5 إجراءات نافذة لمواجهة نقص الدولار والقــضاء على السوق السوداء

توجيهات رئاسية بالسيطرة على الأسعار وتوفير السلع بكميات مناسبة

على عكس ما توقّعته مؤسسات التحليل الدولية المرموقة، وخلافًا لقرار بنك "الاحتياطى الفيدرالى الأمريكي"؛ أبقى "البنك المركزى المصري" أسعار الفائدة على الودائع بالجنيه عند معدلاتها السابقة؛ لتستقر عند 16.25 % للإيداع، و17.25 % للإقراض لليلة واحدة.

وقد اكتنف القرار الذى اتخذته "لجنة السياسات النقدية بـ"المركزى المصري" حالة من الغموض، خاصة أن غالبية البنوك المركزية حول العالم سارت فى ركاب بنك الاحتياطى الفيدرالى الأمريكي، ورفعت سعر الفائدة على الودائع بالعملة المحلية، لمواجهة آثار التضخم الذى يضرب العالم بقوة؛ نتيجة تراجع إمدادات سلاسل الغذاء حول العالم.

بيان سريع لإزالة اللبس

"لجنة السياسات النقدية" بـ"المركزى المصري" سارعت لإزالة اللبس لدى مؤسسات التحليل الدولية والمحلية أيضًا، وأصدرت بيانًا توضح فيه أسباب تثبيتها لسعر الفائدة على الجنيه المصري؛ لافتة إلى أن تلك الخطوة  "تتسق مع الارتفاع فى معدل السيولة المحلية".

وأكدت اللجنة أنها تركت أسعار الفائدة دون تغيير لـ"تقييم أثر سياسة التقييد الاستباقية وفقا لتوافر البيانات الاقتصادية خلال الفترة القادمة"، مؤكدة أن سياستها المستقبلية "ستعتمد على معدلات التضخم المتوقعة وليست السائدة".

وأشارت اللجنة إلى أنها "رفعت سعر الفائدة 800 نقطة أساس على مدار العام الماضي، 500 نقطة منها فى الربع الأخير من العام الماضي، وتعتقد أن هذا سيتصدى للضغوط التضخمية".

وكان "بنك الاحتياطى الفيدرالى الأمريكي" رفع سعر الفائدة على الودائع بالدولار خلال اجتماعه الأخير بمقدار 25 نقطة؛ لتصل إلى4.75%.

 أسعار الفائدة وتأثيرها على الأسعار

قبل الخوض فى تحليل قرار"لجنة السياسات النقدية" المصرية بتثبيت سعر الفائدة على الجنيه، نؤكد أن المواطن البسيط لا يعنيه ما ذكرته اللجنة من مصطلحات اقتصادية لا يفهمها إلا أصحاب الشأن، وكل ما يهم جموع الشعب أن يرى انخفاضًا فى أسعار السلع الأساسية والخدمات المقدمة إليه أو على الأقل ثباتها.

وعود على بدء؛ نؤكد أن السياسة النقدية لأى دولة تستهدف فى المقام الأول السيطرة على معدلات التضخم وما يستتبعها من زيادات أسعار السلع والخدمات، مستخدمة فى ذلك أسعار الفائدة على الودائع لتقوية العملة المحلية فى مواجهة سلة العملات الرئيسية، وفى مقدمتها الدولار الأمريكي؛ إذا اقتضت الحاجة. وهو الأمر الذى لجأت إليه الولايات المتحدة الأمريكية لتخفيف وطأة موجة التضخم الرهيبة التى ضربت أسواق العالم؛ تأثرًا بتداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية، التى ألقت بظلالها على بورصات السلع الأساسية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفائدة على الدولار الأمريكى ظلت "صفرية" لسنوات طويلة؛ بتوجيه من بنك "الاحتياطى الفيدرالي"، الذى كان يحرص على تخفيض قيمة الدولار؛ بغرض زيادة الصادرات، ومنافسة المنتجات المناظرة فى الأسواق الخارجية، مستهدفًا بذلك السلع الصينية والأوروبية فى المقام الأول.

وتأثرًا بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على أسعار السلع الغذائية حول العالم، قام الفيدرالى الأمريكى بزيادة أسعار الفائدة على الدولار حتى وصلت ـ خلال عام واحد فقط ـ  إلى 4.75%، الأمر الذى دفع البنوك المركزية حول العالم إلى زيادة أسعار الفائدة على عملاتها المحلية بذات النسبة؛ للحفاظ على أسواقها التصديرية، والتخفيف من أثر زيادات الأسعار على المواطنين.

ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية تستحوذ على النسبة الأكبر من حركة التجارة الدولية، ومن ثم فإن أى تغير فى قيمة الدولار سوف ينعكس (ارتفاعًا وانخفاضًا) على أسعار السلع فى الأسواق العالمية، كما هو الحال فى الوقت الراهن.

 أزمة مركبة تواجهها الحكومة المصرية

بالنسبة للحالة المصرية؛ نؤكد أننا لسنا فى معزل عما يجرى الأسواق العالمية، وقد تأثرنا كثيرًا بما شهدته من ارتفاعات غير مسبوقة فى أسعار السلع الأساسية مثل( القمح والزيوت واللحوم والأعلاف.....الخ)، خاصة أن معظم المعاملات التجارية تتم بالدولار الأمريكي.

وأخذا فى الاعتبار أن مصر تعتمد فى الأساس على استيراد أكثر من 60% من السلع الغذائية من الأسواق العالمية، فإن أى تغير فى قيمة الدولار سوف ينعكس فورًا على السوق المحلية، ومن ثم على الأسعار.

ونخلص من هذا إلى أن الأزمة فى مصر مُركّبة، بمعنى أننا نعتمد ـ بشكل كبيرـ  على العالم الخارجى فى توفير احتياجاتنا الغذائية، والأمر الآخر أننا لا نملك احتياطيا كافيا من الدولار؛ يُمكنّنا من استيراد تلك الاحتياجات من الأسواق الخارجية.

حتى وإذا كانت لدينا القدرة على الشراء من الأسواق العالمية؛ كما هو الحال فى الوقت الرهن ؛ فإننا سوف نصطدم بالارتفاع الهائل فى أسعار السلع الغذائية الأساسية؛ الناتج عن تراجع إمدادات  السلاسل الغذائية حول العالم؛ حيث انكفأت معظم الدول على نفسها لتلبية احتياجات مواطنيها قبل التوجه للتصدير.

 ضربات متوالية لمواجهة مافيا السوق السوداء 

بالعودة إلى تفسير قرار "البنك المركزي" بتثبيت سعر الفائدة على الودائع بالجنيه المصري، ومخالفته  السير على خطى الفيدرالى الأمريكي؛ نرى ضرورة التوقف أمام مجموعة من الإجراءات التى اتخذتها الحكومة المصرية خلال الفترة القصيرة الماضية؛ حتى يمكننا تقييم هذا القرار وأثره على السوق المحلية.

ـ لقد اعتمد "البنك المركزي" المصرى مؤخرًا  سياسة "سعر صرف مرنة"؛ لمواجهة تجار العملة والمضاربين على  الدولار، الأمر الذى أدى إلى استقرار سعر الدولار عند مستوى 30 جنيهًا مصريًا؛ مستهدفًا بذلك تشجيع حائزى الدولار على ضخه فى البنوك الرسمية، والابتعاد عن مخاطر البيع فى السوق السوداء، خاصة أن السعر خارج البنوك لم يعد مغريًا كما كان من قبل صدور قرار "سعر الصرف المرن".

ـ  فى ضوء  التلاعبات التى كان يقوم بها تجار العملة؛ شدّد "البنك المركزي" من إجراءاته وقيوده على تحويل العملة الأجنبية بطرق غير مشروعة إلى خارج البلاد.

ـ أصدر "البنك المركزي" تعليمات إلى البنوك الوطنية بضرورة إخطار العملاء بـ"أنه يحظر إساءة استخدام البطاقات الائتمانية وبطاقات الخصم المباشر، خاصة العملاء الذين لا يغادرون البلاد"، مؤكدًا أنه " فى حال ملاحظة البنك وجود استخدامات متكررة بشكل متزايد، بما يتنافى مع طبيعة استخدامات العميل، وبما يشير إلى الشك فى إساءة استخدام العميل للبطاقة أو العملة التى تم تدبيرها، خاصة فى حالة توافر مؤشرات على عدم مغادرة العميل للبلاد، فإنه يتعين على البنك موافاة الإدارة المركزية لتجميع مخاطر الائتمان بالبنك المركزى ببيانات كاملة عن هؤلاء العملاء، حتى يتسنى اتخاذ اللازم مع الجهات المعنية حيال هذه الممارسات".

 تعديل حدود السحب بالعملات الأجنبية

ـ فى ذات السياق؛ أصدر "المركزي" مجموعة من التعليمات الأخرى تم بمقتضاها (تعديل حدود السحب النقدى بالعملات الأجنبية على جميع البطاقات ـ تعديل حدود وتقييد استخدام البطاقات على بعض عمليات الشراء من الخارج).

ـ كما وجّه "المركزي" خطابًا للمصارف الواقعة تحت إشرافه ورقابته، أكد خلاله على أنه "فى حالة عدم ورود حصيلة العمليات التصديرية الخاصة بالذهب خلال مدة أقصاها 7 أيام عمل من تاريخ الشحن، وبعد متابعة المصرف للعميل 3 أيام عمل تالية فقط، يتعين عليه إبلاغ البنك المركزي".

ـ الأهم فى هذا السياق هو اعتماد البنك المركزى الروسى للجنيه المصرى كعملة أساسية للتبادل التجارى بين البلدين. ولم يكن لهذا الأمر أن يتحقق إلا بفضل العلاقات الوطيدة التى أرسى قواعدها الرئيس "السيسي" مع جميع القوى المؤثرة على الساحة الدولية.

بهذه الإجراءات استطاع "المركزى المصري" السيطرة على تجارة العملة خارج القطاع المصرفي، وأصبح هناك سعر مرن يتحدد على أساس العرض والطلب.

تحركات حكومية للسيطرة على الأسعار

بالتوازى مع هذه الإجراءات؛ تحركت الحكومة بكل أجهزتها للسيطرة على الأسواق والحد من ارتفاع الأسعار، وأعلنت عن تفعيل وتغليظ  العقوبات المنصوص عليها فى "قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية"، والتى تقضى بتوقيع  "غرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه ولا تتجاوز 500 مليون جنيه"، والحبس والغرامة  لكل من "الأشخاص الذين تسببوا فى علو أو انحطاط أسعار غلال أو بضائع أو بونات أو سندات مالية معدة للتداول عن القيمة المقررة لها فى المعاملات التجارية".

فى السياق ذاته، وبتوجيهات مباشرة من الرئيس "السيسي"، شكّل الدكتور على المصيلحى وزير التموين والتجارة الداخلية لجنة عليا من اتحاد الصناعات واتحاد الغرف ‏التجارية وحماية المستهلك لوضع سعر عادل للسلع الإستراتيجية والأساسية، كما أصدر الوزير تعليمات بتشكيل لجان مشتركة من مديريات التموين ‏ومباحث التموين وحماية المستهلك وهيئة سلامة الغذاء للنزول على ‏الأرض، ومتابعة وضع السعر على السلع فى مكان وخط واضحين للجمهور.

الإجراءات الحكومية للتخفيف من وطأة آثار الأزمة الاقتصادية على المواطنين لم تتوقف عند هذا الحد ولكنها امتدت لتشمل التسريع فى الإفراج عن السلع الموجودة فى الجمارك، خاصة السلع الأساسية والاستراتيجية، من أجل الحفاظ على معدلات الإنتاج، وزيادة المخزون السلعى قبل حلول شهر رمضان.

كما كثفت  الحكومة حملاتها الرقابية على الأسواق، وخصصت منافذ لبيع السلع المخفضة؛ لمواجهة أى غلاء فى الأسعار، فضلاً عن التوسع  فى برامج الحماية الاجتماعية، وعلى رأسها برنامج "تكافل وكرامة"، من خلال ضم الأسر الأولى بالرعاية إلى برامج الدعم النقدي.

فى الإطار ذاته، توسعت الحكومة فى معارض "أهلا رمضان" على مستوى محافظات الجمهورية؛ جنبًا إلى جانب مع منافذ وزارات الزراعة والتموين والداخلية، بهدف إتاحة كميات كبيرة من السلع أمام المواطنين فى مختلف المحافظات، بأسعار تقلّ عن أسعار السوق.

 الورقة الأخيرة فى يد الحكومة

فى ضوء كل هذه الإجراءات؛ يمكن القول إن الحكومة المصرية تحركت جديًا لمواجهة أكثر الأزمات التى يعانيها المجتمع المصرى فى الوقت الراهن، والمتمثلة فى توفير السلع الغذائية بكميات وأسعار مناسبة، إلى جانب مواجهة نقص الحصيلة الدولارية.  ولم يكن يتبقى أمام الحكومة سوى إعادة النظر فى أسعار الفائدة على العملة المحلية؛ لدفع عجلة الإنتاج المحلى إلى الأمام؛ وتشجيع الاستثمار الأجنبى على الدخول بقوة للسوق المحلية.

وترتيبًا على كل ما سبق؛ قررت "لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي" الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، ساعد فى ذلك زيادة سعر الفائدة على مدار العام المنصرم بنحو 800 نقطة، منها 500 نقطة  خلال شهور الربع الأخير من العام ذاته.

وإذا عقدنا مقارنة بين  الفائدة على الدولار ونظيرتها على الجنيه سنجد الأخيرة تمثل 3 أضعاف نظيرتها الدولارية، الأمر الذى يعتبر عامل جذب لضخ الدولار فى الجهاز المصرفي. وهو ما كانت تسعى إليه الحكومة قبل أسابيع قليلة.

 	مسعد جلال

مسعد جلال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من اقتصاد

مصر ترسم ملامح السيادة الرقمية الأفريقية من قلب نيروبى

فى مشهد يعكس تصاعد الحضور المصرى داخل ملفات التكنولوجيا والتحول الرقمى فى القارة السمراء، خطفت مصر الأنظار خلال مشاركتها فى...

«الدلتا الجديدة».. استراتيجية دولة لتحقيق الأمن الغذائى

يُعد مشروع الدلتا الجديدة أحد المشروعات القومية الكبرى، التى توليها القيادة السياسية اهتماماً خاصاً لما تمثله من أهمية قصوى لتحقيق...

آليات الحكومة لتطبيق «الدعم النقدى» بداية العام المالى الجديد

عضو الخطة والموازنة: اتخاذ كل التدابير لحماية المستهلك وضمان وصول الدعم لمستحقيه الإدريسى: الإشكالية مستمرة منذ عقود والخوف من التطبيق...

من القاهرة إلى الرياض: كيف تغيّر التداول الرقمي العرب

المال يتحرك – وقد انتقل إلى الفضاء الرقمي لم يكن الاستثمار في الأسواق المالية بالعالم العربي سهلاً في السابق. كان...