بعد 70 عامًا من الجدل حول كفاءة الدعم السلعى لابد من وجود بنية تحتية رقمية تتضمن بـيانات الأسر المستحقة للدعم
النقدى أم العينى ؟.. سؤال ظل حائرًا طوال 70 عامًا مضت دون الوصول إلى إجابة تحسم مصير قضية الدعم، لكن المناقشات فى هذا الشأن دخلت حيزًا مختلفًا داخل أروقة الحوار الوطني، وامتد النقاش لعدة جلسات تضمنت طرح مقترحات ومحاور رئيسية حسم صياغتها النهائية مجلس أمناء الحوار.
وتأتى هذه الخطوة فى إطار حرص الدولة على تعزيز المشاركة الشعبية فى صنع القرار، والوصول إلى حلول عادلة ومستدامة للقضايا التى تهم المواطنين، والتوصل إلى آليات توزيع وطرق الاستفادة بشكل أفضل.. تنعكس على تحقيق التنمية الشاملة.. وهذا ما نحاول استشرافه عبر التواصل مع خبراء اقتصاد وأعضاء فى الحوار الوطني.
بنية تحتية رقمية محدثة للأسر المستحقة
يقول الخبير الاقتصادي، الدكتور مصطفى أبوزيد، مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية والإستراتيجية، إن الدعم من الملفات الحيوية التى تهم المواطن المصرى البسيط تحديدا، لأنه يخص فى المقام الأول تلبية احتياجاته من المواد الغذائية الأساسية، وبالتالى كان من الضرورى أن تتم مناقشة ملف الدعم، بل يكون من أولويات الإهتمام أو على رأس الملفات المطروحه فى الحوار الوطني، لكى يتم خروجه بصيغة اتفاق أو مذكرة تفاهم على الآليات التنفيذية المقترحة لتحويل الدعم من عينى لنقدي، والتى من شأنها تحقيق مفهوم الاستحقاق الحقيقى للوصول إلى المواطن المستحق للدعم، والذى تحدد له الدولة رقمًا معينًا بالموازنة العامة.
وأضاف أن هناك عدة عوامل مهمة تتعلق بالتحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدي، لا بد أن تُؤخذ بعين الإعتبار، خاصة أن الدافع لهذا التحول هو أن القائمين على السياسات الاقتصادية فى مصر يستوعبون هدف زيادة كفاءة استهداف المستحقين للدعم، وتخفيف الأعباء عن المواطن، وفى الوقت نفسه التخفيف على الموازنة العامة، والسعى لوصول الدعم لمستحقيه الفعليين، كما أن الحكومة تتابع سير التنمية ومسيرة الإصلاحات والتحول الكامل نحو الدعم النقدى المباشر للمواطن، مع التركيز على تطوير آليات الاستهداف، والتحقق من وصوله إلى المواطن الأكثر احتياجا.
وأوضح أنه لا بد من وجود بنية تحتية رقمية محدثة، تتضمن بيانات كاملة للأسر التى تستحق الدعم، وذلك قبل البدء فى تحول الدعم من العينى إلى نقدي، مع وجوب تعريف المواطن المستحق ومواصفاته والمعايير التى على أساسها يتم اختيار تلك الأسر، وبناءً عليه يتم العمل، وحتى تكون البنية الرقمية مؤكدة، وعندها فقط ستكون المخصصات الموجهة من الدولة بالفعل ستصل إلى مستحقيها الحقيقيين، كما أن هناك نقطة أخرى فى غاية الأهمية لتحول الدعم من عينى لنقدي، وهى معدلات التضخم حتى لا يفقد الدعم النقدى جدواه، وتقل قيمته فى ظل ارتفاع أسعار السلع الاساسية أو على الأقل لابد أن يكون هناك ضمانة للمحافظة على كمية السلع والمنتجات التى كان يحصل عليها المواطن من قبل فى الدعم العيني.
وأضاف "أبو زيد" أنه لا بد من العمل على تثبيت الأسعار للسلع الأساسية خلال فترة الانتقال أو التحويل من الدعم العينى إلى الدعم النقدي، وذلك لتفادى أى تقلبات سعرية قد تؤثر سلبًا على معيشة المواطن، بالإضافة إلى ضرورة توفير شبكة أمان اجتماعى قوية تدعم الفئات الأكثر احتياجا خلال تلك الفترة الانتقالية، مع أهمية استخدام القنوات التكنولوجية فى تنفيذ نظام الدعم النقدي، لتسهيل عملية التحويل وضمان وصوله إلى المستحقين بسرعة وكفاءة، من خلال منصات إلكترونية رسمية وتطبيقات ذكية تتيح للمواطنين التعامل عن بُعد.. من حيث تقديم طلباتهم إلكترونيًا ومتابعة مستحقاتهم بكل سهولة ويسر.
