معهد المخطوطات العربى.. من عـلم التـراث إلى تراث العلم

سوف يظل التراث العربى هو البحر الذى يجود دائما بكل ما هو نفيس وغال لكل طالب علم يبحر فى أعماقه فيخرخ الكنوز من اللؤلؤ والأصداف التى تثرى وتزيد من قيمة الأحداث

سوف يظل التراث العربى هو البحر الذى يجود دائما بكل ما هو نفيس وغال لكل طالب علم يبحر فى أعماقه فيخرخ الكنوز من اللؤلؤ والأصداف التى تثرى وتزيد من قيمة الأحداث التاريخية، وتضعها فى ميزانها الصحيح، وتدحض الافتراءات والتجاوزات فى حق وقائع أو أشخاص، ويعد معهد المخطوطات العربية واحدا من حراس التراث العربى، بل أهمها، حيث يعتبر أهم المراكز المعنية بالمخطوط فى الوطن العربى والعالم منذ إنشائه عام 1946 وحتى الآن، ليكون جهاز خدمات علمية متخصصا من أجهزة التربية والثقافة والعلوم فى جامعة الدول العربية باسم "معهد إحياء المخطوطات"، وهو يعنى بالتراث العربى المخطوط جمعا وإتاحة وفهرسة، وصيانة وترميما..

ويحتفل العالم بتراثه يوم 8 إبريل من كل عام،  حيث "اليوم العالمى للمخطوط"، وهو ما يدعونا إلى إلقاء الضوء على "المعهد" منذ وضعت أسسه الأولى وحتى الآن .

المعهد تم إنشاؤه بإيعاز من عميد الأدب العربى الدكتور"طه حسين"  وتوالى عليه علماء كبار كان أهمهم د.صلاح الدين المنجد المعروف "بسندباد المخطوطات" والذى يعد علامة فارقة فى تاريخ المعهد، لأنه أول من وضع الأسس العلمية لعمل المعهد وخطة سير البعثات العلمية، وأسس ما يمكن تسميته بالعمل التراثى المشترك وفكرته التى تمحورت حول الشمولية بمعنى إلغاء كل الحدود الجغرافية بين الدول، والتى تعتبر التراث ملكا للأمة.

 الدراسة والمهتمون والمصروفات

الدكتور أحمد إبراهيم المشرف على دبلوم علوم المخطوط بالمعهد، يقول: الدراسة فى معهد المخطوطات العربية تكون حسب توجه الشخص وميوله، والكتب الحديثة هى نتاج ثقافى من المخطوطات القديمة تم التفريغ منها بنسبة كبيرة ، وقبل أن يأتى المؤلف بمعلومة جديدة ، فالموضوع تراكمى بحت، فالمعلومة موجودة منذ البداية وتم جمعها من مؤلفات متناثرة وبالتالى تم إخراج مؤلف جديد، لكن هناك ضوابط يلتزم بها المحقق وهى إخراج الكتاب كما أراده صاحبه، وإبراز النص الأصلى كما أراده المؤلف، لأن النص مقدس حسب رؤية مؤلفه ، لكن مسموح للمحقق أن يقدم وجهة نظره فيما يعرف بالحواشى، أى يكتب ما يشاء ويعلق كيفما شاء . على ما يستحق التعليق.

أما عن أكثر الدارسين المهتمين بتحقيق كتب التراث فيقول د.أحمد: إن الصيادلة هم أكثر المهتمين بتحقيق المخطوطات التراثية الخاصة بالتراكيب والأدوية بالذات خاصة فيما جاء فى علم التفسير والفقه والأحاديث، وكذلك فى علم الرياضيات ، وهناك جانب مهنى للإفادة التجارية  لفتح مكاتب لتحقيق التراث، أو للإفادة الشخصية،  أما عن شروط الالتحاق بمعهد المخطوطات فأكد د. إبراهيم  أن هناك إقبالا من الطلاب على مستوى العالم، لكن الشروط التى تتطلب الاإلتحاق بالمعهد تنحصر أولا فى المعرفة بقواعد اللغة العربية وقراءتها وإجادتها من حيث التعبير، وعلى الدارس أن يكون حاصلا على درجة الليسانس أو البكالوريوس من أى جامعة معتمدة سواء كانت عربية أو عالمية، دون التقيد بسن أو مهنة معينة، أما مصروفات الدراسة فهى حوالى ألفى جنيه فى السنة للطالب المنتظم، وثلاثة آلاف للطالب المنتسب، كما أن هناك بروتوكولات تعاون بين جامعات لبنان وجامعة السلطان "محمد الفاتح " فى اسطنبول ، ومع جامعات فى هولندا أيضا، والهدف من هذا هو إخراج دارسين متخصصين فى علم المخطوط، ونشر ثقافته، والإلمام عند الدارس بكل ما يرتبط بالمخطوط فى الفهرسة، والترميم فى مادته ومضمونه.

 تحقيق التراث غاية منشودة

أحمد إبراهيم اللقانى، أحد الدارسين فى معهد المخطوطات، يقول: أنا متخرج فى جامعة حلوان قسم إدارة فنادق من سنة 2002، وبعد ذلك درست علوم الإرشاد السياحى، وعملت مرشدا سياحيا لمدة عشر سنوات، بعدها تركت الإرشاد وعملت باحثا فى التاريخ الإسلامى، ووجدت فى دراسة تحقيق الثراث غايتى المنشودة لأنك تقوم بعمل بعث الحياة فيه، أى بمثابة إحياء نصوص من بين الأموات، وتبعث فيها الروح مرة أخرى، حتى تصبح طريقا لنهضة الأمة فهذا شىء رائع، ودراسة المخطوطات تعطى عمقا فى التفكير، ودافعية للبحث العلمى والتحقق من المعلومات، وكيفية الحصول عليها من مصادرها الأصلية، وكيفية نقد ما وصلت إليه من معلومات، منها ما هو قابل لتصديق بعضها، ومنها كشف  النقد زيفه، والتحاقى بالمعهد كان لعدة أسباب أهمها اكتشاف ما لحق بالعرب والمسلمين من تزوير لحوادث تاريخية وعلمية، مثل حادثة خلاف سيدنا على ومعاوية بن أبى سفيان، وافتراءات البعض عليهما، سواء فى السيرة أو الفقه، أو العبادات، كل هذا بالتحقيق يتبين صحتة من عدمه.

 كتاب منسوب خطأ للإمام النووى

يضيف «اللقانى»: كذلك كانت هناك كتب شهيرة منسوبة لأناس مشهورين، وبالتحقيق تبين خطأ نسبتها لهم، ونعمل الآن على إخراج كتاب "للإمام النووى" منسوب خطأ له، ودراستى فى المعهد لا تقف عند تخصص بعينه، وإنما أدرس فى الموضوعات التالية: تحقيق النصوص، وفهرسة المخطوطات، كشف النصوص، ترميم مخطوطات، وفنون المخطوطات وهذا القسم الأخير ينقسم إلى الخط العربى، والزخرفة والتذهيب والتجليد، وكل هذا يساعدنى فى مجال عملى، ويزيد من إدراكى ووعيى لما أعمل به.

ثم يعلق «اللقانى» قائلا: إن النهضة التى تعيشها أوروبا الآن  قامت باتباع نقد النصوص، وتحقيقها، فقد قاموا بإحياء علوم اليونان والرومان، وأخيرا العرب المسلمين، إنهم بدأوا من حيث انتهى المسلمون، فقاموا بتحقيق ما وصل إليه المسلمون العرب فى الطب والهندسة والفلك والكيمياء وبعد التحقق وصلوا إلى ما وصلوا إليه الآن، وقد حان الوقت لاسترداد بضاعتنا التى سلبت منا، وأعنى علومنا وحضارتنا، وهذا ما أتعلمه فى دراستى، وعلى يد أساتذتى مثل الدكتور "فيصل الحفيان، والدكتورخالد فهمى، والدكتور محمد فتحى عبد الهادى وغيرهم.

 فكرة عن ماضى المهنة وتطورها

أما مى أسامة من سوريا "معلمة" وتبلغ من العمر 39 سنة فتقول عن اتجاهها لدراسة علم المخطوط: حبى للتراث والآثار والتاريخ القديم هو ما دفعنى لدراسة علم المخطوط  فى المقام الأول، أما السبب الثانى فيرجع إلى أن زوجى يملك دار نشر، وتخصصى هذا يساعده فى عمله، وكمعلمة أجد أن دراسة المخطوط  سوف تعطينى فكرة عن المهنة بالماضى، واستنباط أفكار جديدة لتدريسه وتطوره ، ومن خلال ذلك سوف أستطيع تطوير نفسى وإعطاء الأطفال فكرة عن ذلك.

 الإتجار بالمخطوطات ظاهرة عالمية

أما محمود إبراهيم فدراسته الأصلية هى علوم الآثار المصرية مع علوم اللغة العربية، واتجه لدراسة المخطوط كما يقول: دراسة المخطوط بالنسبة لى تحقيق لما درسناه عن الآثار المصرية، وإضافة معلومات جديدة عن تاريخ مصر، وآثارها، والاستفادة من علم دراسة المخطوط لا حد لها، لأن علم المخطوط علم واسع يشمل علوما كثيرة مثل الفهرسة، والزخرفة، والتجليد، وكلها علوم مهمة، تعطينا فكرة عن كيف كانت المخطوطات تصنع وتؤلف وتباع، وتمتلك وترحل من مكان لمكان، وأهم هذه العلوم "علم تحقيق المخطوط" لأنه يعرفنا العلوم التى برع فيها أسلافنا، واستفاد منها العالم كله، وأعمل الآن كباحث فى الآثار المصرية أو علم المصريات وأتعاون مع جامعة "بازل السويسرية " وأدير البعثات الأثرية للجامعة فى الأقصر.

ويضيف «إبراهيم»: فى الآونة الأخيرة أصبح الإتجار بالمخطوطات ظاهرة عالمية بعد تزايد الطلب عليه من قبل راغبى اقتناء كل ما هو قديم، وأصبحت هذه التجارة تديرها مافيا عالمية لمن يدفع أكثر، وهو ما يؤكد أن نصف تراثنا ليس فى أيدينا وإنما تم سرقته فى العصور الماضية لصالح دول لاتملك حضارة ، لكنها للأسف أقامت حضارتها على تراثنا القديم .


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

تفاصيل مشروع «رقمنة» صحة المصريين والقضاء على العشوائية الطبية

تقليل المضاعفات المرضية والحد من التشخيص الخاطئ للأدوية نستهدف تقليل الهدر الدوائى وضبط الاستيراد ومنع التهريب وتوفير مليارات الجنيهات سنوياً...

التصالح فى مخالفات البناء.. ملف لا يقبل الإغلاق وتعديل القانون «عرض مستمر»

د. عبدالمجيد جادو: خطوة محورية فى مواجهة العشوائيات ومخالفات البناء د. صبرى الجندى: تسهيلات غير مسبوقة لإنهاء الإشكاليات خلال فترة...

مهندسة مرض زوجها فتولت العمل مكانه.. سوَّاقة فى السويس

فى الوقت الذى يتخلى فيه بعض الزوجات عن أزواجهن حينما يتعرض الأزواج لأزمات مادية وأمراض جسدية.. سطرت المهندسة نيرمين جمال...

«أصوات سيارتك المزعجة».. قد تحرمك من القيادة «عاماً كاملاً»

مخالفة مرورية عقوبتها تبدأ بغرامة بين 5 آلاف و15 ألفًا الزنكلونى: الغرامة تتضاعف إذا تكررت المخالفة فى خلال 6 شهور