كسوة الكعبة فى حى «الخرنفش»

فى طريقنا إلى دار كسوة الكعبة بحى الخرنفش، تجولنا فى شوارع تزينها المساجد والمبانى الأثرية على الجانبين؛ أسبلة ومدارس ووكالات وقباب ومتاحف تبرز روعة العمارة الإسلامية. لم نجد بين المارة من يعرف بوجود مكان اسمه دار الكسوة، حتى بدأت أسأل عن حى الخرنفش، اقتربت من الشارع الموجود به الدار ليشير لى أحد السكان إلى مبنى أو بالأدق جدار لا يميزه أى شىء حتى أن لافتته منزوعة ولا يوجد ما يدل عليه؛ اللافتة الوحيدة الموجودة كانت لمحل غسيل سجاد ملاصق لدار كسوة الكعبة، وأخبرنى أن هذا المبنى هو دار كسوة الكعبة، مضيفا: "بقت مخزن للأوقاف".. قالها بإحباط وهو ينظر إليها بلا مبالاة ممزوجة بحزن، وأصابتنى أنا أيضا الدهشة: هل هذا هو المكان الذى حظى بتلك المكانة التاريخية الفريدة طوال سنوات؟!. نظرت يمينا ويسارا وسألت أحد المارة ليؤكد أو ينفى المعلومة، فوجدته يؤكد ما قاله سابقه.

الصورة التى رأيت عليها المكان أو مبنى دار الكسوة هى: جدار طويل جدا يشبه الحصن، يكاد يمتد بطول الشارع من بدايته إلى نهايته، فقط تخترقه بضعة شبابيك حديدية أغلقتها الكراكيب، وله بوابة حديدية باللون الأخضر وجدار سقطت أجزاء كبيرة منه مثلما انتهى دور الدار وتوقفت عن أداء مهمتها.

"مجدى شاكر" كبير الأثريين بوزارة الآثار قال: "لم تكن علاقة مصر بصناعة كسوة الكعبة المشرفة أمرا حديثا، بل يرجع ذلك إلى عهد ثانى الخلفاء الراشدين سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه الذى كان يوصى أن تصنع كسوة الكعبة بالقماش المصرى المعروف بالقباطى الذى اشتهرت بتصنيعه مدينة الفيوم وينسب اسمه إلى أقباط مصر، وكان المصريون ماهرين فى نسج أفضل وأفخر الثياب والأقمشة.

ويذكر المؤرخ "أبو الوليد الأزرقى" أن سيدنا عمر بن الخطاب كسا الكعبة المشرفة بالقباطى من بيت المال، وكان يكتب إلى والى مصر عمرو بن العاص لطلبه، ويذكر المقريزى أن أحد مؤرخى مكة وهو "الفاكهى" رأى كسوة الكعبة من القباطى المصرى، وقد كتب عليها إنها صنعت بأمر الخليفة المهدى فى ورش تنيس على يد والى مصر، ورأى نفس الرجل كسوة من القباطى صنعت فى مصر بأمر الخليفة العباسى هارون الرشيد فى ورش مدينة تونة بمصر، حيث كانت الكتابات المسجلة على الكسوة عادة ما توضح مكان الصنع والتاريخ، وذلك بداية من العصر العباسى.

فى الدولة الفاطمية اهتم الحكام بإرسال كسوة الكعبة كل عام من مصر، وكانت الكسوة بيضاء اللون، وفى الدولة المملوكية، تحديدا فى عهد السلطان الظاهر بيبرس استمرت الكسوة ترسل من مصر، حيث كان المماليك يرون أن هذا شرف لا يجب أن ينازعهم فيه أحد، حتى ولو وصل الأمر إلى القتال، فقد أراد ملك اليمن "المجاهد" فى عام ٧٥١ هجرية أن ينزع كسوة الكعبة المصرية ليكسوها كسوة من اليمن، ولما علم بذلك أمير مكة أخبر المصريين فقبضوا عليه، وأرسل فى الأغلال إلى القاهرة.

