10 مزارات خالدة على التسامح وتلاقى الأديان السماوية «2-2»

معبد صلى به موسى.. وكنيسة دشنهــا المسيح.. وجامع بسواعد 80 صحابياً/ صلاح الدين الأيوبى أمر بإعادة إعمار مسجد عمرو بن العاص عام 568 هجرياً وفى العهد العثمانى الأمير مراد بك قام بإعادة بنائه

تعد منطقة مصر القديمة من أهم أماكن السياحة الدينية فى مصر، حيث تحتضن بين جنباتها مزارات مختلفة لأبنية يهودية، مسيحية، وإسلامية، الأمر الذى جعل منها قبلة للزائرين المؤمنين بالديانات السماوية الثلاثة من كل بقاع العالم، وعرضنا الأسبوع الماضى مزارات حصن بابليون والكنيسة المعلقة والمتحف القبطى وكنيسة مار جرجس والقديسة بربارة، ونستكمل جولتنا هذا الأسبوع فى دير أبوسيفين، مرورا بالمعبد اليهودى وانتهاء بمسجد عمرو بن العاص.

دير أبو سيفين

يقع‏ ‏دير‏ ‏الشهيد‏ "فيلوباتير‏ ‏مرقوريوس‏ ‏أبي‏ ‏سيفين"‏ ‏فى شارع جامع عمرو مصر القديمة‏ ‏مركز‏ ‏الفسطاط‏ ‏القديم‏، وهو من أديرة الراهبات، ‏أما الذهاب‏ ‏إليه‏ فعن طريق مترو‏ ‏الأنفاق‏ من ‏محطة‏ ‏الملك‏ ‏الصالح‏.

‏كان‏ ‏دير "أبو سيفين"‏ ‏منعزلا‏ ‏تماما‏ ‏ويحيط‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏الخارج‏ ‏سور‏ ‏عال‏، و‏غالبية‏ ‏المؤرخين‏ ‏الذين‏ ‏وصفوا‏ ‏الدير‏ ‏اعتبروا‏ ‏أن‏ ‏مجمع‏ ‏الكنائس‏ ‏الموجود‏ ‏بجواره ‏جزء‏ ‏منه‏ ‏الدير، فقد كان الدير معروفا‏ ‏قديما‏ ‏باسم‏ ‏دير‏ ‏أبى‏ ‏سيفين‏ ‏للبنات‏ ‏أو‏ ‏دير‏ ‏البنات‏ ‏بحارة‏ ‏البطريرك‏ ‏بدرب‏ ‏البحر‏، ‏وترجع‏ ‏هذه‏ ‏التسمية‏ ‏إلي‏ ‏أن‏ ‏الدير‏ ‏منذ‏ ‏إنشائه‏ ‏حتي‏ ‏أوائل‏ ‏القرن‏ ‏التاسع‏ ‏عشر‏ ‏كان‏ ‏مطلا‏ ‏على‏ ‏شاطئ‏ ‏النيل‏ المعروف ‏بساحل‏ ‏الشعير‏، ‏ثم‏ ‏انحسرت‏ ‏مياه‏ ‏النيل‏ ‏تدريجيا‏ ‏وأصبح‏ ‏يبعد‏ ‏عن‏ ‏منطقة‏ ‏الدير‏ ‏بحوالي‏ 600 ‏متر‏ ‏تقريبا‏، ‏أما‏ ‏تسمية‏ ‏حارة‏ ‏البطريرك‏ ‏فترجع‏ ‏لوجود‏ ‏مقر‏ ‏البطريركية‏ ‏بكنيسة‏ ‏الشهيد‏ ‏أبي‏ سيفين ‏الأثرية‏ ‏الموجودة‏ ‏بجوار‏ ‏الدير‏ ‏الحالي‏ ‏منذ‏ ‏عام‏ 1526 ‏إلى‏ ‏عام‏ 1797‏م.

وقال ‏المؤرخون‏ ‏إن كنيسة الدير ‏ ‏شيدت‏ ‏غالبا‏ قبل‏ ‏القرن‏ ‏السادس‏ ‏الميلادي‏، ‏وكرست‏ ‏علي‏ ‏اسم‏ ‏القديس‏ ‏أبي‏ ‏سيفين الذى ‏ينتسب‏ ‏إلي‏ ‏عائلة‏ ‏عريقة‏ ‏ثرية‏ ‏وكان‏ ‏ضابطا‏ ‏فى‏ ‏الجيش‏ ‏الرومانى‏ ‏واستشهد ‏عام‏ 362‏م‏ ‏فى‏ ‏عهد‏ ‏الإمبراطور‏ ‏يوليانوس‏ ‏الوثنى ‏بسبب‏ ‏اعتناقه‏ ‏للمسيحية‏، وتظهر‏ ‏صورة‏ ‏هذا‏ ‏القديس‏ ‏في‏ ‏زي‏ ‏الجندي‏ ‏ممتطيا‏ ‏جوادا‏ وهو‏ ‏يشهر‏ ‏سيفين‏ ‏فوق‏ ‏رأسه‏ ‏ويدوس‏ ‏يوليانوس‏ ‏المذكور‏ ‏بجواده‏، ‏ويروي‏ ‏أن‏ ‏الملاك‏ ‏ميخائيل‏ ‏ظهر‏ ‏له‏ ‏في‏ ‏رؤية‏ ‏وقلده‏ ‏السيف‏ ‏الثاني‏ ‏رمزا‏ ‏لجهاده‏ ‏في‏ ‏سبيل‏ ‏نشر‏ ‏الدين‏ المسيحى، ‏وأقيمت‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏عدة‏ ‏كنائس‏ ‏علي‏ ‏اسمه‏ ‏في‏ ‏الوجهين‏ ‏القبلي‏ والبحرى.

أنشئت كنيسة أبى سيفين - كنيسة القديس "مرقوريوس" - فى القرن الخامس الميلادى، وقد تم هدمها فى القرن العاشر الميلادى ولم يتبق منها غير كنيسة صغيرة، وتم تجديدها فى عهد الخليفة الفاطمى المعز لدين الله، ثم جددت مرة أخرى فى القرن الحادى عشر فى عهد الشيخ أبو الفضل المعروف بابن الأسقف كاتب سر الأفضل شاهنشاه بن بدر الدين الجمالى، وتعرضت الكنيسة الأثرية مرة أخرى للتخريب؛ حيث أحرقت عام 564 هـ – 1168 م مع الحريق الذى تم فى عهد "شاور" الوزير الفاطمى لمنطقة الفسطاط، وقام الشيخ "أبوالبركات بن أبى سعيد" بترميمها فى عام 572 هـ/1176م، وقد تم تجديد الكنيسة فى القرن العشرين فى عهد البابا الثانى والستين الأنبا "إبرام بن زرعة" بعد فترة إهمال كبيرة.

ظلت الكنيسة مقرا ومركزا للكرسى البابوى "كرسى الإسكندرية" من منتصف القرن الحادى عشر وتحديدا عام 1047م فى عهد البطريرك السادس والستين "خريستوذولوس" حتى أوائل القرن الرابع عشر عام 1303م فى عهد البطريرك الثمانين "يوحنا الثامن"، ثم انتقل المقر بعد ذلك إلى حارة زويلة.

تعتبر كنيسة أبى سيفين أهم الكنائس الأثرية التى تقع فى منطقة مصر القديمة، وهى مستطيلة الشكل ومنخفضة عن مستوى الشارع الرئيسى، وقد بنيت من أكتاف ضخمة من المبانى لتحمل أسقفها نظرا لزوال ما كان فيها من أعمدة رخامية، وبها 3 مداخل، وتحتوى على 3 هياكل، الأول باسم الشهيد "أبى سيفين"، والثانى باسم" القديسة العذراء"، والثالث باسم "الملاك روفائيل"، وبها مغارة منخفضة عن مستوى الكنيسة، وكانت مياه النيل تغمرها أثناء الفيضان، يتم النزول إليها بسلم صغير، ولها مذبح من الحجر كان المرضى يذهبون إليه طلبا للشفاء.

وتتميز الكنيسة بزخارف معمارية غاية فى الروعة، حيث يزين هيكلها عمود يضم حشوات أثرية مزخرفة برسوم بارزة بأفرع النباتات والطيور والحيوانات والأسماك، تحتوى الكنيسة على أكبر عدد من الأيقونات القبطية الأثرية الفريدة من جميع كنائس مصر، فهى تضم ما يقرب من 250 أيقونة أثرية يرجع بعضها إلى القرن الثالث عشر الميلادى، والبعض الآخر إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين. 

بدأت عملية ترميم الكنيسة الأخيرة عام 1995 بعد تعرضها لفترة طويلة من الإهمال والترميم السطحى الذى كان يكتفى بإزالة الرطوبة من جدران الكنيسة فقط، وقامت عملية الترميم على تغيير أعمدة الكنيسة الرخامية الـ 12، وتغيير الأرضيات الرخامية من حجر التريستا، وتم عمل قمصان خرسانية للأساسات فى الحوائط الشرقية والهياكل الثلاثة، وبناء درجات سلالم جديدة وتغطيتها بالرخام، وتركيب مذابح رخامية جديدة، وترميم المغطس الموجود، بالإضافة إلى أعمدة الكنيسة، ومعالجة الأسقف الخشبية.

 عذراء الريحان

 بنيت كنيسة العذراء المعروفة بـ "قصرية الريحان" فى القرن الخامس الميلادى ضمن مجموعة من الكنائس داخل نطاق حصن بابليون، وتذكر المراجع القديمة والمخطوطات الأثرية أن المنطقة الموجود بها هذه الكنيسة كانت تسمى "درب التقى" كما كان  الزقاق المؤدى لها يسمى "زقاق بنى الحصين" نسبة إلى حصن بابليون الذى يضم هذه الكنيسة وبعض الكنائس الأخرى وهى من أقدم الكنائس الأثرية.

 تشتهر هذه الكنيسة باسم قصرية الريحان ولهذه الشهرة سبب، فمنذ القرن الرابع عندما أعلن الإمبراطور قسطنطين الديانة المسيحية كديانة رسمية للدولة، اهتم الأقباط ببناء الكنائس وإطلاق أسماء القديسة العذراء مريم والملائكة والرسل والشهداء على هذه الكنائس، ولتميزها بعضها عن بعض وخصوصا كنائس العذراء مريم فأطلقت عليها بعض الصفات.

كنيسة القديسة العذراء مريم مبنية على الطراز القوطى، وتحمل بين جدرانها العديد من المعالم الجمالية؛ سقف الكنيسة مكون من ست قباب بها فتحات دائرية على شكل صليب مركب عليها أقراص زجاجية ملونة تدخل منها أشعة الشمس حسب دورانها الكونى. يستطيع الداخل للكنيسة أن يرى شعاع الشمس منبعث من سقفها، ويعمل على إضاءتها بضوء خافت يضفى على الكنيسة من الداخل جوا روحيا جميلا؛ والقباب الست محمولة على عمودين من الرخام يقعا فى وسط صحن الكنيسة وقد استبدلا بعمودين من الجرانيت الوردى فى عملية إعادة البناء الأخيرة وأعمدة أخرى مبنية من الحجر داخل الحوائط الجانبية تحمل القباب المكونة لسقف الكنيسة.

 للكنيسة ثلاثة هياكل، الهيكل الأوسط مُكرس على اسم القديسة العذراء مريم أم النور، والهيكل البحرى مكرس على اسم الملاك الجليل ميخائيل، والهيكل القبلى مكرس على اسم الأسقف الشهيد الأنبا صرابامون. كانت الكنيسة تضم مجموعة من الأيقونات القبطية البديعة صورت جميعها فى القرن الثامن عشر، رسمها مصور الأيقونات البارع فى هذا العصر يوحنا الأرمنى، والمصور القدير إبراهيم الناسخ، ومنها أيقونة الآباء البطاركة الأوائل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ويوجد بالكنيسة إمبل من الخشب قائم على أربعة عمدان من الخشب ملاصق للجدار البحرى للكنيسة وله سلم خشبى.

  80 صحابيًا فى جامع عمرو بن العاص

يعد مسجد عمرو بن العاص أول جامعة إسلامية فى مصر، حيث أنشئ على يد الصحابى عمرو بن العاص، وأخذ اسمه عام 12 هجريًا بالقاهرة التى كانت تسمى آنذاك بمدينة الفسطاط، وكان جامعة لتعليم علوم اللغة العربية وتعاليم الإسلام.

مسجد عمرو بن العاص يحمل تاريخ فتح الجيش الإسلامى لمصر، وذلك فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، عندما أرسل عمرو بن العاص ليوقف السيطرة البيزنطية على مصر، لذلك أرسل الجيش الإسلامى لفتح مصر، وبعد إنشاء عاصمة جديدة لمصر على يد عمرو بن العاص، وهى مدينة الفسطاط، قرر عمرو أن يكون هناك مسجد ليؤدى فيه المسلمون صلاة الجمعة والصلوات الخمس، ولم يكن المسجد فى هذا الوقت بهذه المساحة أو النقوش، حيث بنى المسجد من الطوب اللبن وسقفه من جذوع النخل، بالإضافة إلى بئر كانت معروفة باسم البستان، وكان يستخدمها المصلون للوضوء.

أساس بناء مسجد عمرو بن العاص كان فى عام 21 هجريًا، حيث اختير له مكان فريد لإنشائه، وكانت تلك المنطقة فى ذلك الوقت عبارة عن حديقة مملوكة لقيسبة بن كلثوم، فطلبها منه عمرو بن العاص وقد وعده بأن يعوضه، ولكن قيسبة تبرع بها، وكان الموقع يقع فى منتصف مدينة الفسطاط العاصمة، بلغت مساحته وقت بنائه حوالى 23 مترًا فى 13 مترًا، وكان يطل على النيل من الناحية الشمالية الغربية فى البداية عندما تم الإنشاء، وكانت الأرض يغطيها الحصى، والسقف صُنع من الجريد المحمول على أعمدة من جذوع النخل نفسه، وكان للجامع ستة أبواب من كل جانب عدا جانب القبلة، وكانت به بئر سُميت بالبستان يستخدمها المُصلون للوضوء والشرب.

لم يكن للجامع صحن أو مئذنة، كما لم يكن له محراب، ولكن كان يحتوى على منبر بناه عمرو بن العاص، ولكن الفاروق عمر بن الخطاب أمر بإزالته، وذلك بعد أن قال لعمرو بن العاص: "أما حسبك أن تقوم قائمًا، والمسلمون جلوس عند عقبيك"، وقد أشرف على بناء القبلة ثمانون رجلا من الصحابة منهم الزبير ابن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن صامت، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفارى، وكانت دروس الفقه تعقد فى حلقة حول المدرس الذى يجلس إلى أحد الأعمدة، ويعتبر مؤسس مدرسة مصر الدينية، هو عبدالله بن عمرو بن العاص.

وتعرض مسجد عمرو بن العاص للحريق والتخريب والهدم بسبب إحراق الفسطاط، فأثناء الحملة الصليبية على بلاد المسلمين، شعر الوزير شاور بالخوف من احتلال الصليبيين لمدينة الفسطاط، فعمد إلى إشعال النيران فيها، حيث كان عاجزا عن الدفاع عنها، واحترقت الفسطاط، وكان مما احترق وتخرب وتهدم جامع عمرو بن العاص، وعندما ضم صلاح الدين الأيوبى مصر إلى دولته، أمر بإعادة إعمار المسجد من جديد عام 568 هجريا، فأعيد بناء صدر الجامع والمحراب الكبير الذى تغطى بالرخام.

وفى العهد العثمانى عام 1212م، قام الأمير مراد بك بإعادة بناءِ داخلِ الجامع بعد هدمه، إثر سقوط إيوانه وميل عُمُده، إلا أن القائمين على البناء لم يكونوا بمستوى العمل الكبير والمهمة العظيمة لمثل هذه المساجد الضخمة، فكان ترميم مراد بك غير منتظم ولا متناسق، غير أنه بنى بالمسجد منارتين هما الباقيتان إلى الآن، ووافق الانتهاء من ترميم مراد بك لمسجد عمر بن العاص آخر جمعة من شهر رمضان، فاحتفل بافتتاحه، وأثبت تاريخ هذه العمارة فى ألواح تاريخية فوق الأبواب الغربية وفوق المحرابين الكبير والصغير.

على الرغم من أن هيكل الجامع الأصلى قد تم استبداله، فإن الأهمية التاريخية للمسجد كموقع لأول مدينة إسلامية فى مصر وأول مسجد فى إفريقيا لا تزال تجذب السياحة، لذلك تم إطلاق العديد من الأسماء على المسجد، منها "تاج المساجد" و"المسجد العتيق". وقد قامت وزارة الأوقاف بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار بالإشراف على أكبر عملية تطوير وترميم شهدها الجامع فى العصر الحديث، ليتم افتتاحه فى مارس ٢٠٢٣ بعد أن تم تنفيذ مشروع التطوير على مساحة 12 ألف م2، ليضم 4 حوائط زراعة متدرجة، و3 نوافير، و12 حوض زراعة، و174 حوض نخيل، بالإضافة إلى إنشاء ساحة جديدة للمسجد تسع 10 آلاف مُصلٍ، وقبل كل ذلك تمت عملية ترميم للمسجد بالكامل، حيث شفطت المياه الجوفية وعولجت الأساسات.

 ابن عزرا اليهودى

كنيس "ابن عزرا" هو أحد المعابد اليهودية المصرية؛ ويعد هذا المعبد واحدا من أكبرها وأهمها، خاصة بعد تحوله إلى أثر ومزار سياحى، ونظرا لاحتواء مكتبته على نفائس الكتب والدوريات اليهودية التى تؤرخ لوجود طائفة اليهود فى مصر. المعبد فى الأساس كان كنيسة تسمى «كنيسة الشماعين» وقد باعتها الكنيسة الأرثوذكسية للطائفة اليهودية عندما مرت بضائقة مالية نتيجة لزيادة الضرائب التى فرضت عليها وقتها، وسمى المعبد بهذا الاسم نسبة إلى «عزرا الكاتب» أحد أجلاء أحبار اليهود، ويسمى أحيانا بمعبد الفلسطينيين، أو معبد الشوام. ويعرفه الباحثون واليهود المحدثون «بمعبد الجنيزا» نسبة إلى مجموعة وثائق الجنيزا الشهيرة التى وجدت به عام 1890.

يعد المعبد من أقدم معابد القاهرة. وتروى قصص يهودية أن موسى كان قد اختار موضعا للصلاة بجوار النيل فيما عرف بعد ذلك بالفسطاط، ولكن وفقا للمقريزى فإن المعبد كان فى الأصل كنيسة مسيحية، وبيعت فى وقت ما لليهود، والاستناد لذلك يعود إلى أخبار رويت عن كنيسة باسم القديس ميخائيل فى نفس البقعة، ولا أثر لها اليوم، وتشير المصادر إلى أنها بيعت فى عام 882 م لليهود فى سبيل جمع مبلغ ما من المال كان قد فرضه أحمد بن طولون على المسيحيين. وقد دفع فيه «إبراهام بن عزرا» وقتها مبلغ 20 ألف دينار؛ ومؤرخ أن المعبد قد أعيد بناؤه مرة أخرى بعدما ساءت حالة مبناه كثيرا، حتى قررت الطائفة هدمه تماما وبناءه من جديد عام 1890. و ساءت أحواله مرة أخرى، إلى أن جددته الحكومة المصرية بالاشتراك مع المركز الكندى للعمارة عام 1991، وتحول إلى مزار سياحى معروف.

يقال إن هذه البقعة هى مكان كان موسى قد استخدمه للصلاة بعد أن أصاب البلاد الطاعون وفقا للقصة المعروفة. وتروى قصص أخرى أن النبى إيليا (إلياهو) كان قد تجلى للمصلين هناك أكثر من مرة، وأن المعبد يحوى رفات النبى أرميا، فضلا عن قصة مخطوطة التناخ القديمة المعروفة الآن بـمجلد حلب (Aleppo Codex) التى كتبها الماسورتى موشى بن آشير وابنه أهارون بن آشير من طائفة اليهود القرائين، وقام بتنقيطها لكى تنطق صحيحًا بدون تحريف ونقلت بطريقة ما إلى طائفة اليهود بحلب الشام، ويقال إن هذه النسخة هى التى تم بها ضبط وتنقيح نسخ التناخ الحالية. وقد استخدمت المعبد على مر التاريخ غالبية طوائف اليهود فى مصر، فاستخدمه اليهود العراقيون، وهم اليهود القراءون، واليهود الشاميون، والأشكناز، والسفرديم، وانتهى به الحال كمعبد لليهود الربانيين بعد انتقال طائفة اليهود القرائين إلى قاهرة المعز فى العصر الفاطمى وهم الذين يتحدثون العربية كلغتهم الأصلية.

ومن أهم ما يوجد فى المعبد هى الجنيزا، وهى عبارة عن مجموعة الورق والوثائق التى لا يجوز إبادتها أو إهمالها وفقا للديانة اليهودية، وخصوصا إذا ضمت اسم الله بين ثناياها، وإنما يتم تخزينها فى غرفة معزولة فى الكنيس أو المعبد لأجيال، واشتقت من هذه الكلمة كلمة جنازة بالعربية، أى الدفن أو الدفينة. لأنه يجب بعد كل مدة جمع هذه الوثائق ودفنها فى المقابر. وقد عثر فى هذا المعبد على مجموعة من الوثائق غاية فى الندرة والتى يمكن منها تأريخ أوضاع اليهود المعيشية لقرون طويلة، وأحوال مجتمعهم ككل. وتقسم لمصدرين: مصادر وثائقية، ومصادر أدبية.

ويتكون المعبد من طابقين شأن عدد كبير من المعابد والمحافل اليهودية، الأول يستخدم للمصلين من الرجال والثانى لصلاة السيدات، والمعبد يستقبل القدس، ويحوى صفين من الأعمدة الرخامية ذات التيجان البديعة، وينقسم إلى ثلاثة أقسام، أكبرهم هو الأوسط الذى تعلوه (شخشيخة) أو فتحة الإنارة والتهوية وفى وسطه منصة الوعظ وحولها مقاعد المصلين، والهيكل فى الجانب الشرقى، ويحوى تابوت العهد ولفائف التوراة. و لا يزال هناك إقبال كبير على زيارة المعبد من مختلف سياح العالم، على اختلاف دياناتهم واتجاهاتهم، لما له من قيمة جمالية، وتاريخية.

Katen Doe

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع
  • الجمعة، 23 يناير 2026 11:00 ص
دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م