إرسال كسوة الكعبة المشرفة من القاهرة المحروسة إلى مكة المكرمة ظل من الاحتفالات النادرة التى لم تنقطع من مصر طوال ألف عام،
إنه الشرف الكبير الذى نالته مصر واحتفظت به لقرون عديدة مضت، تحديدًا منذ أن طلب الخليفة "عمر بن الخطاب" من والى مصر "عمرو بن العاص" أن يكسو الكعبة بنسيج من الثباطى المصرى لجودته وإتقان صنعه، وظل هذا الأمر متبعًا ألف عام تقريبًا، لكنه توقف فى عام 1962.
كان يتم إرسال الكسوة الجديدة وتنزع الكسوة القديمة فى حضور ملك مصر الذى يقوم بتوزيعها على المقربين منه من سادات القوم.
وكان "الظاهر بيبرس" هو أول من أرسى الاحتفال بسفر "المحمل" من القاهرة إلى مكة عام 1266م، حيث كان يعرض "كسوة الكعبة" فى احتفالات شعبية بشوارع القاهرة، وذلك قبل سفرها إلى مكة بقيادة أمير الحج، وكانت قوة من الجنود ترافق "المحمل" وتتبع أمير الحج، ومهمة هذه القوات منع أعمال السلب والنهب من جانب البدو وقطاع الطرق، حيث كانت القوافل فى السابق تمر عبر الوديان الصحراوية وتتعرض للسرقة والنهب.
ذكرت بعض المصادر أن "المحمل" عبارة عن هودج مربع الشكل من الخشب وهرمى القمة وله أربع قمم مغطاة بالذهب، وجسم "الهودج" مغطى بستائر من الحرير الأحمر والأخضر وينتهى بشراشيب، وهو أول "هودج" أهدته الملكة "شجر الدر" لهذه المهمة الشريفة وكان من خاصتها.
وصل أمر تقديس المصريين لمهمة المحمل الشريفة، وقد كانوا يتمتعون بها دون سواهم من الأمم الإسلامية، أن قدسوا الجمل الذى يحمل على ظهره هودج كسوة الكعبة، حيث امتنعوا عن ذبحه حتى وإن مرض، كما امتنعوا عن أن يحملوه حملا آخر بعد تقاعده عن مهمته المقدسة، وكانت لهذا الجمل "زفة" تجوب الفسطاط قبل الانطلاق للرحلة، حيث يخرج المصريون ليشاهدوا "الجمل" وينثرون عليه الورود والحلوى، ويحملونه دعواتهم إلى بيت الله الحرام.
لم تكن هذه المهمة المقدسة بمنأى عن التقلبات السياسية بين البلدين، بل على العكس كانت تخضع لحالات الصفا أو الخلافات، ففى سنة 1926 كان هناك حادث شهير، فبعد وصول "المحمل" إلى الخيام بمنطقة "منى" يصحبه طقوسه المعتادة من الصخب والنفخ فى الأبواق التى كانت تعلن قدومه، صاح جنود من الوهابيين قائلين: "الصنم الصنم" وهجموا على المحمل، فما كان من الجنود المصريين إلا أن قاموا بإطلاق النيران عليهم فقتلوهم، وهذه الحادثة أشعلت الخلاف السياسى بين البلدين، حيث أمر الملك عبد العزيز آل سعود بإغلاق القنصلية المصرية فى جدة، وحظر الملك فؤاد سفر المحمل إلى البيت الحرام حتى وفاته سنة 1936، لكن الملك فاروق أعاده مرة أخرى.
ظل المحمل طوال هذه القرون يحظى بالاهتمام من جانب الحكومات ومن جانب الشعوب أيضا، بل عملت الحكومات على إشراك الشعب فى عملية التحضير للمحمل، وكان من أبرز تلك المشاركات ما قامت به وزارة الزراعة فى فترة الخمسينيات، حيث نشرت إعلانا بمجلة المصور تطلب فيه أطباء بيطريين من مختلف المحافظات للبحث عن جملين من الأنواع الأصيلة التى تتحمل مشقة السفر للأراضى الحجازية، وذلك لتخصيصهما لحمل الكسوة فى المحمل السنوى، وبالفعل عثر أحد الأطباء البيطريين فى محافظة أسيوط على جمل يحمل المواصفات التى طلبتها وزارة الزراعة لدى الحاج "همام على" من قرية الدوير، وتمت الصفقة بينه وبين الحكومة المصرية مقابل "مائة وعشرين جنيها" للجمل الذى أطلق عليه اسم "مبروك"، ثم عثر على الجمل الآخر فى نفس المحافظة لدى "عطية سوريال" وتم شراؤه بمبلغ "مئة واثنى عشر جنيها" أطلق على الجمل "نبيل"، وقامت الحكومة بتعيين اثنين من المستخدمين مقابل أربعة جنيهات شهريا للاهتمام ورعاية الجملين، حيث يقوم مستخدم منهما بالتريض مع الجملين يوميا لمدة ثلاث ساعات وسط شوارع القاهرة، ويقوم الآخر بتقديم الوجبات اليومية التى تحتوى على الفول الجاف وأربع عشرة أوقية من التبن الجيد لكل جمل، كما عينت طبيبا بيطريا خاصا لمتابعة صحة الجملين، كما عُيّن "حلاق ماشية" براتب "خمسة وسبعين قرشا" فى السنة، وصرفت له أوقيتين من السمن البلدى لطلاء جسم الجمل بعد الحلاقة، وكمية أخرى كبيرة من الحناء ومسحوق الكبريت لتخضيب جسم الجملين إمعانا فى إظهارهما بالمظهر اللائق للمهمة، ومن النوادر فى ذلك الشأن، أن الحكومة كانت تشترط فى المستخدم الخاص بالجملين أن يكون مدخنا حتى ينفخ دخان السجائر فى أنف الجمل ليهدئ من أعصاب الجمل ويسهل السيطرة عليه طوال الطريق.
بعد الخلافات السياسية التى حدثت بين مصر والسعودية عام 1962، توقفت مصر عن إرسال الكسوة، وقد كان لديها دار تسمى بدار "كسوة الكعبة" بحى الخرنفش، كما كانت تحتفظ فى متحف النسيج بهذه الكسوة فى قاعة تحمل نفس الاسم، وكذلك ظل رأس الجمل "مبروك" محنطا فى متحف محمد على بالمنيل فى قاعة الصيد ليشهد على دور مصر فى رحلة الكسوة التاريخية المقدسة من القاهرة المحروسة إلى مكة المكرمة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...
السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...
أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة
عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...