كانت هناك أيضا محاولات لنيل شرف كساء الكعبة من قبل الفرس والعراق، لكن سلاطين المماليك لم يسمحوا لأى أحد أن ينازعهم فى هذا، وللمحافظة على هذا الشرف أوقف الملك الصالح إسماعيل بن عبد الملك الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر فى عام ٧٥١ هجرية وقفا خاصا لكسوة الكعبة الخارجية السوداء مرة كل سنة، وهذا الوقف كان عبارة عن قريتين من قرى القليوبية هما باسوس وأبو الغيط، وكان يتحصل من هذا الوقف على ٨٩٠٠ درهم سنويا، وظل هذا هو النظام القائم إلى عهد السلطان العثمانى سليمان القانونى، واستمرت مصر فى نيل شرف كساء الكعبة بعد سقوط دولة المماليك وخضوعها للدولة العثمانية، فقد اهتم السلطان سليم الأول بتصنيع كسوة الكعبة وزركشتها وكذلك كسوة الحجرة النبوية، وكسوة مقام إبراهيم الخليل.

وفى عهد السلطان سليمان القانونى أضاف إلى الوقف المخصص لكسوة الكعبة سبع قرى أخرى ليصبح عدد القرى الموقوفة لكسوة الكعبة تسع قرى وذلك للوفاء بالتزامات الكسوة، وظلت كسوة الكعبة ترسل بانتظام من مصر بصورة سنوية يحملها أمير الحج معه فى قافلة الحج المصرى، وفى عهد محمد على باشا توقفت مصر عن إرسال الكسوة بعد الصدام الذى حدث بين الوهابيين فى الأراضى الحجازية وقافلة الحج المصرية فى عام ١٢٢٢هجرية الموافق عام ١٨٠٧م، ولكن أعادت مصر إرسال الكسوة فى العام ١٢٢٨هجرية.

 دار "كسوة الكعبة" بالخرنفش

تأسست دار لصناعة كسوة الكعبة بحى الخرنفش فى القاهرة عام ١٢٣٣ هجرية، وهو حى عريق يقع عند التقاء شارع بين السورين وميدان باب الشعرية، ومازالت هذه الدار قائمة حتى الآن وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة داخلها، واستمر العمل فى دار الخرنفش حتى عام ١٩٦٢م، إذ توقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة لما تولى آل سعود شرف صناعتها، وظلت مصر على مدار ٧ قرون تحظى بشرف صناعة كسوة الكعبة المشرفة وخروج المحمل الشريف إلى الأراضى المقدسة، وذلك فى أجواء احتفالية عظيمة يحضرها كبار رجال الدولة لينطلق المحمل حاملا الكسوة إلى أرض الحجاز ويرافقها حجاج بيت الله الحرام فيما يشبه اليوم البعثة الرسمية للحج، مع اختلاف أن مصر كانت ترسل المساعدات والمعونات على نفقتها الخاصة، وكانت توجد التكية المصرية لعلاج وإطعام فقراء الحجيج وتم هدمها حاليا بعد شرائها من الحكومة المصرية لدخولها فى أعمال التطوير والتوسعة.

بداية فكرة المحمل الذى تنتقل فيه الكسوة إلى أرض الحجاز بدأت فى عهد "شجر الدر"، حيث خرج أول محمل فى عهد المماليك، والمحمل نفسه هو عبارة عن هودج فارغ يقال إنه كان هودج "شجر الدر"، أما الكسوة فكانت توضع فى صناديق مغلقة وتحملها الجمال ثم يتجه نحو أرض الحجاز، إلا أن الاحتفال بشكله المميز كان فى عهد الظاهر بيبرس، حيث كان سلاطين مصر المملوكية يلقبون بخدام الحرمين الشريفين، أما عن شكل المحمل فكان عبارة عن إطار مربع من الخشب هرمى القمة مغطى بستار من الديباج الأحمر أو الأخضر، وغالبا ما يزدان بزخارف نباتية وأشرطة كتابية مطرزة بخيوط من الذهب، وينتهى من الأسفل بفراشى، وللمحمل أربع قمم من الفضة المطلية بالذهب فى الزوايا الأربع، ويوضع داخل المحمل مصحفان صغيران داخل صندوقين من الفضة المذهبة معلقان فى القمة إضافة إلى الكسوة الشريفة، ويوضع المحمل على جمل ضخم يسمى "جمل المحامل" ويتمتع هذا الجمل بإعفائه من العمل بقية أيام السنة.

الكسوة يبلغ ارتفاعها ١٤ مترا ويحليها فى الثلث الأعلى منها حزام يعرف بحزام الكعبة المطرز بالأسلاك المصنوعة من الفضة المحلاة بالذهب، ونقش عليها: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" و"الله جل جلاله " و"سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" و"يا حنان يا منان"، وتحتها مباشرة سورة الإخلاص داخل مربعات مطرزة بالطريقة نفسها.

كانت الكسوة تشمل العتبة والطراز والقائم الصغير والقائم الكبير والوصل، ثم كسوة مقام إبراهيم عليه السلام وستارة باب مقصورة إبراهيم عليه السلام، وستارة باب التوبة، وستارة باب منبر الحرم المكى، ثم كيس مفتاح الكعبة المشرفة، بالإضافة إلى كسوة الحجرة النبوية الشريفة وستارة المنبر النبوى.

كانت تكلفة كسوة الكعبة مرتفعة للغاية، لذا أمر السلطان المملوكى الناصر محمد بن قلاوون حاكم مصر بوقف خراج قريتين بالقليوبية هى قرى باسوس وأبو الغيط لهذا الشأن، لكن العائد لم يعد يكفى بعده بسنوات طويلة، والسلطان سليمان القانونى سلطان الدولة العثمانية التى انتزعت مصر من المماليك أمر فى أثناء زيارته لمصر بوقف خراج ٧ قرى أخرى إلى جانب القريتين، ومع ذلك لم يكف العائد، فتم رفع الضرائب على أهالى تلك القرى، وفى عهد الوالى محمد على باشا أمر أن تخرج نفقة تصنيع كسوة الكعبة من خزينة الدولة التى آلت إليها كل الأوقاف وتأسست لهذا الشأن دار الخرنفش فى حى باب الشعرية فى القاهرة لتصنيع الكسوة فى عام ١٢٣٣ هجرية، وفى حى "الخرنفش" أمام مسجد القاضى عبد الباسط تأسس مصنع الكسوة المشرفة، وكان يقام حفل رسمى، ومن ثم تخرج الكسوة فى احتفال بهيج، وتخرج وراءها الجموع إلى ميدان الرميلة قرب القلعة، وكان مكان هذا المشغل ورشة خميس عدس، وكان قد أنشأها محمد على باشا لعمل آلات أصولية مثل السندانات والمخارط الحديد والقواديم والمناشير وأدوات الأحوال لصناعة غزل ونسيج الحرير والقطن.

بعد الانتهاء من تصنيع الكسوة، يخطر الحاكم فى مصر لبدء تجهيزات الخروج بالمحمل، وخلال مرحلة التصنيع كان يصل إلى مصر القادمون من شمال أفريقيا لأداء فريضة الحج، فكانوا يخرجون مع زفة المحمل برحلاتهم فى موكب مهيب، وكان الحاكم يعين أمير الحج للإشراف على حماية الموكب وتأمينه خلال الطريق، مع العلم أن دار كسوة الكعبة بالخرنفش مازالت قائمة حتى الآن، وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة داخلها، وظلت تعمل حتى عام ١٩٦٢م.

كان الظاهر بيبرس هو أول من أرسى الاحتفال بسفر المحمل من القاهرة إلى مكة، حيث كان يعرض كسوة الكعبة فى احتفالات شعبية فى شوارع القاهرة قبل سفرها بيوم، وبعدها أصبح المحمل والاحتفال به تقليدا يحرص عليه ملوك مصر وشعبها كل سنة فى وقت خروجه لمكة المكرمة، وكذلك الاحتفال بعودته منها، وهى الاحتفالات التى كان يشارك فيها الجيش قبل الثورة، وحراس المحمل والمرافقون له، وكان يطلق على قائد مسيرة المحمل أمير الحج، وكان غالبا من الباشوات والأمراء.

اعتاد المصريون أن يدوروا بالمحمل فى ربوع مصر، خاصة فى عهد أسرة محمد على باشا، وذلك لكى يعرف من يرغب بالحج لكى يستعد لهذه الرحلة المباركة بمرافقة المحمل، وكانت نظارة (وزارة حاليا) الداخلية ترسل إلى نظارة المالية إشعارات بتعيين أمير الحج وأمين الصرة، ثم ترسل المالية إلى كليهما خطابا محددة فيه واجباتهما وكشفا بعدد الموظفين والأطباء والمشاعلية وغيرهم من الضباط والجنود والخدم وعدد الخيام والجمال وسائر المستلزمات.

وكتقليد متبع فى كل عام، وبالتحديد فى شهر ذى القعدة، كانت نظارة الداخلية ونظارة المالية يتفقان على اليوم المحدد لنقل الكسوة من دار الكسوة الشريفة (مصلحة الكسوة/ورشة الخرنفش) التى أمر ببنائها محمد على باشا عام١٢٣٢ هجرية إلى مسجد الإمام الحسين، ويصدق الخديو على تعيين ذلك اليوم، ويصدر الأمر من رئيس مجلس النظار بتعطيل الدواوين والمصالح الحكومية وينشر ذلك فى الجريدة الرسمية، وتخطر نظارة الداخلية نظارة الحربية ومحافظة العاصمة ليكون الجميع ضباطا وجنودا على أهبة الاستعداد، كما تقوم المحافظة بإرسال الدعوات إلى العلماء وكبار رجال الدولة لحضور الاحتفال.

يبدأ الاحتفال غالبا فى الساعة التاسعة صباحا، قبل أن يحين الموعد بنحو الساعة، وفى ميدان القلعة تجاه مصطبة المحمل ويصطف الجنود حاملين أسلحتهم، ويبدأ توافد المدعوين فيستقبلهم وكيل المحافظة ومندوبوها، ويجلس العلماء فى الميمنة، وخلفهم قادة الجيش والجميع  بملابس التشريفة فى انتظار الجناب العالى الذى يحضر فى عربة تجرها أربعة جياد وبجواره رئيس النظار، ثم عربات كبار رجال الياوران والمعية، يحيط بالجميع ١٤٨ من فرسان الحرس الخديو، وتؤدى للخديو مراسم الاستقبال الرسمى بإطلاق ٢١ طلقة مدفعية ثم السلام الخديو، وبعد أن يحيى الجميع يجلس فى مكانه المخصص وبعدها يأخذ مأمور تشغيل الكسوة بزمام جمل المحمل ويدور به ثلاث مرات ثم يتوجه نحو الخديو الذى ينزل إلى أول درجة من المصطبة، فيصعد إليه مأمور الكسوة بكيس (مفتاح الكعبة) مبسوطا على كفيه، فيتناوله الخديو ويقبله ويتبعه قاضى القضاة الذى يتلو دعاء المحمل، ثم تقدم الهدايا إلى أربابها.

بعد ذلك يعتلى أمير الحج جواده وخلفه المحمل، وتعرض قطع الكسوة على المشاهدين فى حراسة الشرطة من الجنود، ويستعرض الخديو قوات رمزية من الجيش ومن سلاح الفرسان وحامية ركب الحج المصرى، وعقب انتهاء الحفل يدور ركب المحمل فى شارع محمد على ثم شارع سوق السلاح فالدرب الأحمر إلى باب زويلة ثم الغورية فالسكة الجديدة حتى يتخذ طريقه إلى المشهد الحسينى، حيث أمير الحج وأمين الصرة فى استقبال الكسوة وعقب دخولها يزوران مع السدنة ضريح الحسين، وفى موعد محدد فى المسجد الحسينى وبحضور ناظر المالية وقاضى القضاة وأمير الحج وأمين الصرة يحرر إشهادا شرعيا بتسليم الكسوة، ثم توضع فى صناديق مخصصة لذلك.

هذا الموكب كانت تصحبه الدفوف والاحتفالات والأناشيد، ويسلم الحاكم أمير الحج وقواته سرة الأموال المليئة بالجنيهات الذهبية المصرية، ويعطى إشارة بدء الحركة والتوجه إلى مكة "أم القرى"، وفى عصر الخديو عباس حلمى الثانى وصف إعلان وزارة الداخلية المصرية عام ١٩٠٩م فى جريدة الوقائع المصرية خروج المحمل بالتالي: "أن الحكومة الخديوية للخديو عباس حلمى الثانى حاكم مصر فى ذلك الوقت لترغب فى تيسير السبل لأداء هذه الفريضة الدينية، ولهذا تسمح لمن يقصدون السفر للحج مع قافلة المحمل "وهى القافلة التى تحمل كسوة الكعبة المشرفة كما جرت العادة وقتذاك وذلك حتى يكونوا تحت رعاية وحماية أمير الحج والحرس العسكرى، ويتكفل أطباء المحمل وصيادلته بمعالجتهم وإسعافهم دون تأخير، ويتم السفر فى طريق أفضل من حيث المشقة وتعب المسافة وتوافر أسباب الراحة والأمان وتقليل النفقات، وعلى من يريد اغتنام هذه المزايا أن يقدم طلبا قبل ميعاد سفر المحمل بخمسة أسابيع على الأقل، أى قبل ميعاد الحج بحوالى شهر ومصاريف السفر فى الدرجة الأولى (٢٥جنيها) مصريا للشخص الواحد، وتدخل ضمن هذه القيمة أجرة الجمل والآخرة والوابور (القطار) وكذلك رسوم المحاجر الصحية ونفقات (المؤونة) الطعام ولا تدخل فى هذه القيمة نفقات الأكل فى البواخر، أما السفر بالدرجة الثانية قيمته (٢٣جنيها) مصريا والثالثة (٢٠جنيها) وإن اتفق اثنان من الحجاج على السفر بجمل واحد فتكون القيمة (١٤جنيها)".

وعقب إذن الحاكم بالتوجه إلى مكة، يتوجه المحمل إلى العباسية، وهناك يبيت ليلته بالجمال، ثم يتحرك باتجاه القلزم بالسويس، وهناك يستقل البواخر، ويظل محفوفا بالاحتفالات حتى يصل إلى مكة فى آخر شهر ذى القعدة، وبعد الحج يعود المحمل حاملا الكسوة القديمة للكعبة بعد إبدالها بالجديدة وتقطع إلى قطع وتوزع على النبلاء والأمراء، ومازالت هذه القطع موجودة فى متحف كسوة الكعبة، وبعضها فى قبور العائلة الملكية فى مصر، حيث زينوا بها أضرحتهم كنوع من التبرك، ويلاحظ أن المحمل المصرى لم يكن الوحيد الذى يخرج للحج فى العالم الإسلامى، بل كان هناك المحمل الشامى والعراقى واليمنى، لكن ما كان يميز المصرى هو خروج الكسوة معه، وظلت كسوة الكعبة ترسل بانتظام من مصر بصورة سنوية يحملها أمير الحج معه فى قافلة الحج، وفى عهد محمد على باشا توقفت مصر عن إرسال الكسوة بعد الصدام الذى حدث بين أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى الأراضى الحجازية وقافلة الحج المصرية فى عام ١٨٠٧م، لكن أعادت مصر إرسال الكسوة فى العام ١٢٣٨هجرية.

وفى عام ١٩٢٦م جرت أحداث المحمل المصرى التى حدثت نتيجة قتال دار بين حراس المحمل المصريين والنجديين، وذلك بسبب ما رآه النجديون من موسيقى والمظاهر الاحتفالية، فهجموا عليه وحدث تبادل إطلاق نار بين الطرفين، واستمرت مصر بعد ذلك فى العصر الجمهورى فى إرسال الكسوة دون المحمل إلى أن توقفت عن ذلك تماما بعد عام ١٩٦٢م.

كان آخر "محمل" خرج من مصر فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وعاد قبل أن يصل إلى الأراضى السعودية بسبب خلافات سياسية آنذاك، لتبدأ المملكة صناعة كسوة الكعبة فى منطقة أم الجود، ثم نقلت الصناعة إلى منطقة أجياد، وهناك تستمر صناعة الكسوة حتى الآن. تعتبر النصوص من أكثر المصادر التى حفظت لنا تفصيلات دقيقة عن المحمل وكسوة الكعبة، ومن أهم تلك النصوص ما ذكره الرحالة ابن بطوطة عن هذا المشهد المهيب وكيفية خروج المحمل المصرى من القاهرة فى حضور أرباب الدولة، فيذكر .."يوم المحمل هو يوم دوران الجمل وهو يوم مشهود؛ حيث يركب فيه القضاة الأربعة ووكيل بيت المال والمحتسب ويركب معهم أعلام الفقهاء وأبناء الرؤساء وأرباب الدولة ويقصدون جميعا باب القلعة فيخرج إليهم المحمل على جمل وأمامه الأمير المعين لسفر الحجاز (يقصد به أمير الحج) ومعه عسكره، ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء ثم يطوفون بالجمل وجميع ما ذكرنا معه بمدينة القاهرة، ويكون ذلك فى شهر رجب فعند ذلك تهيج العزمات وتنبعث الأشواق. ووصف لنا المؤرخ القلقشندى المتوفى سنة ٨٢١ هجرية/١٤١٨ م فى كتابه "صبح الأعشى" وصف المحمل، فذكر بأن المحمل يحمل على جمل وهو فى هيئة لطيفة وعليه غشاء من حرير أطلس أصفر وبأعلاه قبة من فضة مطلية.

تلك هى صورة المحمل المصرى فى العصر المملوكى، إلا أنها تغيرت فى العصر العثمانى، حيث سجل لنا "العياشي" مشاهدته للمحمل فى ذلك الوقت فيذكر فى سنة ١٠٧٢هجرية/١٦٦٢م: "ولما بلغ شهر شوال نحو النصف خرج المحمل الخروج الأول؛ وذلك اليوم يؤتى بكسوة الكعبة المشرفة من دار الصناعة فتضرب سحابة على باب القلعة فيحضر السناجق كلهم والولاة والأمراء والقاضى وكل واحد من أتباعه، ولكل واحد منهم مجلس معلوم فى السحابة المفروشة ومجلس الباشا فى الوسط وعن يمينه مجلس القاضى، وكلما أتى واحد من الأمراء وأرباب الدولة جلس فى مجلسه المعهود له، فإذا تكاملوا كلهم وأخذوا مجالسهم صفت الخيول أمام مجلس الباشا.

عن تاريخ دار الكسوة وحالتها المعمارية، قال "عماد عثمان" كبير خبراء الآثار الإسلامية: "إن تسجيل دار كسوة الكعبة الشريفة  الموجودة فى شارع الخرنفش بالجمالية فى عداد الآثار الإسلامية كان فى العام ٢٠١٣، وكانت قد بنيت دار الكسوة فى عصر محمد على سنة ١٢٣٣هجرية /١٨١٦م، وكانت دارا لأحد الأمراء حيث قام محمد على باشا بتحويلها إلى مصنع للأقمشة والنسيج المختلف عرف باسم مصنع أو ورشة الخرنفش للأقمشة، وقد شهدت صناعة الكسوة تطورا كبيرا فى عصر محمد على الذى أفرد لها قسما فى مصنع الخرنفش للأقمشة، وأحضر للعمل فى هذه الورشة الصناع المهرة من أوروبا، واستمر العمل بهذه الدار لإنتاج الكسوة حتى عام ١٩٦٢ فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، حيث توقفت مصر عن إرسال الكسوة وحظيت السعودية بشرف صناعتها.

تتكون الدار من طابقين من الطوب الأحمر، ونظرا لما لهذه الدار من أهمية تاريخية ودينية وقيمة أثرية، ولأنها كانت متفردة بالمهمة التى خصصت من أجلها، فقد وافقت اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية على تسجيلها فى عداد الآثار عام ٢٠١٣.

تجاوز عمرها 150 عاماً.. ونهبها اللصوص بعد الحريق

«مصطبة المحمل».. ضحية أثرية أخرى  لـ «25 يناير»

 

تحفل منطقة القلعة بأجمل عمارة إسلامية فى العالم، حيث تجد نفسك كأنك داخل لوحة فنية مقسمة بإبداع ونظام، وتلتفت يمينا فيجذبك معلم من المعالم الأثرية، وعندما تولى وجهك يسارا، تجد أثرا تحتار فى جمال عمارته، ووسط روعة القلعة نفسها وجمال مسجدى السلطان حسن والرفاعى، يقع أثر لعب دورا  استثنائيا فى فترة من فترات مصر، هو مبنى "مصطبة المحمل" أو "كشك الخديو" كما أطلق عليه المصريون، حيث قد شيده الخديو إسماعيل  سنة 1280 هجرية / 1864 ميلادية للاحتفال بخروج "كسوة الكعبة" إلى  الحجاز.

الوصول إلى "مصطبة المحمل" أو "كشك الخديوى" ليس سهلاً، فهو أشبه بالبحث عن إبرة فى كوم قش، وحين سألت "الإذاعة والتليفزيون" عددا من المارة عن المبنى الأثرى الذى كان يوما  ما شاهدا على أهم حدث شعبى واحتفال دينى فى مصر، وهو خروج المحمل الذى يحمل كسوة الكعبة، قالوا: لا نعرف، وقد بدت الدهشة على وجوههم، وكأنهم يسمعون للمرة الأولى عن مكان هذا الأثر الهام، لكننا وجدنا أحد العمال؛ بعد المشى لبضعة أمتار، يبدو من ملابسه أنه يعمل فى أحد المناطق التى تشهد أعمال تطوير فى محيط القلعة، أشار العامل إلى المكان الذى يوجد فيه مبنى "مصطبة المحمل"، واقتربنا من المكان، فهالنا ما رأينا، حيث لم يتبق من المبنى الأثرى سوى جدران خاوية من أى شيء، فلا باب ولا شباك، والمكان مغلق من الأساس، على الرغم من أنه ليس إلا جدار بلا معنى يلفه الصمت الذى تقطعه أصوات السيارات المارة أمامه وأصوات أعمال التطوير التى تحدث فى المنطقة.

على الجهة المقابلة لمبنى "كشك الخديوي" جلس رجل سبعينى  اسمه "أحمد علي"، سألناه عن المبنى، أجاب وهو يستعيد ذكريات سعيدة لسنوات بعيدة، قال: "بيتى بجانب القلعة من الخلف، وهناك مبنى كان اسمه قراميدان، وهو سجن شهير، وكان هناك مطبخ كبير من ثلاثة أدوار"؛ ثم أشار العم "أحمد" ناحية القلعة، قائلاً: "هناك قصر الجوهرة، حيث بنى صلاح الدين القلعة، ومحمد على بنى مسجده الشهير بالمأذنتين، أما بيت المحمل فقد أصبح مكانه الحزب الوطنى، وكانت تأتى إلى هنا فايدة كامل وحسن التونسى أعضاء مجلس الشعب عن حى الخليفة، وهذا الحى والمنطقة كلها أثرية، أما هذا الشارع فقد أصبح اسمه شارع  صلاح الدين الشرقى، لكن اسمه القديم كان قراميدان حتى حقبة الستينيات".

 وتابع العم "أحمد" قائلاً: "كانوا زمان يحملون من هذا المكان الكسوة لإرسالها إلى الحجاز، ولقد رأيت هذا الاحتفال أكثر من مرة، وكان ذلك فى الستينات، حيث كانت تأتى بزفة من الحسين إلى هنا، وبعد الاحتفال يغادر الموكب، ثم يمر بمسجدى السلطان حسن والرفاعى، ومن بعدهما مسجد الرماح المرسومة صورته على الورقة النقدية فئة مائتى جنيه، وكانت أيامها الشوارع خالية والناس أقل عدداً، لكن الدنيا تغيرت، لقد بقى المكان على حاله حتى ثورة ٢٥ يناير، وتغير كل شيء حاليا، الآن يتم ترميم المنطقة، ومنها ضريح الشيخ محمد البغدادى الموجود بجانب كشك المحمل".

 الباحث والمؤرخ الإسلامى "أبو العلا خليل" قال: إن "كشك الخديو" هو اسم أطلقه العامة، ويقصدون به الخديو إسماعيل الذى أحدث تجديدات على عمارة الوالى العثمانى الحاج محمد باشا عزت سنة ١١١٣ هجرية ١٧٠١ميلادية، حيث انشأ "جامعاً بخطبة"، والجامع بخطبة يستلزم وجود مأذنة ومنبر لصلاة الجمعة وتكية، فبنى الخديو مصطبة عظيمة برسم إلباس القفاطين، أى منصة شرف للإنعام بقفاطين التشريف، وعلى هذه المنصة يتم تسليم أمير الحج منصبه ليتولى مهامه.

"مصطبة  المحمل" كما قال "خليل" تجددت على الأرجح فى عصر الخديو إسماعيل، عندما أمر بإعادة تنظيم المنطقة، وهى المبنى القائم الآن إلى الشمال من مسجد الحاج محمد باشا، وقد استعملت فى ثلاثينات القرن العشرين مقرا لرئاسة مصلحة الأسلحة والمهمات التابعة للجيش المصرى، وتقع فى مواجهة محطة سكة حديد القلعة، حيث كان يحضر الخديو ليودع المحمل، وكان مبنى مصطبة المحمل يعرف أيضا بـ "كشك الخديو"، وهو مبنى يستوجب الحفظ والرعاية ولأهميته التاريخية، كمال قال خليل، مضيفاً: "لحسن الحظ، توجد صورة قديمة لمجموعة الحاج محمد باشا المعمارية من عام ١٨٦٠م، قبل تجديد مصطبة المحمل المذكورة، ومجموعة الحاج محمد باشا جرى ترميمها بين عامى ٢٠٠٢ و٢٠٠٣م".

ومن جانبه أشار "عماد عثمان"  كبير الباحثين فى الآثار الإسلامية إلى أن "كشك المحمل" مكان يحمل تاريخ شريف وذكريات لا تنسى لحقب تاريخية هامة، حيث يرجع تاريخه إلى العام 1864م، حين بناه الخديو إسماعيل ليكون نقطة انطلاق خروج محمل كسوة الكعبة الشريفة من مصر إلى بلاد الحجاز، وكان يحضر فى الاحتفال الملك أو كبير الياوران ورئيس الوزراء وكبار رجال الدين من الأزهر ومشايخ الطرق الصوفية والأعيان، ويتم استعراض كسوة الكعبة الشريفة فى موكب عسكرى مهيب، وسط فرحة الشعب الذى كان يحرص على التواجد ويعتبر هذا اليوم يوم عيد.

وأضاف عثمان أن المكان الذى يحمل إرثا كبيرا فى التاريخ بدأ مرحلة ضياعه عقب أحداث ثورة يناير 2011، وذلك لأنه تحول إلى مقر للحزب الوطنى المنحل، وبالتالى تعرض للاعتداء ضمن أحداث الثورة وتعرض للحرق، وعقب انتهاء الأحداث وجدها بعض الخارجين عن القانون فرصة لاقتلاع كل أبواب وشبابيك المبنى، وكل القطع الأثرية المنقولة نهبت، لكن أساساته وجدرانه وتكوينه المعمارى قائم وموجود، وضمن خطة التطوير الجارية بالمنطقة يتم تطويره وإعادته لوضعه القديم، وهذا ممكن جدا، كما قال الأثرى "عماد عثمان"، فمن الممكن إعادة توظيفه وعمل معرض يحكى تاريخ كسوة الكعبة أو جعله مركز تراثى ومنارة إشعاع للمنطقة، وأفكار إعادة التوظيف كثيرة، وكلها أفضل من طمس التاريخ ومحو التراث.

Katen Doe

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص