صاحب نوبل يعترف: أنا كمال عبد الجواد.. والسياسة قائمة فى كل أعمالى

كتابة الأسماء الحقيقية فى «المرايا» كانت ستضعنى فى مواجهة عشرات القضايا مقهى عرابى الأكثر تأثيراً فى إبداعه.. وفكرة «الكرنك » ولدت على كراسيها الأستاذ يحكى قصة تتلمذه على يد سلامة موسى وكيف تأثر بأفكاره

في أغسطس الجاري، وبالتحديد في العاشر منه، تمر عشرون عاما على رحيل صاحب نوبل، وعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، و لا بد أن يكون الاحتفاء بهذه الذكرى مناسبا لعبقرية وعظمة صاحبها، فالرجل الذي رفع رأس الأدب العربي في عصرنا الحديث عاليا، يستحق ما هو أكبر بكثير من الاحتفاء العابر.

جمعت الأديب الكبير الراحل محمد جبريل بصاحب نوبل صداقة إنسانية طويلة وممتدة، صداقة كان لها وزنها وتأثيرها، إلى درجة أن يوافق محفوظ على أن يكتب جبريل مقدمة مجموعته "صدى النسيان"، التي صدرت عقب فوزه بنوبل، وهو شرف كان محمد جبريل لا يمل من استدعائه وذكره، معتزا بهذه الصداقة التي جمعته بصاحب نوبل.

كتب جبريل كتابين عن صاحب نوبل أولهما "نجيب محفوظ.. صداقة جيلين"، الذي صدر عن سلسلة كتابات نقدية بالهيئة العامة لقصور الثقافة عام 1991، وثانيهما "زيارة أخيرة إلى حضرة نجيب محفوظ" وصدر عام 2023. وبه كان جبريل يكتب إسهاماته الأخيرة عن صديقه الكبير، وتضمن عدداً من المقالات التي كتبها جبريل عن محفوظ.

رحلة في عالم الأستاذ
كتابه الأول والأهم عن صاحب نوبل، الذي نحن بصدد عرضه، فقد صدر منذ خمسة وثلاثين عاما، وعقب فوز محفوظ بحوالى ثلاث سنوات، وفي حياته ووجوده، وفيه يقوم جبريل برحلة في عالم إبداع نجيب محفوظ من ناحية، وفي حياته الإنسانية والواقعية من ناحية أخرى، محاولا أن يكشف عن هذا التأثير والتأثر بين حياة عميد الرواية العربية وإبداعه.

وبشكل واضح، يؤصل جبريل لهذه العلاقة خلال الصفحات الأولى لكتابه، رابطا بين حياة الشاب نجيب محفوظ في الواقع (ويشير إليه في الكتاب بـ "الفنان") وحياة كمال عبد الجواد أحد أهم أبطال الثلاثية محفوظ الخالدة حين يكتب: "وإذا كانت الثلاثية تسجيلا للخطوط الرئيسية لمرحلة هامة من حياة كتابنا الكبير نجيب محفوظ (أنا كمال عبد الجواد في الثلاثية - من حديث صحفي) فإنها لا تخلو من أحداث يصح انتسابها إلى الواقع الفني، ويصعب تسميتها بالترجمة الذاتية ومن ثم فلا بد أن نفرق - أحياناً - برغم كلمات الفنان الواضحة المحددة بين شخصية البطل كمال أحمد عبد الجواد والمؤلف نجيب محفوظ عبد العزيز الباشا.. وثمة شخوص كان لها تأثيرها البالغ في تكوين شخصية نجيب - كمال - الطفل ثم نجيب - كمال - المفكر والفنان.. وأسهمت في تجسيد تلك الشخصية التي تعد - بلا جدال - مرآة لضمير عصرها".

ويشير جبريل إلى ارتباط محفوظ في طفولته بوالدته ارتباطا كبيرا، وربما كانت حكاياتها وحواديتها، التي كانت ترويها له قبل نومه أحد أسباب تكون بذور ذائقته الروائية، وقد كانت تصحبه دائما إلى الأماكن الأثرية البارزة، فصار مولعا بالتاريخ المصري القديم، وربما لهذا السبب كانت رواياته الأولى تحكي عن تاريخ أجدادنا المصريين القدماء. كما تأثر محفوظ أيضا في المرحلة الثانوية بمدرس اللغة العربية، الذي دله إلى كتب التراث، فأصاب فائدة عظيمة في تكوين وتشكيل شخصيته المبدعة.

سأل محمد جبريل نجيب محفوظ يوما عن أبناء جيله من الأدباء، وأنهم لا يحتفون بالعلم نفس حفاوته، مع أنه خريج فلسفة، بينما منهم من تخرج في التجارة أو الهندسة أو الطب، فأجابه محفوظ: "أرجو ألا تنسى في حالتي خاصة أنني تتلمذت على سلامة موسى - أبي ثورة يوليو الروحي - ومنه تعلقت بالعلم والاشتراكية، ثم أضاف محفوظ عن تأثير سلامة موسى في تكوينه الفكري: كان لسلامة موسى أثر قوي في تفكيري، فقد وجهني إلى شيئين مهمين.. العلم والاشتراكية، ومنذ دخلا مخي لم يخرجوا منه إلى الآن. وكان الأديب الوحيد الذي قبل أن يقرأ رواياتي وهي مخطوطة، قرأ ثلاث روايات وقال لي إن عندي استعدادا، ولكن الروايات غير صالحة للنشر. ثم قرأ الرواية الرابعة، وكانت "عبث الأقدار"، وأعجبته، ونشرها كاملة في المجلة الجديدة، كما قرأ أول أقاصلص كتبتها ونشر بعضها".

وأضاف جبريل: نجد في أعمال محفوظ تأثرا واضحا بدعوة سلامة موسى لاستبدال العلم بالخرافات، والمساواة بين الجنسين، والتبشير بعصر الصناعة والآلة والاشتراكية، والأدب المرتبط بالمجتمع الهادف إلى الإنسانية.

بين العلم والدين
ويصل جبريل إلى نتيجة مهمة حين يكتب: ولعلى أتصور الرحلة المضنية الطويلة التي قطعها كمال عبد الجواد في "الثلاثية"، وتسلل الفتوات في "أولاد حارتنا" منذ الجبلاوي، إلى حنش وعمر الحمزاوي في "الشحاذ"، والحيرة بين العلم والدين أو بين الفن والعلم، تلك الرحلة كانت تأثرا مباشرا بأفكار سلامة موسى، الداعية إلى العلمية، وما قابلها في قراءات نجيب محفوظ الأخرى، والجو الذي عاش فيه من معتقد ديني صارم، انتصر العلم حينا، كما في "أولاد حارتنا"، وهمس اليقين الديني بكلماته حينا آخر، كما في "الشحاذ"، وامتزج البعدان في أعمال أخرى وفي أحاديث الفنان (يقصد محفوظ) الصحفية، وإذا كانت الأزمة في "أولاد حارتنا" و"الطريق" و"اللص والكلاب" و"الشحاذ" أزمات روحية، فإنها في "السُمان والخريف" – تحديدا - أزمة سياسية واجتماعية.

يذكر جبريل كلمات مهمة أدلى له بها نجيب محفوظ، حين قال له في أحد حواراتهما: "إذا أردت تجنيب الفن هموم السياسة، فأنت تسلب أعمالي بعدا مهما. السياسة قائمة في كل ما كتبت، حتى الأعمال التي تناقش هموما ميتافيزيقية"، ثم يضيف جبريل: كتبت يوما أن نجيب محفوظ، الذي ظل لأعوام طويلة أديبا يعنى في أعماله بهموم بلاده الاجتماعية والسياسية، أصبح بتغير الصورة التي صنعها توالي الأحداث الكبيرة في حياة مصر أقرب إلى السياسي الذي يهوى الكتابة الأدبية. وفرضت الأحداث على محفوظ ألوانا من الكتابة تخالف اللون الذي قصر إبداعه عليه لأكثر من عشرين عاما، وهو الرواية، فكتب المسرحية ذات الفصل الواحد، والقصة القصيرة، والمقال السياسي، والخاطرة، والرأي.. ولقد واجه محفوظ الاتهام بأن كتاباته بعد النكسة تحولت إلى ما يشبه الفوازير والأحاجي، وأن تفسير ذلك أن حياته - وحياة الآخرين أيضا - تحولت إلى ما يشبه الفوازير والأحاجي في أعقاب النكسة، وأن تلك الكتابات واقعية تكاد تكون فوتوغرافية.

وهنا لا بد وأن نعلن اختلافنا الجذرى مع محمد جبريل، رحمه الله، في هذه الرؤية التي أوردها في السطور السابقة، فقد ظلت الرواية هي الإبداع الذي أولاه محفوظ كل همه واهتمامه، ولم يتوقف عن كتابة أو إصدار روايات إلا في أعقاب ثورة يوليو، ولسنوات قليلة، ربما ارتباطا بالظرف العام في مصر في تلك الفترة، أما كتابته للمسرحية ذات الفصل الواحد أو القصة القصيرة أو المقال، فمردود عليه بأن المسرحية والقصة القصيرة هما جنسان من أجناس الإبداع الأدبي، كالرواية تماما، أما المقال فمن الطبيعي بحكم أن محفوظ كان كاتبا بالأهرام وغيرها، وبحكم أنه شخصية عامة فاعلة في الحياة الثقافية والاجتماعية، أن يكتب مقالات، خاصة أن كتابة المقال كانت مصدر دخل له، في وقت كان العائد فيه من كتابة الرواية - رغم أن محفوظ كان عميدها وعمدتها - بسيطا جدا.. ثم إن ما كتبه الأستاذ قبل النكسة وبعدها لم يكن غامضا على الإطلاق، ولا يمكن اعتبار رواية واحدة مما أبدع تدخل في بند الفوازير والأحاجي، ويكفي للتدليل على صحة كلامنا رواية "ثرثرة فوق النيل"، التي فهم الجميع أنها تنتقد الواقع السياسي والاجتماعي بقوة، وتحذر من كوارث النكسة قبل حدوثها، وبسببها كاد محفوظ أن يعتقل لولا تدخل عبد الناصر شخصيا. والأمر نفسه ينطبق على قصة "سائق القطار"، التي فهم البعض منها أن محفوظ يرى أن عبد الناصر يقود مصر إلى الهلاك، ولولا أن ثروت عكاشة أوضح لعبد الناصر أن القصة لا تطعن فيه - مع أن بها إحالات رمزية دالة - لتم اعتقال محفوظ.
المقهى.. شخصية رئيسية
يتحدث محمد جبريل عن المقهى في إبداع نجيب محفوظ، ويقول إن المقهى كان شخصية رئيسية في معظم أعماله، واختارها مكانا للجلوس ومعايشة الناس والتأمل، فانسحب ذلك كله في أعماله بصورة أو بأخرى. ويذكر قول محفوظ: "إن أشد الأمكنة أثرا في نفسي هو حي الحسين، وآثار القاهرة والمقاهي". ويردف بعفويته الطيبة أنه "يحب قعدة الشارع والرصيف، ويحب المقاهي لأنها هي التعبير عن الشارع والرصيف"، وكما قال محفوظ "فقد فرضت القهوة علينا شخصيتها، وصار اللقاء في القهوة من أحب الأشياء الى نفسي".
ويقول محمد جبريل أن فكرة رواية "الكرنك" ولدت عند نجيب محفوظ وهو يجلس على مقهى عرابي، عندما رأى حمزة البسيوني مدير السجن الحربي في عصر عبد الناصر يدخل المقهى، ولما عرف أن هذا الرجل هو حمزة البسيوني ولدت فكرة الرواية وشخصية الضابط خالد صفوان.. ونضيف من عندنا حكاية معروفة ثانية، ربما تكمل تلك الحكاية، وهي أن محفوظ التقى على مقهى ريش بالأديب القاص الشاب وقتها سعيد الكفراوى، وكان قد خرج من المعتقل لتوه، وسأله "ايه اللي حصل يا كفراوى؟"، فقص عليه الكفراوى تجربته، فكانت الشخصية الرئيسية الأخرى (إسماعيل الشيخ.. طالب الطب المعتقل). ويواصل جبريل: ولعلى أتصور من متابعتي لما كان يتردد في قهوة عرابي، من مناقشات ونكات وأسرار عامة، خاصة أنها كانت نبضا رئيسيا لغالبية أعمال محفوظ، ربما بأكثر مما وهبته المقاهي والأماكن الأخرى عموما.
ويواصل جبريل: محفوظ كان يلتقي أصدقاء طفولته في قهوة عرابي، يتبادل الجميع القفشات والنكات والأحاديث التي تجاوز أسوار الفن، فيدونها الفنان في ذاكرته الواعية، ثم في نوتته الصغيرة ليقيد منها فيما بعد في كتاباته.
ويتحدث جبريل في كتابه أيضا عن أنه حينما أقامت الأهرام - برئاسة هيكل - احتفالية كبرى في مناسبة عيد ميلاد محفوظ الخمسين عام 1961، حدثه محفوظ بكثير من الحزن عن أنه مهموم، لأن رواياته لا تجد طريقا واضحا لترجمتها إلى اللغات الأخرى.
ويتحدث جبريل أيضا عن كثير من الحوارات والمساجلات التي جرت بينه وبين محفوظ، بخصوص أعماله، منها مثلا نقاشهما حول رواية "المرايا" وقول محفوظ: "المرايا" أمنية لم أحاول تحقيقها. لقد هذا العصر، وحاولت أن أسجل تأملاتي وآرائي، في بعض من التقيت بهم وعاشرتهم من رجاله ونسائه، وبالطبع فإن كتابة الأسماء الحقيقية كانت ستضعني في مواجهة عشرات القضايا.
الكتاب شديد الأهمية، ويحفل بكثير من وقائع لقاءات جبريل بمحفوظ، منذ أن سعى جبريل - بعد تعيينه صحفيا ناشئا بجريدة "المساء" - للقاء محفوظ في ندوة كازينو أوبرا، وحضوره هذه الندوة، وتعرفه على محفوظ عن قرب، وأول حوار صحفي أجراه معه، وزياراته الكثيرة لمحفوظ في مكتبه بمؤسسة السينما، ونصائح محفوظ الكثيرة له.. الكتاب حافل بما يمكن أن نستمتع به في حضرة صاحب نوبل.. فسلاما لهما في عالمهما الآخر، نجيب محفوظ ومحمد جبريل، وقد جمعتهما صداقة جيلين من أجيال مصر العظيمة.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيرة نجيب محفوظ وماسبيرو.. سيرة مصر

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - اللاعبون و الجمهور

العائلة الكبيرة هجّت من حر شوارع القرية إلى حدود شط النيل.. جمعوا أنفسهم، من الرجال إلى الأطفال، منهم من لم...

شخصيات لها تاريخ «115» جورج واشنطن.. أبو الأمة الأمريكية

جده جاء من بريطانيا واشترى مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية فى ولاية فيرجينيا ووالده كان يعمل قبطاناً بحرياً تولى مهام...

ماذا يتبقى من أغانى الشيخ إذا حذفنا كلماتها؟ «2:2»

محمد العسيرى: قيمة إمام لا تسقط باستبعاد نجم الحالة الذكورية فى حياته خلقت نوعًا من الحدة و «النشفان» فى ألحانه...

قبل 4 شهور من انطلاقه .. معرض الكتاب فى خطر

الدورة ال 58 من المعرض بلا رأس ولا رئيس.. بعد أن كانت سابقتها برأسين ورئيسين الدورة المقبلة تعانى حتى الآن...