30 عامًا على رحيل صاحبة «الباب المفتوح» فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية فى دورتها الأولى.. وتناولت إبداع صاحب نوبل فى كتاب روايتها الأشهر تحولت إلى فيلم جماهيرى.. وكتبت سيرتها الذاتية بعد اعتقالات سبتمبر 8
لطيفة الزيات مبدعة كبيرة، ومناضلة وطنية حقيقية فى آن واحد، لا ينفصل إبداعها عن نضالها، وتجسد روايتها الأشهر "الباب المفتوح" هذا التلاحم بين القيمتين النبيلتين، الإبداع حين يعبر عن النضال الوطنى ويجسده ويتفاعل معه.. وهكذا كانت لطيفة الزيات مبدعة ومناضلة، أخلصت لإبداعها كما أخلصت لوطنها.
تقول الأوراق الشخصية للدكتورة لطيفة الزيات إنها ولدت فى مدينة دمياط، قبل أكثر من مائة وثلاثة أعوام، وبالتحديد فى 8 أغسطس عام 1923، فى أسرة متوسطة تجد فى التعليم ملاذا آمنا لها فى مستقبل الأيام.. لأب يدعى عبد السلام الزيات كان من كبار موظفى الإدارة المحلية، حتمت عليه طبيعة عمله التنقل بين عدد من المدن المصرية، لذلك تلقيت لطيفة تعليمها قبل الجامعى فى دمياط والمنصورة وأسيوط. وفى عام 1942 التحقت بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة فؤاد (القاهرة حاليا)، لكنها وفى ذات العام حولت أوراقها إلى قسم اللغة الإنجليزية، لتتفوق فيه، وتصبح واحدة من طلابه النابهين. وحصلت على ليسانس اللغة الإنجليزية عام 1946، ثم التحقت لطيفة بالدراسات العليا بالمعهد العالى للصحافة - الذى تحول بعد ذلك إلى قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة- وحصلت منه على الماجستير بتقدير جيد جدا، عن رسالتها "تأثير الترجمة على الصحافة الأدبية". ثم حصلت الزيات على درجة الدكتوراه من قسم الصحافة عن رسالتها "حركة الترجمة الأدبية من الإنجليزية إلى العربية فى مصر فى الفترة ما بين 1882-1925 ومدى ارتباطها بالصحافة هذه الفترة".
بعدها، تطورت مسيرة لطيفة الزيات الأكاديمية، فصارت رئيسا لقسم اللغة الإنجليزية بكلية البنات بجامعة عين شمس، ثم ترأست قسم النقد والأدب المسرحى بمعهد الفنون المسرحية، وبعدها عينت مديرا لأكاديمية الفنون فى عام 1972، وقضت بهذا المنصب فترة بسيطة، حيث تركته عام 1972، ثم أصبحت الزيات عضوا بأول مجلس إدارة لاتحاد كتاب مصر، برئاسة توفيق الحكيم، فى عام 1975.
بين الإبداع والنضال
أخلصت لطيفة الزيات بشكل كبير لعملها الأكاديمى، وتولت مسئوليات ومناصب اكاديمية، لكن هذه المسئوليات لم تحل دون إسهامها فى العمل الوطنى من ناحية، ولا دون إبداعها المهم والمؤثر، والفاعل فى الحركة الأدبية المصرية..
فمن ناحية العمل الوطنى، كانت الزيات أول طالبة يتم اختيارها لسكرتارية اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال. ومن خلال هذا المكان، استطاعت أن تستقطب عددا من الطالبات للانخراط فى النضال الوطنى ضد الاحتلال الإنجليزي. وأثناء دراستها الجامعية خطبت لطيفة للكاتب عبد الحميد عبد الغنى، الذى عرف باسم عبد الحميد الكاتب، لكن الزواج لم يتم، وبعدها تزوجت من احمد شكرى سالم، الذى عرف بنشاطه فى الحركة الشيوعية. وتعرضت لطيفة للاعتقال عام 1949، برفقة زوجها، على خلفية انضمامهما للتنظيم الشيوعى آنذاك.. وبعد خروجها من الاعتقال انفصلت عن سالم، ثم تزوجت بعدها من أستاذها اليمينى جدا الدكتور رشاد رشدى، لتنتقل عائليا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.