إجراءات تمهيدية للتحول النقدي
يرى الخبير فى الشأن الاقتصادى الدكتور كريم عادل، رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن الدعم هو أحد أهم أدوار الحكومات لخفض تكاليف المعيشة على المواطن البسيط، ويعد أداة إجتماعية بالدرجة الأولى أكثر من كونها أداة اقتصادية تحقق وفرا فى بنود الموازنة العامة للدولة، والحكومة تواجه تحديا جديدا بين كيفية تحقيق التوازن بين سياسات ترشيد الدعم وسياسات كبح التضخم، وقضية تحول الدعم من عينى سلعى إلى دعم نقدي؛ تتطلب مجموعة من التدابير الوقائية، وكذلك إجراءات تمهيدية وحمائية قبل الاتجاه للتحول النقدى بصورة كاملة، لتفادى الاثار السلبية المحتملة جراء هذا التحول، إلى جانب ضرورة إختيار التوقيت المناسب للتنفيذ بإعتباره العامل الرئيسى فى إنجاح العملية لضمان إستدامتها.
وأضاف أنه فى ظل ارتفاع أسعار المنتجات البترولية، ومنذ التحرير الأخير لسعر الصرف، أصبح من الممكن أن يخرج معدل التضخم عن السيطرة.. ويحيد عن المستهدف منه، وهذا ما أشارت إليه لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى المصرى فى تقريرها الصادر عن اجتماعها الأخير من أن هناك مخاطر تحيط بمسار التضخم المتوقع، واستقرار أسعار الطاقة فى الأجل المتوسط، الأمر الذى يجعل قرار التحول إلى الدعم النقدى يحتاج إلى التأنى والدراسة والحوار المجتمعي، لبحث الإيجابيات والسلبيات وآليات التطبيق والتحسين، بما يحقق المستهدف من الدعم النقدى ووصوله للمستفيدين بصورة متغيرة وليست ثابتة، وفقا لنسب التضخم ومستويات الأسعار، وهو ما يحفظ استقرار أسعار السلع وانضباط السوق.
ونوه "عادل" إلى ضرورة إتباع نظام التدرج فى التحويل إلى الدعم النقدى حتى لا يصاب الإقتصاد بصدمة تضخمية كبيرة، كونه يتعارض مع إجراءات السياسة النقدية التقييدية الحالية، والتى تعمل على سحب السيولة وتجفيف منابعها بهدف كبح جماح التضخم والسيطرة عليه، وبالتالى فإن منح السيولة إلى أفراد الأسر المستحقة للدعم سيخلق توحيدا لأسعار كافة السلع فى الأسواق، بمعنى أنه سيكون سعر السلعة التموينية بنفس سعر ذات السلعة فى الأسواق الحرة، وبالطبع سيخفف العبء على ميزانية الدولة والمؤسسات المعنية بمنظومة السلع التموينية والرقابة عليها، إلا أن توافر سيولة مع الأفراد فى دورة الاقتصاد سيخلق طلبا حرا جديدا على السلع الأساسية وخدمات أخرى بصورة يترتب عليها الزيادة التدريجية فى أسعار السلع الأساسية بالأسواق.. وغيرها، ومن ثم ارتفاع معدل التضخم.
لذا فقد طالبت فى الحوار الوطنى بدراسة الأثر المترتب على قرار التحول النقدي، واتخاذ إجراءات مشددة للرقابة على الأسواق وقياس مدى توجه الدعم لمستحقيه، وكيفيه إنفاقه فى الأوجه المصروف من أجلها بقياس ومقارنة معدلات الاستهلاك والطلب على السلع السابق دعمها، وأن يكون تطبيق الدعم النقدى بصورة تدريجية ولتكن البداية فى المحافظات الصغيرة من حيث التعداد السكانى مثل محافظة بورسعيد مثلا كما حدث فى تطبيق منظومة التأمين الصحي، وتم البدء بها، وذلك لدراسة العائد والأثر المترتب على السوق المصرى وعلى الاقتصاد، كذلك حساب معدل التضخم بوجه خاص، وهو ما يضمن تجنب سلبيات تطبيق التحول والتعميم المطلق، لأن الهدف الأسمى من الدعم سواء النقدى أو العينى هو المساهمة فى تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة الاسر الاكثر احتياجا والتى تصل نسبتهم إلى ٦٥% وفقا لتقارير الدعم السلعى الحالية.
وقال الخبير الاقتصادى إن انجاح تحول الدعم السلعى إلى الدعم النقدى فى رأيى الشخصى يتمثل فى قاعدتين؛ أولهما: الاحتذاء بتجارب دولية سابقة فى تطبيق الدعم النقدى المشروط، بحيث يتم دراستها والاستفادة من إيجابياتها وتدارك سلبياتها كخطوة أساسية فى سبيل التخفيف من حدة الفقر ومواجهه صعوبات إجراءات الاصلاح الاقتصادي، ثانيهما؛ خضوع التجربة لمعايير الحوكمة، وهو أن يتمثل الدعم النقدى فى صورة كارت مشتريات ومنافذ بيع وتوزيع فى صورتها الطبيعية وليست منافذ سلع تموينية، بحيث يستطيع مستحق الدعم صرف السلع الأساسية بسعرها فى السوق من تلك المنافذ، ووجود نظام معلومات مميكن يتم من خلاله إثبات المشتريات وقيمتها والمتبقى له، وهو ما يمثل تعزيزا حقيقيا للاقتصاد المصرى ويضمن صرف مستحقى الدعم فى صورته المستهدفة وتحقق الهدف منه.
70 عامًا من الجدل
قال الخبير الاقتصادى الدكتور محمد أنيس، عضو الجميعة المصرية للاقتصاد السياسي، إن قضية الدعم الذى يقدم للمواطنين البسطاء بشكل عينى على هيئة سلع تموينية على مدار الـ70 عاما الماضية.. كانت دائما من القضايا الاقتصادية محل الجدل والاختلافات الفكرية الكبيرة والمتباينة، ولكن أثبت الوقت أنه لا يمكن الاستمرار فى تقديم هذا الدعم بشكل عينى كما هو معتاد بصرف سلع أساسية، ولكن فى الوقت نفسه هذا لا ينفى حتمية أن يقدم الدعم ولو نقديًا موجهًا بشكل احترافى للفئات الاجتماعية المستحقة، خاصة أن الدعم المطلق يعتبر هدرا مطلقا للاقتصاد، لذا كان للحوار الوطنى النصيب الأكبر من المناقشات الجادة بخصوص ملف الدعم، وامكانية تحوله من دعم عينى إلى دعم نقدي، ولكن يتطلب هذا الإجراء ضرورة وحتمية تنفيذه بشكل تقنى لتحقيق أقصى استفادة، وظهورة بصورة أكثر دقة وكفاءة، ولا بد من عمل تخطيط دقيق والخروج بجدول زمنى واضح لكيفية التنفيذ المحكم، لضمان تحقيق الاهداف المرجوة منه، وايجاد حلول للمشكلات والاثار السلبية التى ستواجه هذا التحول على أسعار السلع ومعيشة المواطن البسيط مع تحديد معايير واضحة لاختيار الفئات الاجتماعية التى يجب أن تستحق هذا الدعم النقدي.
وأضاف أن كل هذه التفاصيل تستهدف ضمان تحقيق العدالة الاقتصادية من خلال توفير دعم نقدى مباشر للأفراد المستحقين، مما يسمح لهم بتحديد أولوياتهم واحتياجاتهم الأساسية بدلا من التقييد بسلع معينه وخدمات محددة، والتى كان يقدمها الدعم العينى سابقا بالإضافة إلى أن الدعم العينى كان يعانى من مشكلات كبيرة تتعلق بالفاقد والتسريب؛ حيث كان الدعم العينى لا يصل بالكامل إلى مستحقيه الفعليين، ولكن من خلال التحول من دعم عينى إلى الدعم نقدي، وسنتمكن من تقليل هذه الخسائر بشكل كبير؛ حيث أنه وقتها سيتم تحويل الأموال مباشرة إلى حسابات المواطنين المستحقين، مما يقلل من فرص التلاعب والفساد التموني، ووقتها يمكن للحكومة من خلاله تعزيز كفاءة الإنفاق العام وتقليل الهدر فى الموارد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ارتفاع غير مبرر فى الأسعار شهدته أسواق الدواجن البيضاء مع دخول شهر رمضان المبارك، وهو ما دفع الدولة للتدخل وطرح...
السلع الغذائية تتصدر الأولويات بسبب الشهر الكريم أحمد هلال: أسعار الأجهزة الكهربائية شبه ثابتة منذ شهر أكتوبر الماضى
أكد المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عقب توليه الحقيبة الوزارية خلفا للدكتور عمرو طلعت،
أكد أحمد كجوك وزير المالية، أن القدرات الاقتصادية في مصر وتركيا متنوعة ونسعى لإيجاد تكامل يسمح بالتصنيع المشترك والتصدير للأسواق...