فى عيد الشرطة زوجـات الشهـداء.. دموع فى العـين وفخـر فى القلـب

أرملة الشهيد أحمد الفقي: رفض العودة من شمال سيناء والإرهابيون قتلوه فى تفجير سيارة/ أرملة الشهيد امتياز كامل: افتقدنا كل حاجة حلوة كان يفعلها من أجلنا

فى يوم 25 يناير، يحتفل المصريون عامة وأفراد الشرطة خاصة بعيد الشرطة، ويعد هذا هو العيد الـ72 للشرطة المصرية، إلا أن هذا العيد يمر على بعض السيدات وهن يرتدين الملابس السوداء ولا يفارق الحزن قلوبهن، وأبناء لا تفارق الدموع عيونهم حيث يأتى عيد الشرطة ليحمل معه مشاعر مليئة بالحزن ممزوجة بنوع من الفخر لزوجات الشهداء ، من رجال الشرطة الذين راحوا ضحية الإرهاب الغاشم الذى اغتال فرحتهن وكسر ظهورهن، حيث يمر عام وراء الآخر وما زال الحزن يملأ قلوبهن، ولم تجف دموعهن، حزنا منهن على رحيلهم، فلم يتبق لهن سوى ذكرياتهن، ليزداد القلب وجعا على وجع حين تسرد الذكريات نفسها ولا يجدن أزواجهن بجوارهن، خاصة فى هذا العيد الذى كان يعد تكريما لخدمتهم لأرض الوطن، وعلى الرغم من لوعة الحزن ومرارة الفقد، إلا أن حصولهم على الشهادة تتويجا لمسيرتهم العطرة زاد من إيمانهن ومنحهن الصبر والقوة.

سحر السيد أرملة الشهيد اللواء امتياز كامل الذى استشهد بحادث الواحات البحرية، تقول: زوجى كان ضابطا بإدارة العمليات الخاصة فى الأمن المركزى وكان يتمتع بسمعة طيبة بين الأهالي، وكان يقف بجوار الجميع فى المواقف الصعبة ولا يقول لأى فرد "لا" إذا لجأ إليه، وخاض العديد من المعارك ضد العناصر الإرهابية، فلم تكن الواحات معركته الأولى بل كان تاريخه مليئا بمحاربة الإرهاب، ورزقنا الله بولد وابنتين إحداهما كانت طفلة عمرها أربع سنوات وقت وقوع الحادث.

وأضافت أن زوجها كان بمثابة كبير العائلة وكان حريصا على التواصل مع الجميع وأن يصل  رحمه، وأن يجمع الأهل والأقارب فى الأعياد والمناسبات، وكان يقضى أغلب وقته فى عمله، لا سيما وأن ظروف شغله كانت صعبة وكان مسئولا عن تأمين الناس، فالأعياد والمناسبات كانت بالنسبة له طوارئ، وكان لا يتوانى عن إدخال كل مظاهر البهجة والسعادة إلى المنزل  فكان مصدر البهجة والأمان بالنسبة لنا.

و تعود الزوجة بذكرياتها ست سنوات متذكرة تلك الأيام التى كان يحتفل فيها زوجها معهم بالأعياد ومنها عيد الشرطة قائلة: " هذا هو العيد السابع الذى يمر علينا دون وجود امتياز معنا، وبدونه افتقدنا كل حاجة حلوة كان يفعلها من أجلنا حيث أكدت زوجة الشهيد أنه كانت له طقوس خاصة فى الأعياد والمناسبات، فدائما ما كان يصطحبهم إلى المعمورة بالإسكندرية حيث كانت أحب الأماكن لقلبه وكذلك مدينة الاسماعيلية، لا سيما وأنه كان يحب التغيير والهدوء، وأن يفصل تماما عن العمل كى يستمتع بالجلوس معنا، وأن يصفى ذهنه حتى يستطيع العودة للعمل وهو بكامل طاقته.

وبصوت حزين تقول الزوجة: بعد أن فارقنا نذهب إليه فى المناسبات وغير المناسبات، حيث نذهب إليه، لا سيما وأنه يتملكنى احساس أنه موجود وأنه معنا لم ولن يتركنا.

 وتحكى الزوجة أنه كان يحب نبات الصبار ذى الورود الحمراء وبالفعل كان يضعه بالمنزل، فحملته من المنزل إلى حيث يرقد ووضعته بجوار قبره. وبعد تنهيدة عميقة قالت الزوجة "وبعد ما كان هو اللى بيلمنا ويجمعنا ويجى لنا فى يوم زى ده بقينا احنا اللى بنروح له".

وتقول سحر: " العيد لم يعد عيدا ولم تعد هناك أى مظاهر للبهجة لأى مناسبة، مفيش أى حاجة بقى لها طعم، لكنه طلب الشهادة ونالها وده اللى مصبرنا"، مؤكدة أنه فى كل مرة كان يخرج فيها لمأمورية ويعود سالما كان يقول "فلتت المرادى إن شاء الله المرة الجاية"، وبعد حصوله على نوط الامتياز من رئيس الجمهورية قبل استشهاده بعام واحد قال لم يتبق لى سوى أن أنال الشهادة، وكنت عندما اسأله لماذا تقول هكذا، كان يرد قائلا هذا أفضل إحساس وأعلى مرتبة، وكنت أغازله قائلة له: ولمن تتركنا؟ كان يقول لى ربنا أكبر منى ومنكم وسيتولاكم برحمته، وكان عندما يرى جنازات الشهداء من الجيش والشرطة يبكى ويقول "عقبالى يارب نفسى لما يجى آجلى أموت شهيد"، وكلنا اتكسرنا من بعده سواء أهله أو جيرانه أو ممن يعرفونه، لانه كان سندا للجميع فكان آمانا للجميع، وعزوة لنا وسندا فى حياته، وفخرا لنا بعد استشهاده.

وتقول سحر أن زملاءه ودفعته وتلاميذه وقفوا بجانبنا ولم يتخلوا عنا وما زالوا على تواصل معى ومع أولادي، فدائما ما يسخر لنا الله أناسا طيبين نتيجة أعماله الطيبة. 

أما جيهان محمد أرملة الشهيد المقدم محمد محمود أبوسريع، الذى استشهد فى الانفجار الذى وقع، فى نوفمبر 2014 فى محيط وزارة الخارجية، فتسترجع ذكرياتها فى هذا اليوم وتقول: كانت فاجعة كبيرة لنا، لكن قدر الله فوق كل شيء، وليس لنا إلا الصبر، والفخر بأن زوجى والد أبنائى مات شهيدا للواجب والوطن، بعدما شهد بالحق أمام المحكمة ضد قيادات الإخوان، وفضح جرائمهم، فى قضية الهروب من سجن وادى النطرون بما أملاه عليه ضميره. وتحكى أن الشهيد كان يجمع الأسرة فى بيت العائلة فى الأعياد والمناسبات، ولكن كانت ظروف عمله تمنعه أحيانا، وحينما يعود للمنزل ويأخذ قسطا من الراحة يجمعنا كلنا فى بيت العائلة للاحتفال بالمناسبة، وكان دائما ما يعوض غيابه عنا بإدخال البهجة والسرور إلى المنزل بشراء الهدايا وكان لا ينسى أى مناسبة أبدا سواء النجاح أو عيد الحب أو أعياد الميلاد، كنوع من التعويض عن غيابه، وكنا نحتفل بعيد الشرطة المصرية معه ونقدم له الهدايا، تقديرا لجهوده الجبارة فى خدمة بلده، ورغم غيابه الدائم إلا أن حياتنا اختلفت 180 درجة بموته، فلم يعد هناك أى طعم للمناسبات أو الأعياد، ورغم مرور سنوات على استشهاده إلا أن مرارة الفقد ما زالت كطعم الصبار فى الحلق، وتضاعف من المعاناة ومن الشعور بالألم لدى الأبناء المكلومين، لدرجة أن كرسى السفرة الخاص به ما زال موجودا ولا يستطيع أحد الجلوس عليه فهو باق له كما لو كان موجودا معنا، ونحتفل بالعيد كما لو أن الشهيد محمد معنا، ولكن دون أى إحساس أو فرحة، ولكن حتى لا يشعر الأولاد بأن هناك فرقا، لا سيما أننى لا أريد أن ينتابهم أى احساس بالحزن فى مثل هذه الأيام، لذا لا أفضل زيارة المقابر فى المناسبات، مضيفة أنها كانت تتمنى أن يدخل عمر ابنهما كلية الشرطة ليستكمل مسيرة والده ويحارب الإرهاب إلا أنه التحق بكلية الهندسة لرغبته فى تعلم العلوم الهندسية.