بعد سنوات طويلة، كانت لطيفة الزيات أحد أبرز الوجوه فى اعتقالات سبتمبر عام 1981.. وكان اعتقالها آنذاك دافعا لها ومحفزا لكى تكتب مذكراتها فى النضال الوطنى بعنوان "أوراق شخصية"، أو ما أطلق عليها بعد ذلك "أوراق شخصية.. حملة تفتيش". وفى هذه الأوراق استعرضت سيرتها الذاتية فى ثلاثة مراحل: الأولى عن سنوات حياتها فى دمياط وبيتها وأسرتها وجدها وجدتها وملامح حياتها فى تلك الفترة وتجربة سجنها فى الأربعينات.. والمرحلة الثانية روت فيها تجربة اعتقالها فى سجن القناطر فى اعتقالات سبتمبر الشهيرة، أما المرحلة الثالثة فتحدثت فيها عن قضية الحرية التى ناضلت من أجلها، ودفعت فى سبيلها سنوات من حياتها فى المعتقلات والسجون.. والغريب أن شقيقها محمد عبد السلام الزيات، كان واحدا من المقربين جدا للرئيس الراحل أنور السادات، ووصل إلى درجة أنه أصبح وزيرا لشئون مجلس الأمة، ثم نائبا لرئيس الوزراء، فى بداية عهد السادات الذى أمر باعتقال لطيفة بعدها بسنوات.
الباب المفتوح
تعتبر رواية "الباب المفتوح" واسطة العقد ودرة التاج فى إبداع لطيفة الزيات، فقد استطاعت فيها أن تنقل المرأة وقضيتها من الهامش إلى المتن، وأن تربط بين حرية بطلة الرواية وحرية الوطن.. ليلى بطلة الرواية تجد نفسها فى مواجهة العادات والتقاليد، والعرف الذى لا يرى للمرأة سوى دورا هامشيا.. فلا تستسلم لهذه الرؤية ولا لذلك العرف، وتتمرد عليهما وتنتزع حريتها انتزاعا. كانت مخطوبة لقريبها عصام، الذى تربى معها، ويعتبرها كما لو كانت قطعة من ممتلكاته، تتحرر منه وتخطب لأستاذها الأكاديمي رمزي، فلا تشعر ناحيته بالحب.. لتخلع فى النهاية خاتم الخطوبة وتتحرر منه، وتخبر حبيبها الأول الذى ظهر مرة أخرى فى حياتها، حسين، بأنها تحررت أخيرا، ولم تعد قطعة من ممتلكات أحد، وترسم لطيفة الزيات تحرر بطلة الرواية من كل تلك النظرة المجتمعية المتخلفة، التى تجعلها كقطعة أثاث، بتحرر الوطن من الاستعمار وأذنابه.. لتربط تحرر ليلى بتحرر الوطن.
فكرة تقدمية واضحة، تميزت بها رواية "الباب المفتوح"، التى نقلت صورة حية وواقعية للمرأة المصرية، التى صارت مؤثرة وفاعلة فى حاضر ومستقبل الوطن. وقد بدأت لطيفة الزيات كتابة الرواية فى عام 1957، وأصدرتها عام 1960، لتكون روايتها الأولى والملهمة.. ويتم اختيارها ضمن أفضل مائة رواية عربية، وتناولت الرواية زمنيا فترة الكفاح الوطنى منذ عام 1946 وحتى عام 1956 وما جرى فيها.. وهي فترة تزخم بقصص النضال التى تبارى خلالها شباب مصرنا الغالية فى الدفاع عن أرضها، على الطريق إلى تحريرها من المستعمر الإنجليزي.. وهى فترة عبرت خلالها لطيفة الزيات، كفتاة وامرأة مصرية، عن نفسها وعن جهدها الوطنى الذى لا ينكر، من خلال وجودها فى التنظيمات الوطنية التى قاومت الإنجليز.
شاركت لطيفة الزيات بالفعل فى مظاهرات الحركة الوطنية ضد الإنجليز، فقد شاركت فى مظاهرات شباب الجامعة فوق كوبرى عباس الشهيرة فى فبراير 1946، التى راح ضحيتها 28 شهيدا، بالإضافة إلى أكثر من 420 مصابا، بعد أن فتح جنود الاحتلال الكوبرى بكل وحشية أثناء سير المتظاهرين عليه، ورصدت لطيفة الأحداث ونقلت ما شاهدته خلالها فى كتابها "أوراق شخصية" الذى صدر بعد حدوث هذه المظاهرة الوطنية بعشرات السنين، إذ كتبت:
"بحر من الشباب يتناغم على كوبرى عباس عام 1946، هديره يخلخل أوتاد استعمار قديم، واستعمار جديد يتربص، وأنظمة عميلة، رجال بوليس يتبعون المظاهرات بهراواتهم الثقيلة، فجأة يتخلخل البحر، ويهوى الشباب إلى النيل عشرات بعد عشرات، ينجو منهم من ينجو، ويموت مَنْ يموت، وفى نفس اللحظة التى ينشطر فيها كوبرى عباس إلى شطرين، وينحرف شطر الكوبرى المؤدى إلى قلب المدينة، تدفع الهراوات بالمؤخرة إلى الهاوية، وعلى شط النيل جلست الشابة الجامحة التى وجدت الملاذ فى الكل تستر العرى، عرُّها، عرُّهم، عريُّنا، تجلس ليلا وصبحا وضحى، حتى ينتهى الغواصون من مَهمة انتشال الجثث، وتلف بعلم مصر الأخضر جثة بعد جثة، تتسابق يداها وأيدى الآخرين، الكثير من الأيدى والجثث ترتفع كالأعلام عالية على أيدى العاشقين".
هذا النضال وهذا الزخم الوطنى، الذى كان يلمع كالذهب، وسم مسيرة لطيفة الزيات طوال حياتها.. فتجلت فى إبداع روايتها الأولى والأشهر، ولذلك كان طبيعيا أن تكافأ رواية "الباب المفتوح" مبدعتها، بعد صدورها بـ 36 عاما، إذ فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية فى دورتها الأولى عام 1996.
الزيات كانت شديدة الارتباط بصاحب نوبل وإبداعه، إلى درجة أنها أصدرت كتابا نقديا مهما بعنوان "نجيب محفوظ.. الصورة والمثال" عن روايات محفوظ التى صدرت فى عقد الستينات مثل "اللص والكلاب" و"ميرامار" و"الشحاذ" و"الطريق".. وكان الكتاب عبارة عن مقالات نقدية تناولت الرؤية الفلسفية التى وسمت روايات محفوظ فى الستينات، وناقشت ما اتسمت به هذه الروايات من طابع رمزى شديد الدلالة.
لم يكن إنتاج الزيات غزيرا. فبخلاف رواية "الباب المفتوح"، التى تحولت إلى فيلم سينمائي شهير، من بطولة فاتن حمامة ومحمود مرسى وصالح سليم وحسن يوسف وشويكار وإخراج بركات عام 1963، أصدرت مجموعة قصصية بعنوان "الشيخوخة وقصص أخرى" عام 1986، ثم رواية "صاحب البيت" عام 1994، ثم مجموعة قصصية بعنوان "الرجل الذى عرف تهمته" عام 1995.. إضافة إلى إنتاجها النقدى والأكاديمى.. لترحل لطيفة الزيات فى 11 سبتمبر عام 1996 بعد إصابتها بالسرطان، تاركة بصمة لا تمحى فى الإبداع، وفى النضال الوطنى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الدراسة الأكاديمية أضافت لى الكثير من الوعى والعمق الأدبى والتراثى أتمنى أن أسهم بشكل متفرد فى المسرح الشعرى
30 عامًا على رحيل صاحبة «الباب المفتوح» فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية فى دورتها الأولى.. وتناولت إبداع صاحب نوبل فى...
جدّه الملك لويس الخامس عشر هو من اختار له زوجة من النمسا بهدف تقوية العلاقة بين عرش باريس وعرش فيينا...
«الدوقى» يكشف قصة المعلمة خضرة تعلب.. مؤسسة أسطورة الباطنية اللواء وليد الدوقي: فيلم نادية الجندى خيال سينمائي لا علاقة له...