حكاية بيع المية فى "حارة السقايين"

تاريخ مصر الحقيقى يسكن بناياتها وأزقتها وحواريها، فعلى بعد عدة أمتار من قصر عابدين، تقبع حارة أخذت شهرتها فى العصر الحديث من أغنية "حارة السقايين" للمطربة شريفة

تاريخ مصر الحقيقى يسكن بناياتها وأزقتها وحواريها، فعلى بعد عدة أمتار من قصر عابدين، تقبع حارة أخذت شهرتها فى العصر الحديث من أغنية "حارة السقايين" للمطربة شريفة فاضل.

عند بناء قصر عابدين، صارت المنطقة تعج بالعمال والمهندسين، وكان رجلاً يدعى "حكيم"، وهو ضابط تركى قديم، قد رق قلبه لحال العمال تحت الشمس الحامية، فقرر أن يأتى بأزيار من الماء لمنطقة قصر عابدين ليشرب منها العمال، لكنه كان يتعجرف عليهم ويطلب منه أن ينظفوا أيديهم قبل الشرب فضاقوا به، وقام بتعليق "الأزيار والكوز" فى مكان مرتفع حتى لا يشرب أحد إلا بأمره، فقرر بعض العمال ترك العمل فى بناء القصر وملء "قرب" الماء وبيعها للعمال، وبعدها انضم لهم بعض الباعة، فأصبحت ساحة القصر "هرج ومرج"، حتى قامت "خناقة" ذات يوم، ووصل مداها إلى الخديو فأصدر مرسوماً بتولى النظارة توفير المياه المجانية للعمال المصريين وطرد السقايين والباعة من ساحة القصر، وعلى كل ما يريد العمل بمهنة "سقا" أن يتقدم بطلب تصريح، الأمر الذى أخرج لنا المثل السارى حتى الآن: "ماتروحش تبيع الميه فى حارة السقايين".
"فتحى محمد على" 71 سنة من مواليد حارة السقايين، قال: "الحارة كانت مقرا لـ "سقايين القرب" لأن البيوت لم يكن فيها ماء، وكان كل "سقا" متعهدا لعدد من البيوت".

"علاء موسى عطية" 75سنة من مواليد الحارة أيضاً، قال: "بعد طردهم الساقيين من ساحة القصر، تجمعوا وسكنوا فى المكان نفسه، وأصبح يسمى "حارة السقايين " وتم تقسيمهم إلى "سقايين القصر"و"سقايين العامة"، وسقايين القصر كانوا نوعين "سقايين الحاشية" و"سقايين الملك" لكن الكل كان يشرب من حنفية تسمى حنفية "بلاش" موجودة حتى الآن بنفس الاسم فى الحارة، لأنها كانت لعابرى السبيل، والناس تشرب منها مجاناً، حتى الملك كان يشرب منها مع العامة والحاشية، وقال علاء موسى عطية إن والده كان صاحب "قهوة الطباخين" لأن زبائنها من طباخى القصر.



وقال عطية إن معظم أهل الفن خرجوا من حارة السقايين، مثل الفنانة شادية والفنانة برلنتى عبد الحميد التى كان والدها يعمل منجدا عربيا بالحارة، وكذلك شريفة فاضل التى غنت لها أغنيتها الشهيرة، غير أبو رجيلة نجم منتخب مصر وعبد العزيز همام مدرب النادى الأهلى.

انتشرت مهنة "السقا" فى مصر خلال القرنين 18 و19، وأصبح "السقا" هو الشخص المسئول عن نقل المياه من الخزانات أو الأنهار إلى المنازل والمدارس والمساجد لخدمة الأهالى، وكان يحمل "القرب" المصنوعة من جلد الماعز على ظهره مملوءة بالماء، وقيل إنه كان يلزم للمتقدم لهذه المهنة اختبار مبدئى كى يلتحق بوظيفة " السقا" وهو أن يستطيع حمل قربة مملوءة بالماء وكيس مملوء بالرمل يزن وزنه "76" رطلا لمدة 3 أيام دون أن يسمح له بالجلوس أو النوم .

فى سنة 1906 فى بداية القرن العشرين، بدأت المياه تدخل البيوت وبالتالى تراجع دور السقا، وكانت هناك هجمة شرسة من جانب "السقايين" جعلت مطرب الشعب آنذاك سيد درويش يغنى لهم اغنية "يهون الله يعوض الله ع السقايين" تعاطفاً مع حالهم، حيث بدأت شركة مياه القاهرة فى تمديد المواسير وتركيب الصنابير لزوم توصيل المياه النظيفة إلى بيوت المصريين.

وكان من الطبيعى أن يهب السقايين إلى إعلان السخط والغضب على شركة مياه العاصمة التى رأوا فى أنشطتها قطعاً لأرزاقهم، ومن ثم فلم يتورعوا حتى عن التشكيك فى نوعية وجودة المياه الواصلة عبر شبكات الأنابيب وكان بديهياً أن قضيتهم مآلها الخسران، إذ كانوا يقفون بداهة فى مواجهة تيار التمدين والتحديث، وتلك مأساة صورها العبقرى "سيد درويش" فى لحنه الشهير "السقايين".


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مشروعات للتعليم العالى بسيناء ومدن القناة بتكلفة 25.6 مليار جنيه

في ذكرى تحرير سيناء .. دعم القيادة السياسية يدفع منظومة التعليم العالى لتحقيق طفرة تنموية بسيناء ومدن القناة حيث تم...

عقوبات رادعة تنتظر المتلاعبين بالأسواق.. وتحمى المواطنين من جشع التجار

سعاد الديب: نحتاج إلى لجان متخصصة لتحديد هوامش ربح عادلة النائب فرج فتحى: الاقتصاد القومى يقوم على حماية المنافسة والشفافية

الاكتفاء الذاتى من السلع الاستراتيجية قضية دولة.. والأسعار تؤرق المواطنين

أحمد: التحركات الاستباقية منحتنا المرونة فى تخفيف حدة الأزمات الدولية خالد جاد: الأمن الغذائى قضية أمن قومى.. والأسعار يحددها العرض...

ليس كل أنيميا نقص حديد

لا شك أن انتشار مرض الأنيميا جعل البعض يخشى من تعرضه له، ما نشر حالة من الخوف بين الناس، لا...