وتضيف جيهان إن زوجها الشهيد لم يكن يتحدث عن طبيعة عمله وظروفه وملابساته لكنه كثيرا ما كان يتمنى الشهادة، خاصة حال سماع استشهاد أى من أفراد الشرطة فى هذا التوقيت وكأنه يشعر بأن الدور أوشك عليه، وعندما كنت اقول له " خلى بالك من نفسك"، يبتسم وينظر إلى السماء، ويقول هو فى أحسن من هذه الموتة نتمناها، يارب نصبر وننول أعلى منازل الجنة.

وحول رسالتها للإرهابيين، تقول الزوجة "حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن حرمنى من زوجى ويتّم أولادي، ربنا ينتقم منهم، مضيفة أن الرئيس السيسى لا ينسى أسر الشهداء أبدا، ويحتفل بنا باستمرار، ووزارة الداخلية متمثلة فى قطاع الإعلام والعلاقات العامة تلبى كافة رغباتنا واحتياجاتنا، ولا ينقصنا شيء، وحلمى أن أرى جميع الإرهابيين وكل من يؤذى بلده على حبل المشنقة، حتى يستريح قلبي.

وتقول مروة على أرملة الشهيد أحمد الفقى إنه كان يتمنى من صغره أن يلتحق بكلية الشرطة وبالفعل تحققت أمنيته، وتخرج فيها والتحق للعمل بالأمن العام بمديرية أمن الجيزة، وتم إدراجه بقطاع الشمال بقسم أول إمبابة برتبة ملازم، ثم عمل بالانتشار السريع بمرور الجيزة، وشهد له الجميع بالاجتهاد فى عمله وكان ضمن أكفأ 20 ضابطا، وتم نقله للعمل بمباحث المنطقة الأثرية بقطاع غرب الجيزة، ثم التحق للعمل بقطاع قوات أمن الجيزة، واستشهد بعد زفافه بـ5 أشهر ونصف فى انفجار سيارة مفخخة بمحيط قسم ثالث العريش فى أبريل 2015.

ففى عام 2014، التحق بالعمل فى مديرية أمن شمال سيناء بقسم ثالث العريش، وعُرف بتعلق قلبه بأرض الفيروز، ورفض العودة إلى مديرية أمن الجيزة أكثر من مرة  رغم أنه وحيد والديه وكان يحق له العودة إلا أنه رفض، وبعد مرور عام على وجوده هناك، وفى أبريل 2015 أنهى الشهيد أحمد الفقى خدمته فى الكمين، ثم عاد إلى قسم الشرطة، اندفعت إحدى السيارات لاقتحامه، إلا أنه تعامل معها وباقى الخدمات الأمنية وفجروها، واستشهد متأثراً بإصابته، لتقول والدته إنه كان دائما يتمنى الشهادة  ونالها وكان يراها شرفا كبيرا مش أى حد ينولها، وكان دائما يقول: "أتمنى ألا اُضرب فى ضهري، احب اخد الطلقة فى صدرى وأنا بواجه". فقد اغتال الإرهاب أعز ما نملك فقد كان الأب والأخ والابن والسند والحبيب فكان أمانا للجميع.

وبنظرة من الاعتزاز والفخر الممزوجة بالدموع والابتسامة التى تكسو الوجه لكنها لا تخفى مرارة الفقد تقول زوجة الشهيد إن زوجها كان يتمنى أن يكون أول أبنائه من الذكور حتى يكون ضابطا مثله، لكنه استشهد دون أن يعلم نوعه، وبعدما علمت بأنه ذكر أصررت على اسم أحمد ليكون مثل والده فى كل شىء، وحتى يثأر لروحه الطيبة، وليستكمل مسيرته فى الحياة ، ويحارب الإرهاب وليملأ عينى عندما أراه يرتدى زى الشرطة مثل أبيه، نحن جميعاً مشروع شهيد" من أجل الوطن.

Katen Doe

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شهداء
شرطة

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص